“برنامج 2026-2029”.. هل تنقذ ميزانية 630 مليون درهم واحات زاكورة من الفناء؟
جرى، يوم الجمعة الماضي، إعطاء الانطلاقة الرسمية لـ“برنامج تأهيل وتهيئة واحات زاكورة 2026-2029” بغلاف مالي استثماري يناهز 630 مليون درهم، في خطوة حكومية تتوخى إنقاذ النظم الواحاتية بحوض درعة من الانهيار التام.
ويأتي هذا البرنامج، الذي يستهدف تهيئة 26 ألف هكتار وعصرنة البنية التحتية المائية، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الداعية لرد الاعتبار لمناطق الواحات والجبال، وسعيا لتحصين هذه المجالات الهشة ضد تداعيات الجفاف الهيكلي الذي بات يهدد وجودها التاريخي.
ورغم سقف الطموحات المرتفع الذي يطرحه البرنامج، إلا أن الشارع الزاكوري والفعاليات المدنية والحقوقية بالإقليم تستقبل هذه الأرقام بحذر شديد، معتبرة أن معركة الإنقاذ تتجاوز منطق تشييد الجدران وتبطين السواقي بالإسمنت، لتصطدم بعقبات تدبيرية وإقصائية تراكمت عبر العقود.
وفي هذا السياق، كشف جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بزاكورة، عن الوضع الكارثي الذي آلت إليه واحات درعة، مؤكدا أنها تحولت إلى ما يشبه الأطلال والمقابر جراء هلاك آلاف الأشجار من نخيل التمر، وهو ما أدى مباشرة إلى انهيار المورد الأساسي لعيش الساكنة وانتشار الفقر والبؤس وارتفاع معدلات الهجرة.
وأوضح أقشباب في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذا التدهور ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تظافر عوامل الجفاف مع سياسات فلاحية فاشلة في تدبير المجال الواحاتي، مشيرا إلى أن الميزانيات الضخمة التي رُصدت في العقد الأخير، والتي تجاوزت 12 مليار دولار على الصعيد الوطني، لم يكن لها أثر ملموس على واقع إقليم زاكورة الذي ظل نصيبه ضئيلا وغير مؤثر.
وأشار المتحدث ذاته إلى وجود خلل بنيوي في تدبير المشاريع، مبرزا أنه عدد من الدراسات يتم إسنادها لمكاتب تفتقر للخبرة بخصوصية الواحات، مع تسجيل إقصاء مقصود للساكنة وللمجتمع المدني من عملية التخطيط والتنفيذ، وهو ما يطرح أكثر من علامة إستفهام.
وشدد المصدر نفسه على أن أي مشروع تنموي لا يشرك السكان مآله الفشل، مستنكرا في الوقت ذاته ما وصفه بـ“العقدة” لدى السلطات الإقليمية تجاه المجتمع المدني، وهو ما تجلى في القاعات الفارغة للملتقيات الرسمية التي باتت تُدبر بطريقة بيروقراطية تقصي الفاعلين الميدانيين.
من جهة أخرى، أكد رئيس جمعية أصدقاء البيئة على ضرورة توثيق المداخلات العلمية للباحثين والمختصين في المجال الفلاحي، وذلك لتحويلها إلى أرضية للمرافعة على مشاريع مندمجة ومهيكلة، بدلا من تركها تذهب سدى.
وختم أقشباب تصريحه بالقول، إن استمرار الحرائق المهولة التي تلتهم نخيل الواحات، رغم الميزانيات الضخمة والمشاريع المعلنة، دليلا قاطعا على وجود هوة سحيقة بين التخطيط الورقي والواقع الميداني الذي لم يلمس أثرا حقيقيا لتلك الاستثمارات الطائلة، في حين أن هذا الخلل البنيوي لا يمكن معالجته الإ عبر ممنهج إشراك المجتمع المدني في إحياء واحات المنطقة.
من جانبه، إعتبر لمين الأبيض، الفاعل الحقوقي بالإقليم، أن إنقاذ الواحة يتطلب حلولا بديلة وواقعية تتجاوز منطق التسيير الإداري التقليدي، مضيفا أن الوضع يستدعي تثمين مخلفات النخيل عبر إنشاء وحدات صناعية لتحويل الخشب والجريد، وهو ما من شأنه أن يحول هذه المخلفات من وقود للحرائق المهولة إلى مورد اقتصادي.
وأشار لمين الأبيض في تصريح لجريدة “العمق”، أن معاناة الفلاحين لايمكن إختزالها إلا في سياسية “الضحك على الذقون” فيما يخص توزيع الفسائل، مؤكدا أن الفلاح يقضي سنوات في سقي شتائل يكتشف في النهاية أنها غير منتجة أو ذات جودة رديئة، مطالبا بتوفير فسائل معقولة وذات مردودية تليق بجهد الفلاح الواحاتي.
من جهة أخرى، شدد نبّه المتحدث ذاته إلى خطورة الوضع المؤسف الذي تعيشه المصالح التابعة لوزارة الفلاحة بالإقليم، لافتا إلى أن هناك نزيفا في الموارد البشرية بسبب تقاعد المهندسين والتقنيين دون تعويضهم، فضلا عن إغلاق عدد من المقاطعات الفلاحية، وهو ما يعتبر أمرا غير مقبول في قطاع يُفترض أن يكون قاطرة للتنمية.
وخلص الأبيض في تصريحه، إلى أن الاهتمام الملكي بالواحات يجب أن يُترجم ميدانيا من خلال دعم حقيقي للفلاح الصغير وإعادة الاعتبار للواحة التي تمتد من أفلاندرا إلى المحاميد، والتي لم يعد يتبقى منها سوى القليل الذي يصارع من أجل البقاء.
اترك تعليقاً