وجهة نظر

العقل بين البناء والخداع

في عالمٍ يكتشف فيه الإنسان شيئًا فشيئًا أسرار العقل البشري، ذلك الكيان المشيّد على بنية شديدة التعقيد. فالعقل ليس وعاءً للأفكار فحسب، إنما هو منظومة دقيقة من التصورات والعواطف والرموز والتجارب، تتشابك فيما بينها كما تتشابك الأعمدة في صرح هندسي عظيم. ومن هنا يبرز مفهوم يمكن تسميته الهندسة النفسية؛ أي فهم البنية الداخلية للفكر الإنساني، وكيف تتكوّن القناعات، وكيف تتشكل الاستجابات، ثم محاولة التأثير فيها أو إعادة تنظيمها بطرق منهجية تشبه عمل المهندس حين يوزّع القوى داخل البناء ويضبط توازنها.

الهندسة النفسية، في أصلها العلمي، ليست حيلة ولا خدعة، وإنما محاولة لفهم آليات التفكير والسلوك. فعلم النفس الحديث يدرس كيف تتكون العادات، وكيف يتأثر الإنسان باللغة والصورة والرمز، وكيف تستطيع التجربة المتكررة أن تغيّر مسار السلوك. ومن هذه المعارف نشأت مجالات متعددة: علم النفس السلوكي، وعلم التأثير الاجتماعي، ودراسة الإدراك، إضافة إلى علوم التسويق والإعلام. وجميع هذه الحقول تنطلق من فكرة واحدة: أن الإنسان يتفاعل مع شبكة من الإشارات والرسائل، وأن فهم هذه الشبكة يسمح بتوجيه السلوك نحو غاية معينة.

غير أن المشكلة لا تنبع من المعرفة نفسها، وإنما من الطريقة التي تُستعمل بها. فالهندسة المعمارية قد تشيّد مستشفى يداوي المرضى، وقد تبني سجنًا يقيد الحرية. وكذلك الهندسة النفسية؛ قد تُستثمر لتربية الإنسان وتنمية وعيه، وقد تتحول إلى أداة لاستغلاله والتأثير في قراراته.
في مجتمعات كثيرة تظهر هذه المفارقة في صور مختلفة من الخداع النفسي، حيث يستغل بعض الأفراد معرفة بدائية بطبيعة النفس البشرية ليصنعوا حول أنفسهم هالة من الغموض والقدرة الخارقة. وفي كل بلد تنتشر ظواهر خداع متعددة منها ما يطلق عليها الناس في المغرب اسم “السماوي”؛ وهو نمط من الخداع يمارسه بعض المحتالين، حيث يدّعي امتلاك قوى خفية، أو معرفة غيبية، أو قدرة على حلّ المشكلات المستعصية بوسائل خارقة. فيقصده الناس، خصوصًا من ضاقت بهم السبل أو ضعفت ثقتهم بأنفسهم، طلبًا للشفاء أو الرزق أو فكّ السحر أو ردّ الغائب.

غير أن ما يجري في كثير من هذه الحالات لا علاقة له بالمعجزات أو الكرامات، وإنما هو شكل بدائي من توظيف المعرفة النفسية. فالمحتال يعرف كيف يخاطب المخاوف العميقة في النفس، ويجيد استخدام الرموز الدينية أو الغامضة ليزرع في ذهن الزائر القلق شعورًا بالرهبة والثقة في آن واحد. يبدأ عادة بأسئلة عامة تبدو كأنها كشف للأسرار، ثم يلتقط من ردود الفعل ما يكفي لبناء قصة متكاملة. ومع مرور الوقت يشعر الزائر الذي انطلى عليه مقلب “السماوي” أن هذا الشخص يعرف كل شيء ويمتلك خيوطا سحرية، فيسلّم له عقله وماله معًا.

هنا يتجلى ما يمكن تسميته هندسة الوهم. فالمحتال لا يملك قوة خارقة، لكنه يدرك نقطة ضعف الإنسان .. حاجته إلى الأمل حين تضيق به سبل الحياة. فيحوّل هذا الأمل إلى سلعة، ويجعل من القلق موردًا للربح. وهكذا يغدو الوهم صناعة تقوم على قراءة العقول لا على قراءة الغيب.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس ضياع المال فحسب، وإنما تعطيل العقل. فعندما يعتاد الإنسان تفسير مشكلاته بالقوى الغامضة، يتوقف عن البحث عن الأسباب الحقيقية والحلول الواقعية. وبدل أن يستخدم عقله لفهم العالم، يسلّمه لآخرين يدّعون فهمه نيابة عنه.

مواجهة هذا النوع من الخداع لا تكون بالسخرية من الضحايا، وإنما بتقوية الوعي. فكلما فهم الإنسان طبيعة عقله، أصبح أقل عرضة للتلاعب به. وكلما أدرك أن أفكاره وعواطفه يمكن أن تُستثار بوسائل بسيطة، ازداد حرصه على التحقق والتفكير قبل التصديق.

الهندسة النفسية، في جوهرها، معرفة بطبيعة الإنسان. وتتحول إلى خطر عندما تُستخدم لحجب الحقيقة أو لزرع الوهم. فالإنسان الذي يبني عقله على التفكير والنقد يشبه مهندسًا يشيد بيتًا على أساس متين، في حين أن من يترك عقله لكل خطاب غامض يشبه من يقيم بيته فوق رمال متحركة.

هكذا، في زمن تتسارع فيه وسائل التأثير في العقول، يصبح واجب الإنسان أن يكون مهندسًا لنفسه قبل أن يسمح لغيره بتصميم أفكاره. فالعقل الذي لا نحرسه بالوعي قد يتحول بسهولة إلى أرضٍ خصبة للأوهام. فالإنسان يستطيع أن يبني مدينة من الحجر والرخام في بضع سنين، لكن بناء عقلٍ واعٍ قد يحتاج عمرًا كاملًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *