اقتصاد

البنك الدولي: اقتصاد المغرب ينمو بـ 4.7%.. لكن أزمة التشغيل تظل “حجرة عثرة”

كشف تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي دخل مرحلة من الانتعاش خلال سنة 2025، مدفوعا بدينامية الاستثمار وتعافي النشاط الفلاحي، غير أن هذا التحسن لم ينعكس بشكل كاف على سوق الشغل، الذي لا يزال يعاني من اختلالات بنيوية، في وقت تظل فيه آفاق النمو إيجابية رغم تعدد المخاطر الداخلية والخارجية.

وأوضح التقرير، الصادر ضمن نشرة أبريل 2026 حول الفقر والاقتصاد، أن الاقتصاد المغربي سجل نموا بلغ 4,7% خلال سنة 2025، مدعوما بارتفاع الاستثمار الثابت بنسبة 16,8%، خاصة في قطاعات البناء والبنية التحتية، إلى جانب تعافي القطاع الفلاحي الذي سجل نموا بنسبة 3,7% بفضل تحسن التساقطات.

كما واصلت القطاعات غير الفلاحية أداءها الإيجابي، محققة نموا بنسبة 4,8%، مدفوعة أساسًا بانتعاش السياحة والتعدين والبناء، في حين شهدت معدلات التضخم تراجعا ملحوظا إلى حدود 0,8%، ما ساهم في استقرار السياسة النقدية، مع إبقاء سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25%.

ورغم هذه الدينامية الاقتصادية، أكد التقرير أن سوق الشغل لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، حيث لم يتمكن النمو من خلق فرص شغل كافية، إذ استقر معدل البطالة في حدود 13%، في حين ظلت نسبة المشاركة في سوق العمل ضعيفة عند 43,5%، مع استمرار انخفاض مشاركة النساء التي لا تتجاوز 19%، وهي من بين أدنى المعدلات عالميا.

وسجل التقرير أن الاقتصاد المغربي أحدث نحو 203 آلاف منصب شغل في الوسط الحضري بين 2024 و2025، مقابل فقدان حوالي 10 آلاف منصب في الوسط القروي، نتيجة تأثيرات التغيرات المناخية التي أضعفت النشاط الفلاحي، ما أدى إلى انتقال جزء من اليد العاملة دون اندماج فعلي في قطاعات بديلة.

كما أشار إلى أن جزءا كبيرا من الشباب لا يزال يواجه صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل، خاصة في ما يتعلق بملاءمة التكوين مع حاجيات السوق، وهو ما دفع السلطات إلى اعتماد خارطة طريق للتشغيل ترتكز على دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز التكوين المهني وربطه بمتطلبات القطاع الخاص.

وفي ما يتعلق بالفقر، سجل التقرير تحسنا تدريجيا، حيث تراجع معدل الفقر عند عتبة 3 دولارات يوميا إلى 2,1% سنة 2025، مقابل 2,3% سنة 2024، مع توقع انخفاضه إلى 1,4% في أفق 2028، مدفوعا بتحسن النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار.

وعلى مستوى المالية العمومية، سجل التقرير تحسنا نسبيا، حيث تراجع عجز الميزانية من 3,9% من الناتج الداخلي الخام سنة 2024 إلى 3,6% سنة 2025، مدعوما بارتفاع المداخيل الضريبية بنسبة 14,1%، خاصة من الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى ارتفاع المداخيل غير الضريبية.

غير أن التقرير حذر من استمرار الضغوط على المالية العمومية، نتيجة ارتفاع نفقات الاستثمار والبنية التحتية، وزيادة الأجور في القطاع العام، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، فضلا عن المخاطر المرتبطة بالشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتي قد تخلق التزامات مالية مستقبلية.

وفي ما يتعلق بالمبادلات الخارجية، سجل التقرير اتساع العجز التجاري بنسبة 15,8% خلال سنة 2025، نتيجة ارتفاع الواردات بنسبة 8%، خاصة من السلع الاستثمارية والمواد الوسيطة، في حين ظل نمو الصادرات محدودا في حدود 2,8%.

ورغم ذلك، ساهمت مداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج في التخفيف من حدة الاختلال، حيث استقر عجز الحساب الجاري عند 2,1% من الناتج الداخلي الخام، فيما سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة انتعاشًا بنسبة 26%، مع احتفاظ احتياطات العملة الصعبة بمستوى مريح يغطي حوالي خمسة أشهر من الواردات.

ويتوقع البنك الدولي أن يسجل الاقتصاد المغربي نموا في حدود 4,2% خلال سنة 2026، مدفوعا بانتعاش قوي للقطاع الفلاحي قد يصل إلى 10%، مقابل تباطؤ نسبي في القطاعات غير الفلاحية إلى 3,6%، في ظل تأثير التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

كما يرتقب أن يرتفع عجز الحساب الجاري إلى 3,3% من الناتج الداخلي الخام، نتيجة ارتفاع الواردات وتكاليف الإنتاج، في حين قد يعرف عجز الميزانية ارتفاعا طفيفا إلى 3,8%، قبل أن يعود إلى الانخفاض تدريجيا ليبلغ 3,4% بحلول 2028.

وعلى المدى المتوسط، يتوقع أن يبلغ معدل النمو حوالي 4,3% في أفق 2028، مدفوعا بتحسن الاستهلاك الداخلي واستقرار التضخم، رغم توقع ارتفاعه مؤقتًا إلى 2,4% خلال سنة 2026.

وحذر التقرير من أن آفاق الاقتصاد المغربي تظل محاطة بعدة مخاطر، من بينها التقلبات المناخية التي قد تؤثر على الإنتاج الفلاحي، وارتفاع أسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط، إلى جانب تباطؤ النمو في أوروبا، الشريك التجاري الرئيسي للمغرب.

كما أشار إلى مخاطر مرتبطة بالمالية العمومية، خاصة في ما يتعلق بالاعتماد على موارد غير متكررة، والالتزامات المحتملة المرتبطة بالمؤسسات والمقاولات العمومية.

وخلص التقرير إلى أن الحفاظ على دينامية النمو وتحقيق تنمية شاملة يمر عبر تسريع الإصلاحات الهيكلية، خاصة في ما يتعلق بتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين إنتاجية المقاولات، وخلق فرص شغل كافية، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، بما يضمن تحسنا مستدامًا في مستويات المعيشة وتقليص الفقر بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *