منتدى المدرس ورهان الإصلاح: هل يغير الوزير الإنجليزي البوصلة؟
ينعقد المنتدى الوطني للمدرس في دورته الثانية مؤكدا استمرارية هذا الحدث التربوي الهام الذي يشكل مناسبة لتبادل الأفكار بين مختلف الأطراف المعنية بإصلاح التعليم ببلادنا مع وضع “المدرس في قلب التحول التربوي”. يتزامن تنظيم هذا الملتقى مع السنة الأخيرة من تنزيل مشروع “مدارس الريادة” الذي يمثل رأس الحربة في خارطة طريق الإصلاح (2022-2026). وفي قلب هذا الزخم، يبرز حضور وزير إنجليزي سابق ( Nick Gibb) كضيف وازن وتجربة ملهمة في إنجلترا، ليقدم وصفته حول الإصلاح البيداغوجي لعله يشكل خيارا استراتيجيا جديدا للمدرسة المغربية. غير أن القراءة العلمية الرصينة تقتضي فحص هذا النقل البيداغوجي المحتمل بمبضع النقد؛ فهل نحن بصدد استيراد نموذج نجاح مكتمل الأركان، أم أننا بصدد تبني تجربة نجاح نسبية تعاني من تصدعات بنيوية حتى في مهدها؟ يهدف هذا المقال إلى تفكيك دعائم الإصلاح في لندن، ووضع تجربة الوزير الإنجليزي في سياقها العالمي والمحلي، مع استحضار روح القانون الإطار 51.17 الذي ينشد جودة بيداغوجية أصيلة لا تضحي بالفكر النقدي على حساب النتائج الكمية المتسرعة.
لغز الأرقام الدولية.. مفارقة “النجاح التقني” و”التعثر المعرفي”
يستند المدافعون عن النموذج الإنجليزي إلى الصعود الملحوظ في نتائج تقييم بيرلز،الدراسة الدولية للتقدم في القراءة في المستوى الرابع ابتدائي، حيث احتلت إنجلترا المركز السادس عالمياً في عام 2021 بحصولها على 558 نقطة. ويُرجع الوزير الإنجليزيالسابق هذا الفضل إلى إصلاح مناهج القراءة واختبار مسح الصوتيات الصارم الذي فرضه في الابتدائي.إلا أن التحليل الإحصائي المقارن يكشف عن “مفارقة إنجليزية” بالغة الدلالة؛ فنتائج تلاميذ إنجلترا في تقييم بيزا الذي يقيس مهارات التحصيل الدراسي في سن 15 عاماً ظلت في القراءة شبه مستقرة، بل ومتراجعة في بعض المهارات العليا مقارنة بدول أخرى منذ عام 2006.
هذا التباين يشي بحقيقة بيداغوجية بالغة الأهمية: التعليم المهيكل والتركيز المفرط على الصوتيات ينجحان بامتياز في بناء القراءة الميكانيكية، وهي مهارة تقنية يسهل التحكم فيها وقياسها في التعليم الابتدائي. لكن، مع دخول السلك الإعدادي، تصبح القراءة فعلاً معرفياً مركباً يرتبط بالفهم السياقي والتأويل والرأسمال الثقافي. هنا، تبرز حدود الوصفة التقنية، حيث يظهر أن الإصلاح لم يستطع تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية العميقة. إن حصر النجاح في “بيرلز” هو نوع من الاختزال الإحصائي الذي يغفل الغايات الكبرى للمدرسة المتمثلة في إنتاج قارئ ناقد لا مجرد مفكك للرموز.
مراجعة جون هاتي (2023).. الانعتاق من أسطورة “الطريقة السحرية”
لطالما كان الباحث “جون هاتي” (John Hattie) المرجع الذي يستشهد به أنصار التعليم الصريح، مستندين إلى كتابه “التعلم المرئي” (2009) الذي أعطى وزناً كبيراً للتدريس المباشر. لكن، وفي نسخته الأحدث “Visible Learning: The Sequel” (2023)، قدم هاتي مراجعة إبستيمولوجية قلبت موازين القوى. فقد تراجع هاتي بوضوح عن الاحتفاء بالتعليم الصريح كطريقة تدريس نمطية ينبغي اتباعها بحذافيرها كبروتوكول صارم، وانتقل إلى التركيز على مبادئ التعلم الكبرى، بغض النظر عن طريقة التدريس المتبعة. وهكذا يرى هاتي (2023) أن الهوس بالطريقة يقتل مهنية المدرس. فالأهم ليس التعليم الصريح بحد ذاته، بل مبادئ مثل وضوح الأهداف، والتغذية الراجعة الفورية، والتفاعل مع المتعلم. والأخطر من ذلك، هو تأكيده على أن التعليم الصريح هو أداة فعالة للتعلم السطحي، أي بناء التعلمات الأساس، ولكنه ليس الأداة المثلى للتعلم العميق.
إن المنتدى الوطني للمدرس مطالب باستحضار هذا التطور؛ فالاكتفاء بالصيغة الإجرائية للتعليم الصريح قد يحول المدرس إلى مجرد منفذ لبروتوكول، عوض أن يكون ممارساً يمتلك ترسانة من الاستراتيجيات المتنوعة التي تتلاءم مع تعقيدات التعلم العميق.
جدلية المحتوى والإجراء.. الوزير الإنجليزي مقابل بيسونيت وغوتيي
من الضروري التمييز بين مدرستين داخل تيار التعليم الصريح لفك شفرة الأطروحات التي يقدمها الوزير الإنجليزي للرأي العام المغربي. مدرسة الوزير الإنجليزي التي تستند بالخصوص إلى أفكار إي دي هيرش (E.D. Hirsch)، بحيث يعتبر التعليم الصريح ليس إجراءً صفياً جافاً، بل هو وسيلة لنقل “المنهاج الغني معرفيا” (Knowledge-Rich Curriculum)، انطلاقا من أن “إي دي هيرش” يرى القراءة دراية ثقافية وليس مجرد فك للرموز. لذا، يركز الإصلاح الإنجليزي على ماذا ندرس؟ لضمان امتلاك التلميذ لرأسمال معرفي يسد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.أما مدرسة بيسونيت وغوتيي فتميل إلى تبني النزعة الإجرائية بحيث تمثل وجهاً آخر مغاير تماما للطرح الإنجليزي، يركز بشكل مفرط على “البروتوكول الإجرائي” (أنا أفعل، نحن نفعل، أنت تفعل)، إلى درجة تنميط ممارسة المدرس داخل القسم ثانية بثانية.
والتخوف المشروع في السياق المغربي هو أن يقع الإصلاح في فخ “الإجرائية”، بسبب سهولة نمذجتها ومراقبتها، مع إغفال العمق المعرفي. فبدون محتوى غني، يتحول التعليم الصريح إلى تدريبات ميكانيكية ترفع نسب النجاح التقني، لكنها تترك التلميذ خاوياً من الرأسمال المعرفي الضروري لمواجهة تحديات الفكر النقدي.
تراتبية بناء الكفايات.. صراع “الأساسيات” و”المعنى”
هنا نصل إلى جوهر الصراع الفلسفي الذي ينبغي أن يثار في المنتدى الوطني للمدرس، والذي يجسده التساؤل الآتي: هل هناك تراتبية زمنية إلزامية بين بناء الأساسيات وبناء الفكر النقدي؟
يتبنى الوزير الإنجليزي رؤية خطية مستوحاة من علوم الأعصاب الإدراكية. فهو يرى أن الذاكرة العاملة محدودة، لذا يجب “أتمتة” الأساسيات (الجمع، الضرب، القراءة) عبر التعليم الصريح والتدريب المكثف حتى تصبح “تلقائية”، وعندها فقط يمكن تفريغ الذهن لممارسة الإبداع والفكر النقدي.
في المقابل، يرفض فيليب ميريو (Philippe Meirieu) مثلا ومعه تيار التربية الحديثة هذه التراتبية. فهو يرى أن الطفل كائن مفكر منذ البداية، وفصل “التقنية” عن “المعنى” هو قتل لدافعية التعلم. لأن ببساطة الفكر النقدي ليس مكافأة نمنحها للمتفوقين لاحقاً، بل هو أداة نستخدمها لبناء المعرفة منذ اليوم الأول.
من هذا المنطلق قد تكون الخطورة في نموذج مدارس الريادة هي أن يتم تأجيل الفكر النقدي إلى أجل غير مسمى بدعوى تثبيت الأساسيات، مما قد ينتج جيلاً متمكناً تقنياً ولكنه عاجز نقدياً. وهو مع الأسف النهج الذي يؤسس له بيسونيت في كتاباته.
سر “التفوق الإبداعي” ودروس “الأكاديميات” الإنجليزية
في اختبار بيزا 2022 للتفكير الإبداعي، حققت إنجلترا نتائج مبهرة. قد يسارع البعض لنسب هذا النجاح للتعليم المهيكل، لكن القراءة المتأنية للنموذج الإنجليزي تقول العكس. السر يكمن في استقلالية المؤسسات أو ما يعرف هناك بالأكاديميات. في إنجلترا، تتمتع هذه المدارس بحرية بيداغوجية وتنظيمية واسعة. فهي تلتزم بالنتائج الوطنية لكنها تبتكر في الطرائق. المتفوقون في هذه المدارس لا يكتفون بالتعليم الصريح؛ بل ينخرطون في مناظرات فلسفية ومشاريع بحثية. إن المزاوجة بين صرامة الأساسيات وحرية الممارسة هي التي أنتجت الإبداع. فهل تستطيع “مدارس الريادة” المغربية، بمركزيتها الشديدة، أن توفر هذا الهامش الضروري من الإبداع؟
المدرس في “قلب التحول” بين بيداغوجيا الامتثال والمهننة الحقيقية
يتخذ المنتدى الوطني للمدرس شعار “المدرس في قلب التحول التربوي”، ولكن كيف يكون المدرس في القلب إذا كان مطالباً فقط باتباع الجذاذة النمطية؟ إن الجودة في التعليم ترتبط ارتباطاً عضوياً بمهننة المدرس، بحيث لا يظل مجرد تقني يتلقى الوصفات الجاهزة، بل يصبح ممارسا تبصريا يمتلك السيادة البيداغوجية داخل فصله الدراسي.
إن التحول التربوي الحقيقي يتطلب الانتقال من بيداغوجيا “الامتثال”، حيث يُحاسب المدرس على مدى التزامه بالبروتوكول، إلى بيداغوجيا “المسؤولية”، حيث يُحاسب على أثر تعلم تلاميذه مع منحه حرية اختيار الوسائل. إن حصر دور المدرس في “التعليم الصريح” الموحد هو تقزيم لمهنته وتحويله إلى موظف تنفيذ، وهو ما يتناقض مع الاستقلالية البيداغوجية للمدرس التي هي أصل أي إصلاح حقيقي.
مدرسة الريادة في اختبار القانون الإطار 51.17
إن أي إصلاح بيداغوجي بالمغرب يجب أن ينضبط لمقتضيات القانون الإطار 51.17، الذي يمثل الدستور التربوي للمملكة. وينص هذا القانون صراحة على المبادئ الآتية:
- الحرية البيداغوجية: حق المدرس في اختيار الطرائق الأنسب للتدريس.
- اللامركزية واستقلالية المؤسسات: تفعيل مشروع المؤسسة كإطار للابتكار.
- تنمية الفكر النقدي والابتكار: كأهداف استراتيجية للمنظومة.
إن المبالغة في نمذجة التعليم الصريح تؤدي إلى تعارض واضح مع روح القانون الإطار. فإذا كانت الوزارة تفرض طريقة واحدة ونموذجاً واحداً، فأين هي اللامركزية؟ وأين هو الاجتهاد البيداغوجي؟ إن الجودة التي ينشدها القانون الإطار هي جودة نقدية تشاركية، وليست جودة إجرائية فوقية.
نحو نموذج مغربي أصيل
إن حضور الوزير الإنجليزي السابق في المنتدى الوطني للمدرس، والذي يشكل ولا شك حدثا متميزا، ينبغي أن يكون مناسبة للمساءلة لا للاستنساخ. لقد تعلمنا من جون هاتي (2023) أنه لا وجود لطريقة سحرية عابرة للسياقات، وتعلمنا من تجربة إنجلترا أن النجاح في الأساسيات التقنية لا يضمن النجاح في الفكر المعقد.
إن المطلوب اليوم هو بناء نموذج تربوي مغربي خالص يتسم بالتوازن البيداغوجي بين مطلب بناء التعلمات الأساس وضرورة تنمية الفكر النقدي والتعلم العميق، مع الإيمان الراسخ بأن المدرس هو سيد قراره البيداغوجي، الملتزم بنصوص القانون الإطار 51.17، والمتحرر من قيود النمذجة الميكانيكية.
فالمدرس لن يكون في “قلب التحول التربوي” إلا إذا استعاد ثقته في قدرته على الإبداع، بعيداً عن القوالب الجاهزة. وهو ما يقتضي التفكير العميق في إرساء “السيادة البيداغوجية”وذلك انتصاراً لمستقبل تلميذ مغربي مبدع، ناقد، ومتمكن، يشكل الأساس الذي سنبني عليه نهضة تنموية مستدامة قوامها مواطن واع بمسؤولياته ومجسد لمقومات التميز الحضاري.
تعليقات الزوار
ههه قد تكون مجرد مشاركة، أو تلبية دعوة من زميل إلتقى به في محفل تربوي ما. أما ونحن لا زلنا نجرب "نموذج ببداغوجي" غير مكتمل الاركان ، ونفكر في استراد نموذج جديد ، وفي نهاية ولاية حكومية ، قد يؤول تدبير القطاع بعدها لحزب آخر ، بتوجه آخر او بسياسة تربوية تحتكم للقانونين 51.17 و 59.21، احتكاما يليق بقدسية القوانين. وللحديث بقية...