منتدى العمق

الإخلاص في المسؤولية .. رهان الحكامة الجيدة

قال جلالة الملك محمد السادس حفظه الله:
” اتقوا الله في وطنكم .. إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون”.

في سياق التحولات التي يشهدها المغرب، لم يعد الحديث عن المسؤولية العمومية يقتصر على الكفاءة والتدبير التقني فقط، بل أصبح الإخلاص معيارا حاسما في تقييم أداء المسؤولين، فنجاح السياسات العمومية لا يرتبط فقط بمدى توفر الإمكانيات، بل بصدق الإلتزام وروح التفاني في خدمة الصالح العام.

إن التوجيه الملكي السامي الذي دعا فيه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، إلى التحلي بالإخلاص، لم يكن مجرد خطاب ظرفي، بل هو تأطير استراتيجي لمفهوم المسؤولية.
فحين يقول جلالته: “اتقوا الله في وطنكم .. إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا…” فهو يؤسس لثقافة جديدة قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، والإخلاص بالإستمرارية في تحمل المهام، بما يعزز مبادئ الحكامة الجيدة ويجعل من أداء المسؤولية التزاما أخلاقيا قبل أن يكون وظيفة إدارية.

الإخلاص في العمل العمومي ليس مفهوما نظريا، بل يترجم إلى ممارسات يومية، تبدأ من اتخاذ قرارات تخدم المصلحة العامة بعيدا عن الحسابات الضيقة، وتمر عبر اعتماد الشفافية في تدبير الموارد، وصولا إلى التفاعل الجاد مع انتظارات المواطنين. وهو ما يجعل من هذه القيمة عنصرا أساسيا في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، إذ لا يمكن لأي إصلاح أو تنمية أن ينجحا في ظل غياب الثقة، ولا يمكن أن تتحققا دون شعور المواطن بصدق المسؤول في أداء مهامه.

ولا ينبغي حصر الإخلاص في دائرة المسؤولين فقط، لأن المسؤولية في جوهرها مسؤولية مشتركة بين جميع مكونات المجتمع، كل من موقعه. فالموظف، والعامل، والأستاذ، والإعلامي، والمواطن البسيط… جميعهم معنيون بأداء واجباتهم بنفس القدر من الجدية والصدق.
إن بناء مجتمع متماسك ومتقدم لا يتحقق إلا بتكامل الأدوار، حيث يدرك كل فرد أن إتقانه لعمله وإخلاصه فيه هو مساهمة مباشرة في خدمة الوطن. فالإخلاص ليس قيمة انتقائية تطلب من فئة دون أخرى، بل هو سلوك جماعي يجب أن يسود في مختلف المجالات، لأن أي خلل في إحدى الحلقات ينعكس على المنظومة ككل، ومن ثم فإن ترسيخ هذه الثقافة يظل مسؤولية جماعية قوامها الوعي والإلتزام.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع: ألا يلعب كل ذلك دوردا أساسيا في تحقيق التنمية؟
لا شك أن الإخلاص في أداء المسؤولية، إلى جانب تكامل الأدوار بين مختلف مكونات المجتمع، ودور الإعلام في التوعية والمراقبة، يشكل منظومة متكاملة تسهم بشكل مباشر في دفع عجلة التنمية. فحين تتوفر النية الصادقة، ويقترن القول بالفعل، وتتجند كل الطاقات بروح المسؤولية، تصبح التنمية واقعا ملموسا وليست مجرد شعارات، ويغدو التقدم نتيجة طبيعية لالتزام جماعي قائم على الصدق والعمل الجاد.

وفي هذا الإطار، يبرز الإعلام كفاعل أساسي في تكريس هذه القيم أو إضعافها، بحكم موقعه المؤثر في تشكيل الرأي العام.
فالإعلام المهني المسؤول يضطلع بدور محوري في نشر ثقافة الإخلاص وربطها بالمصلحة العامة، كما يسهم في مراقبة الأداء العمومي من خلال تسليط الضوء على الإختلالات وكشف مظاهر التقصير، وهو ما يعزز آليات المحاسبة ويشجع على مزيد من الإلتزام، وفي الوقت نفسه، يساهم الإعلام في إبراز النماذج الإيجابية من المسؤولين الذين يقدمون أداء متميزا، مما يرسخ ثقافة القدوة ويحفز على تبني السلوك المسؤول.
غير أن هذا الدور الحيوي يظل مشروطا بمدى التزام الإعلام نفسه بأخلاقيات المهنة، من مصداقية وموضوعية واستقلالية، لأن إعلاما يفتقر إلى هذه القيم قد يتحول من أداة للبناء إلى عامل للهدم، عبر نشر معلومات غير دقيقة أو تغليب الإثارة على حساب الحقيقة، مما ينعكس سلبا على ثقة المواطن.

إن الإخلاص في أداء المسؤولية يشكل حجر الزاوية في بناء مغرب متقدم، وهو ما أكدته التوجيهات الملكية باعتباره شرطا أساسيا لتحقيق التنمية الشاملة. غير أن تجسيد هذا المبدأ على أرض الواقع يظل رهينا بتكامل الأدوار بين المسؤول الملتزم، والإعلام اليقظ، والمواطن الواعي، بما يضمن ترسيخ ثقافة المسؤولية وخدمة الوطن بكل صدق ونزاهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *