أثارت وثيقة تم تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، جدلا كبيرا، تضمنت استفسارا موجها من مدير مؤسسة تعليمية إلى أستاذ لمادة اللغة الأمازيغية حول سبب توقيعه بحروف تيفيناغ.
وأظهرت الوثيقة المتداولة أن المدير استند في استفساره إلى مراجع عدة، شملت دستور المملكة المغربية، وقرار رئاسة الحكومة بشأن اللغة المعتمدة في المراسلات، بالإضافة إلى المنهاج الدراسي المغربي.
وأوضحت المراسلة المزعومة أن المدير اعتبر توقيع الأستاذ بحروف تيفيناغ على النشرة الداخلية رقم 11/25-26 بمثابة استهتار بالوثائق الإدارية، وبثوابت المملكة وهويتها الوطنية، مشيرة إلى أن هذا التصرف يتنافى مع القرارات الرسمية التي يجب اتباعها.
وأضاف كاتب الوثيقة، بحسب ما ورد فيها، أن أساتذة مواد أخرى كاللغة الفرنسية والرياضيات لا يستخدمون رموزا خاصة في توقيعاتهم، مطالبا أستاذ اللغة الأمازيغية بتوضيح سبب هذا التصرف، ومانحا إياه مهلة 48 ساعة للرد، قبل اعتبار ذلك امتناعا عن الجواب.
وتعليقا على الموضوع، أكد عبد الله بادو، المفتش التربوي وعضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، أن استخدام الأستاذ لحروف “تيفيناغ” في توقيعه يعد حقا من حقوقه المكفولة دستوريا، واصفا استفسار المدير حول الواقعة بأنه تصرف “خارج التاريخ وخارج السياق الدستوري”.
وصرح بادو لجريدة “العمق” أن لجوء الأستاذ إلى تيفيناغ أو العربية أو أي لغة أخرى متداولة داخل المنظومة التربوية هو حق مضمون، معتبرا أن الأستاذ يستخدم لغة رسمية للبلاد وليست لغة أجنبية. وشدد على أن اللغة الأمازيغية لغة رسمية بموجب الدستور والقانون التنظيمي، وهي من اللغات المعتمدة في التدريس والتراسل الإداري.
وأوضح المتحدث ذاته أنه من حق الأستاذ أن يراسل مديره المباشر أو المدير الإقليمي والجهوي باستخدام اللغة الأمازيغية، لأنها اللغة التي يدرس بها، وتساءل عما إذا كان سيتم حرمان الأستاذ المتقن للأمازيغية فقط من حقه في التراسل وكتابة الوثائق.
وأشار بادو إلى أن جميع الوثائق التي ينتجها أستاذ اللغة الأمازيغية، من تخطيط واستعمال زمن وجذاذات ومذكرة يومية، مكتوبة بحرف تيفيناغ، مستنكرا أن يتم منعه من استخدامها في توقيعه. واعتبر أن تصرف الأستاذ قانوني ولا يخالف الأعراف والتقاليد الإدارية ما دامت هي اللغة التي يدرس بها.
وأضاف الخبير التربوي أن مثل هذه العقليات للأسف ما زالت منتشرة في المنظومة ومؤسسات أخرى، مما يطرح سؤالا حول مدى حماية الدولة للموظفين من تعسفات بعض المسؤولين الذين يفرضون أمورا تجانب الصواب والدستور والقانون.
وختم بادو تصريحه بالقول إن هذا السلوك من طرف المدير غير مقبول، ويتوجب عليه مراجعة نفسه وقراءة الدستور ليعرف معنى اللغات الرسمية ومكانتها وأدوارها، مؤكدا على ضرورة احترامها إلى جانب باقي اللغات المستعملة في المنظومة التعليمية.
من جانبه، وصف الناشط الامازيغي موحى فوكال، الاستفسار الذي تلقاه زميله من مدير مؤسسة ابتدائية بسبب توقيعه بحروف تيفيناغ بأنه “استفسار تعسفي” وغير مقبول، معتبرا أن المدير يغرد خارج السرب ويخالف بشكل صريح دستور المملكة وقرارات رئيس الحكومة.
وأوضح فوكال، وهو مدرس اللغة الأمازيغية بجهة الرباط سلا القنيطرة، أن الخطأ الذي وقع فيه المدير “كارثي”، حيث إنه يستدل بمراجع وقوانين هي في الحقيقة ضده وتدعم موقف الأستاذ، ومنها دستور المملكة، وقرار رئيس الحكومة، والمنهاج المغربي.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن ما زاد الطين بلة هو أن المدير في استفساره قارن بين لغة رسمية ومادة دراسية، حين اعتبر أن أستاذ الرياضيات لا يوقع بالمعادلات الرياضية أو الأشكال الهندسية، وهو ما يكشف، حسب المصدر، أن المدير لا يميز بين مفهوم اللغة ومفهوم المادة.
وأضاف فوكال أن قرار رئيس الحكومة الذي استند إليه المدير يدعو بشكل واضح وصريح جميع المسؤولين والأطر والموظفين والمستخدمين إلى “استعمال اللغة العربية أو اللغة الأمازيغية في إصدار القرارات أو تحرير الوثائق الرسمية والمذكرات الإدارية وكافة المراسلات”، وهو ما يجعل تصرف المدير مخالفا للتوجيهات الرسمية.
وتساءل أستاذ اللغة الأمازيغية عن الخلفيات الحقيقية وراء هذا التصرف، مرجحا أن يكون لدى المدير حساسية تجاه اللغة الأمازيغية أو خلفية معينة، مشيرا إلى أن المدير بهذا التصرف يبدو وكأنه يستدل بدستور أو قرارات رئيس حكومة لدولة أخرى غير المغرب، لأن جميع القوانين المغربية، وعلى رأسها الدستور الذي ينص في فصله الخامس على رسمية الأمازيغية، تمنح الأستاذ الحق الكامل في استعمال لغته الرسمية.
اترك تعليقاً