وجهة نظر

البوليساريو في الميزان الأمني الأمريكي

لم يعد اسم جبهة البوليساريو يُتداول داخل واشنطن فقط بوصفه جزءا من نزاع إقليمي قديم، بل بدأ يدخل بوضوح أكبر في قاموس الأمن والتهديدات العابرة للحدود. هذا التحول لم يعد مجرد انطباع سياسي أو قراءة صحفية، بل صار يجد تعبيره المباشر داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية نفسها، بعد انتقال المبادرة من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ، بما يوحي بأن طريقة النظر إلى الملف تتغير تدريجيا في دوائر نافذة من العاصمة الأمريكية.

البداية كانت في 24 يونيو 2025، حين قُدم في مجلس النواب مشروع القانون H.R. 4119 تحت اسم Polisario Front Terrorist Designation Act. نص المشروع لا يكتفي بإثارة الملف سياسيا، بل يطلب من الإدارة الأمريكية إعداد تقييم رسمي بشأن ما إذا كانت الجبهة تستوفي شروط التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية، مع فحص بنيتها وقيادتها وأنشطتها ورعاتها الخارجيين وعلاقاتها المحتملة بجهات مصنفة إرهابية. هذا في حد ذاته تطور مهم، لأن مجرد انتقال الملف إلى هذا المستوى التشريعي يعني أن البوليساريو لم تعد تُقرأ فقط بمنظار النزاع، بل أيضا بمنظار المخاطر.

ثم جاء التطور الأحدث والأكثر دلالة يوم 13 مارس 2026، عندما أعلن السيناتورات تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت تقديم مشروع Polisario Front Terrorist Designation Act of 2026 في مجلس الشيوخ. المشروع، وفق الصياغة المعلنة، يطلب من وزير الخارجية الأمريكي المضي نحو التصنيف إذا ثبت تعاون البوليساريو مع جماعات إيرانية مدرجة أصلا على القوائم الأمريكية للإرهاب. انتقال الفكرة من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ لا يعني فقط اتساعا إجرائيا، بل يعكس أن المقاربة الأمنية للملف بدأت تجد لها صدى أوسع داخل واشنطن.

الأهم من ذلك أن مشروع مجلس النواب نفسه لم يبق حبيس دائرته الأولى. فخلال الأسابيع الأخيرة، اتسعت قائمة الأسماء المنضمة إليه داخل الكونغرس. وبحسب المعطيات المتداولة في التغطيات الحديثة للملف، فقد انضم بات هاريغان في 13 فبراير، ثم زاك نَن في 24 فبراير، ثم دون بايكن في 3 مارس، قبل أن تنضم كلوديا تيني في 9 مارس، بما رفع عدد الأسماء المرتبطة بالمبادرة في مجلس النواب إلى عشرة بين الراعي الأساسي والمساندين الرسميين. قد يبدو هذا التفصيل تقنيا، لكنه سياسيا شديد الأهمية، لأنه يكشف أن الدفع نحو إعادة توصيف البوليساريو لم يعد صوتا منفردا، بل صار يتخذ شكل دينامية تشريعية متدرجة.

هنا بالضبط تتجلى الدلالة التي تصب في مصلحة المغرب. فالمغرب دافع طويلا عن مقاربة تقول إن قضية الصحراء المغربية لا يمكن فصلها عن اعتبارات الاستقرار الإقليمي والأمن العابر للحدود. خصومه حاولوا، لسنوات، إبقاء الملف داخل إطار سياسي مجرد، يختزل كل شيء في خطاب انفصالي كلاسيكي. لكن ما يجري اليوم في واشنطن يوحي بأن جزءا متزايدا من النخبة الأمريكية بات ينظر إلى البوليساريو باعتبارها فاعلا يوجد في تقاطع حساس بين الجغرافيا الرخوة للساحل، والتجاذبات الإقليمية، وشبهات الارتباط بمحاور معادية للمصالح الغربية، وعلى رأسها إيران.

ولذلك فإن التحول الجاري ليس مجرد مكسب دعائي للمغرب، بل مكسب في مستوى تعريف المشكلة نفسها. عندما ينتقل النقاش الأمريكي من سؤال النزاع إلى سؤال التهديد، تتغير معه طبيعة الصورة. فالمغرب لا يبدو، في هذه الحالة، مجرد دولة تدافع عن وحدتها الترابية، بل شريكا موثوقا في حماية الاستقرار الإقليمي ومنع تمدد الفوضى والاختراقات في منطقة شديدة الحساسية تمتد من شمال أفريقيا إلى الساحل. هذا التحول في الإدراك يراكم للمغرب نقاطا سياسية حقيقية، لأنه يربط موقفه من الصحراء بمنطق الدولة والاستقرار، لا بمجرد السجال الدبلوماسي التقليدي.

كما أن ما يجري يضع خصوم المغرب أمام مأزق متزايد. فمن الصعب الاستمرار في تسويق البوليساريو خارجيا باعتبارها فقط “حركة تحرر”، في وقت تُطرح فيه داخل الكونغرس الأمريكي مشاريع قوانين تدعو إلى فحص صلاتها بإيران وحزب الله وشبكات التسليح والتمويل، وتفتح الباب أمام تصنيفها ضمن البنية القانونية الأمريكية الخاصة بالإرهاب. وحتى لو لم يتحول هذا المسار فورا إلى قانون نافذ، فإن مجرد طرحه على هذا المستوى يغير مناخ النقاش، ويترك أثرا سياسيا ودبلوماسيا يتجاوز النص القانوني ذاته.

هذه هي النقطة التي ينبغي التوقف عندها جيدا. فواشنطن لا تعيد فقط مناقشة البوليساريو، بل تعيد توصيفها. وهذا الفرق جوهري. لأن النزاع يمكن أن يتعرض لعرقلة على الصعيد الأممي، لكن التهديد الأمني يُنتج تفاعلات مختلفة، ويستدعي أدوات أخرى، ويغير أولويات الشركاء الدوليين. ومن مصلحة المغرب، سياسيا ودبلوماسيا، أن يُقرأ الملف أكثر فأكثر بهذه العدسة، لأنها العدسة التي تمنح الأفضلية للدولة المستقرة، ذات الشرعية المؤسساتية، لا للكيانات المسلحة أو المرتبطة ببيئات رمادية.

لهذا يمكن القول إن المغرب أمام لحظة ذات دلالة خاصة. ليست لحظة حسم نهائي، لكنها لحظة تحول في الإدراك الأمريكي. وكلما توسعت هذه المقاربة داخل الكونغرس، وازدادت قوة الربط بين البوليساريو والمخاوف الأمنية الإقليمية، تراجعت قدرة الأطراف المعادية للمغرب على اختزال القضية في خطاب سياسي قديم فقد كثيرا من فعاليته. ومن هذه الزاوية، فإن وضع البوليساريو اليوم في الميزان الأمني الأمريكي ليس مجرد تطور عابر في واشنطن، بل مؤشر على أن الأطروحة المغربية تكسب أرضا جديدة في الساحة الدولية، وبأدوات أكثر صلابة من أي وقت مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *