وجهة نظر

الصلح الزجري يرسم ملامح عدالة جديدة بالمغرب

ارتفع في ظرف ثلات سنوات من 8 آلاف إلى أكثر من 21 ألف مستفيد

يشهد اعتماد مسطرة الصلح في القضايا الزجرية بالمغرب تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في سياق توجه تشريعي وقضائي يروم تعزيز العدالة التصالحية، وتقليص اللجوء إلى المتابعات القضائية التقليدية كلما أمكن حل النزاعات بالتراضي بين الأطراف. وقد كرست رئاسة النيابة العامة هذا التوجه من خلال دورية حديثة دعت فيها إلى تفعيل مسطرة الصلح كبديل عن الدعوى العمومية، انسجامًا مع المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 المغير والمتمم لقانون المسطرة الجنائية.

ويأتي هذا التطور في سياق التوجيهات التي أصدرتها رئاسة النيابة العامة بالمملكة المغربية من خلال الدورية عدد 10/2026 الصادرة بتاريخ 2026، والموجهة إلى السيدات والسادة الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، والتي تحمل عنوان “تفعيل مسطرة الصلح كبديل عن الدعوى العمومية”. وقد دعت هذه الدورية إلى تعزيز اعتماد آلية الصلح في القضايا الزجرية كلما توفرت شروطها القانونية، وتكريس توجه العدالة التصالحية بما يضمن حماية حقوق الضحايا ويساهم في تخفيف الضغط عن المحاكم.

وتؤكد المعطيات الإحصائية أن هذا التوجه بدأ يترجم إلى نتائج ملموسة على مستوى مؤشرات الأداء القضائي. فقد سجل عدد الأشخاص المستفيدين من مسطرة الصلح ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث انتقل العدد من 8219 مستفيدًا سنة 2023 إلى 15862 مستفيدًا سنة 2024، قبل أن يعرف سنة 2025 قفزة مهمة بلغ معها عدد المستفيدين 21963 شخصًا، أي بزيادة تقدر بحوالي 38 في المائة. ويعكس هذا التطور تزايد اعتماد النيابات العامة على هذه الآلية القانونية التي تتيح تسوية بعض النزاعات الجنحية بطريقة توافقية، بما يحفظ حقوق الأطراف ويجنبهم مسار التقاضي الطويل.

وتندرج هذه الدينامية في إطار الإصلاحات التي أدخلها المشرع على المادتين 41 و41-1 من قانون المسطرة الجنائية، حيث تم توسيع نطاق الجرائم التي يمكن أن يشملها الصلح، بعدما كان مقتصرًا في السابق على بعض الجنح الضبطية. فقد أصبح بالإمكان اعتماد هذه المسطرة في عدد من الجنح الأكثر تداولًا أمام المحاكم، مثل الضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة وغيرها من الجرائم التي يمكن تسويتها إذا تم إصلاح الضرر أو الاتفاق على تعويض مناسب للمتضرر.

كما خول القانون الجديد لوكلاء الملك صلاحيات أوسع في اقتراح الصلح تلقائيًا على الأطراف، أو اللجوء إلى الوساطة لإيجاد حلول توافقية للنزاعات، سواء عبر وسيط يتم اختياره من قبل الأطراف أو تعيينه من طرف النيابة العامة، أو عبر محامي الطرفين أو مكاتب المساعدة الاجتماعية بالمحاكم. وفي حالات معينة، كغياب المشتكي أو تنازله كتابة، يمكن اقتراح صلح يتمثل في أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونًا، أو إصلاح الضرر الناتج عن الفعل الجرمي.

وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه يساهم في تحقيق النجاعة القضائية عبر تقليص عدد الملفات المعروضة على المحاكم، وتسريع معالجة القضايا البسيطة، فضلاً عن تعزيز حماية حقوق الضحايا من خلال ضمان تعويضهم أو جبر الضرر بسرعة أكبر. كما يشكل الصلح وسيلة فعالة لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية بين الأطراف المتنازعة، بدل تكريس القطيعة التي قد تترتب عن المساطر القضائية الطويلة.

ولا يقتصر تطبيق الصلح على القضايا التي يكون أطرافها بالغين، بل يمتد كذلك إلى بعض الحالات التي يكون فيها الأطفال في نزاع مع القانون، حيث يسمح القانون بتفعيل هذه الآلية بما يراعي المصلحة الفضلى للطفل، ويهدف إلى إبقائه في محيطه الاجتماعي والطبيعي بدل إدخاله في مسار المتابعات القضائية التقليدية.

ويبدو من خلال المؤشرات المسجلة أن مسطرة الصلح مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التوجيهات الصادرة عن رئاسة النيابة العامة التي تدعو إلى جعلها أولوية في تنفيذ السياسة الجنائية كلما توفرت شروطها القانونية. فبين تحقيق العدالة وجبر الضرر وتخفيف الضغط عن المحاكم، يبرز الصلح الزجري كأحد أبرز ملامح التحول نحو عدالة أكثر مرونة وإنصافًا داخل المنظومة القضائية المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *