وجهة نظر

الأحزاب الصغرى في المشهد السياسي بالمغرب بين الوظيفة والتوازن (1)

يتميز المشهد الحزبي بالمغرب بوجود أحزاب صغرى يفوق عددها عدد الأحزاب الكبرى. فمن الأحزاب التي يفوق عددها34 حزبا ، نجد أن ثلتي هذا العدد يدخل ضمن الأحزاب الصغرى الشيء الذي يدفع إلى التساؤل عن العوامل وراء تواجد هذه الأحزاب الصغرى ، وما هي الأدوار التي تقوم بها داخل مشهد سياسي تتحكم فيه المؤسسة الملكية ، وتهمين فيه الأحزاب الكبرى؟

1- تكاثر الأحزاب الصغرى

عادة ما يثير تعريف الاحزاب الصغرى جدلا كبيرا حول المقصود بهذه التسمية ، وما هي المعايير التي ينبغي الاعتماد عليها في تصنيف هذه الأحزاب إلى كبرى وصغري(1) ، فهل يجب الاعتماد على عدد المنخرطين فيه ، خصوصا وأنه باستثناء وزارة الداخلية ، فعادة مالا تصرح الأحزاب بالعدد الصحيح للمنخرطين فيها ، وحتى مؤتمراتها الوطنية التي لا تنعقد في آجالها المحددة لا تعطي فكرة مدققة عن العدد الحقيقي للمنخرطين فيها . وحتى لو تم التعرف على العدد الحقيقي للمنخرطين فهذا لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي لهذه الأحزاب . فبطائق الانخراط التي عادة ما يتم توزيعها أو تجديدها قبيل انعقاد المؤتمرات الوطنية لهذه الأحزاب لا تعكس بالضرورة عدد الأعضاء الفاعلين والناشطين داخل كل حزب . كما أن الاعتماد على الانتشار المجالي أو الجغرافي لا يمكن أن يؤخذ كمؤشر واضح عن حجم أي حزب ، ففتح فروع ومقرات من طرف أي حزب لا يعكس بالضرورة حجم وقوة هذا الحزب أو ذاك . إذ أن هذا الأمر يرتبط بالأساس بطبيعة ومزاجية السلطات المحلية التي من صلاحياتها الترخيص بفتح أو إغلاق فروع هذه الأحزاب . كما أن وجود فروع للأحزاب لا يعني بالضرورة أن هذه الفروع تشتغل بانتظام وتعكس حيوية وقوة أي حزب .إذ غالبا ما تفتقد مقرات فروع هذه الأحزاب للمقومات المادية والمعمارية ، حيث تكون في الكثير من الأحيان شقق أو منازل مخصصة للسكن يتم تحويلها لفرع حزبي تكتب على واجهته اسم هذا الحزب أو ذاك . كما أن الحجم الانتخابي لا يعكس بدوره حجم هذه الأحزاب ، حيث أن التصويت لحزب يرتبط باعتبارات خاصة تقوم على العلاقات الشخصية ، وتوزيع الأموال، وتزوير النتائج بشكل مباشر أو غير مباشر ، وتنقل الأعيان من حزب إلى آخر.

بالإضافة إلى غموض هذه المعايير ، يبقى هذا التصنيف صفة متغيرة خاصة في مشهد حزبي غير معقلن وغير مستقل نتيجة تحكم المؤسسة الملكية فيه . فحزب كبير في ظرفية سياسية معينة يمكن أن يتحول إلى حزب متوسط أو صغير إما بسبب انشقاق ، أو بسبب فقدانه لدعم السلطة فالاتحاد الدستوري الذي حصد مقاعد برلمانية مهمة ، وتصدر الحكومة في ثمانينيات القرن الماضي تقلص حجمه ، بعد وفاة رئيسه المعطي بوعبيد ، وفقدانه لدعم السلطة . ونفس الأمر يمكن أن ينطبق على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان من أهم الأحزاب المعارضة بزعامة الراحل عبد الرحيم بوعبيد ، والذي قاد حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمان اليوسفي تراجع حجمه بسبب الانشقاقات التي عرفها ، وتراجع شعبيته جراء تسييره للشأن الحكومي.

وبالتالي ، فتصنيف الأحزاب إلى أحزاب كبرى وصغرى يبقى مرتبطا بظرفية سياسية معينة ، ويخضع لمتغيرات ومستجدات المشهد السياسي.

لكن، وعلى الرغم من كل هذه المحاذير ، فهذا لا يمنع من تصنيف الأحزاب التي تتحرك داخل المشهد السياسي بالمغرب طبقا إلى معايير لا تستند فقط إلى المؤشرات المادية والرقمية التي يمكن التلاعب بها سواء من خلال السلطة أو في تنافس الأحزاب فيما بينها ، بل إلى الرصيد السياسي والرمزي الذي يتمتع به كل حزب.

فطبقا لهذا المعيار، يمكن تصنيف الأحزاب بالمغرب إلى ثلاثة أصناف:
– أحزاب كبرى يمكن تحديدها في حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب التقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية . فهذه الأحزاب تعتبر كبرى ليس فقط لحجمها الانتخابي بل لعمرها و تاريخها داخل المشهد السياسي.

– وأحزاب متوسطة أو وسطى ، كالتجمع الوطني للأحرار ، والاتحاد الدستوري ، وحزب العدالة والتنمية . فهذه الأحزاب تبقى أحزابا متوسطة نظرا لمتوسط سنها ، ولحجمها السياسي الذي لا يمكن أن يضاهي الرصيد السياسي الذي راكمته الأحزاب الكبرى ، ولا التجربة أو الرصيد الرمزي الذي تتوفر عليه داخل المشهد الحزبي ( زعامات تاريخية ، نضالات مصيرية سواء ضد سلطات الاستعمار أو سلطة الاستقلال ….)

– وأحزاب صغرى التي يمكن أن تشمل كل الأحزاب المتبقية سواء تلك التي نشأت عن انشقاق ( كحزب الطليعة ، حزب المؤتمر الوطني ، الحزب الاشتراكي الموحد ، الحزب الوطني الديمقراطي ، جبهة القوى الديمقراطية ، الحركة الديمقراطية الاجتماعية…) أو تلك التي نشأت بشكل مستقل سواء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني ( كحزب العمل ، حزب الوسط الاجتماعي …) أو تلك التي تكاثرت في عهد الملك محمد السادس سواء بمرجعة أصولية ( كحزب النهضة والفضيلة أو بمرجعية يسارية ( كالحزب العمالي الذي انضم مؤخرا إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وحزب اليسار الأخضر ، والنهج الديمقراطي ) أوبمرجعيات مختلفة ( كحزب التجديد والإنصاف ،وحزب الإصلاح ، وحزب الحرية والعدالة الاجتماعية ، وحزب الأمل، وحزب البيئة المستدامة ، وحزب العهد الديمقراطي ، وحزب الوحدة والديمقراطية ، وحزب القوات المواطنة ، والاتحاد المغربي للديمقراطية، وحزب المجتمع الديمقراطي ….) ويمكن أن نرجع تكاثر تأسيس هذه الأحزاب إلى عدة عوامل من أهمها :

– ليبرالية النظام الحزبي ، الذي يتمثل ليس فقط في الحظر الدستوري لنظام الحزب الوحيد ، بل أيضا في مرونة النظام في ضمان تأسيس الأحزاب . فظهير الحريات العامة الصادر في 1958 قد تعامل مع تأسيس الأحزاب على اعتبارها جمعية من الجمعيات ، وبالتالي ، فإنها لا تتطلب إلا القيام ببعض الإجراءات القانونية من إيداع لوثائق معينة ، والدعوة لعقد اجتماع تأسيسي .

– انشقاقات الأحزاب ، حيث تميزت الظاهرة الحزبية بالمغرب منذ ظهورها بأنها ظاهرة << متناسلة >> . فمعظم الأحزاب المغربية ماهي إلا تفريعات عن أصل حزبي واحد. فالاتحاد الوطني للقوات الشعبية هو تفريع عن حزب الاستقلال؛ والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو تفريع عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الطليعة والمؤتمر الوطني الاتحادي هما تفريعان عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، والحزب الاشتراكي الديمقراطي هو تفريع عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بينما جبهة القوى الديمقراطية تفرعت عن حزب التقدم والاشتراكية.

كما تعتبر كل من الحركة الوطنية الشعبية، والحركة الشعبية الديمقراطية الاجتماعية والحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية هي تفريعات عن الحركة الشعبية التي تم تأسيسها في 1958. من هنا يتبين أن الانشقاق قد لعب دورا أساسيا ليس في تقليص وتراجع دور الأحزاب الكبرى ، بل كان عاملا أساسيا في كثرة الأحزاب الصغرى بالمغرب.

– الزعاماتية المنافسة

إن ما يميز الأحزاب عامة، بالرغم من تلويناتها و خطاباتها المختلفة، هو ارتكازها على <<القطب الوحيد التنظيمي الوحيد أو الأوحد >>، والمتمثل في زعيم الحزب الذي عادة ما يكون العضو المؤسس للحزب إلى جانب أعضاء آخرين الذين لا يقلون عنه كفاءة تنظيمية و قدرات سياسية . لكن بنية الأحزاب عادة ما لا تعجز عن استيعاب مختلف هذه الزعامات ، وتدبير المنافسات بينها . وهي بذلك تشبه المنظومة الصوفية التي تقوم في هيكلتها وانتشارها على القطب الذي يعتبر لحمة وسدى الطرق والركيزة الأساسية التي يتمحور حولها التنظيم الطرقي. فأفكار القطب وسلوكه وخصاله وحركاته وسكناته ورغباته كلها تصبح بمثابة القوالب الرئيسية التي تحدد سير التنظيم وتعاملات مكوناته. وقد اقتبست الظاهرة الحزبية منذ نشأتها هذا المضمون التنظيمي؛ حيث تشكلت كل الأحزاب حول شخصية محورية تدور حولها هياكل الحزب وهيئاته. فالزعيم يعتبر بمثابة حجر أساس التنظيم الحزبي نظرا لبعض الخصال التنظيمية والرصيد التاريخي الذي يتوفر عليه، وكذا لشبكة علاقاته السياسية سواء مع مكونات السلطة المركزية أو أجهزتها المحلية والاقليمية أو تلك التي يستمدها من صداقاته وقراباته ومعارفه داخل الحقل السياسي و الحزبي المغربي. لذا؛ فغالبا ما تشكلت الأحزاب ومارست نشاطها السياسي بقيادة زعيم وحيد الذي يستمر في الرئاسة طيلة حياته؛ ولا يتم تغييره إلا بموته البيولوجي ( علي يعته، المعطي بوعبيد، عبد الرحيم بوعبيد ) أو بالانقلاب عليه ( المحجوبي أحرضان ) أو بتنحيته ( محمد بوستة ). فالأحزاب في المغرب مازالت لاتعترف بمايسمى بالقيادة الجماعية . فتجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي تأسست بقيادة جماعية (المهدي بنبركة، الفقيه البصري، عبد الله ابراهيم، وعبد الرحيم بوعبيد وغيرهم) سرعان مافشلت وأدت في آخر المطاف إلى تفرد كل زعيم بتنظيمه (عبد الله ابراهيم بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية )، و(عبد الرحيم بوعبيد بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ) و(محمد البصري بالاختيار الثوري).

كما أن تجربة الاتحاد الدستوري بهذا الصدد لم تكن إلا مرحلة مؤقتة لاستيعاب صدمة وفاة الزعيم المؤسس المعطي بوعبيد . ليتم بعد ذلك انتقال الزعامة إلى خلفه عبد اللطيف السملالي بعد إقصاء منافسيه؛ لتتحول الزعامة بعد ذلك إلى محمد الأبيض، الذي لم يتركها إلا على مضض لعمدة مدينة الدارالبيضاء محمد ساجد . كما لوحظ ، أنه حتى بعد إصدار قانون الأحزاب الجديد، وبعد تداعيات الحراك السياسي الذي عرفه المغرب الذي نجم عنه تعيين حكومة بن كيران ، أن كل الأحزاب التي حاولت تجديد هياكلها من خلال اللجوء إلى الآلية الانتخابية في اختيار رؤسائها ، قد شهدت إقصاء منافسي الأمين العام المنتخب سواء في المؤتمر التاسع لحزب التقدم والاشتراكية الذي انتهى بتكريس بن عبدالله و مغادرة منافسه السعيدي للحزب ، ونفس الأمر وقع في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وكذا في الحركة الشعبية التي انتهت مؤتمراتها إما بانسحاب المنافسين كما وقع في الحركة الشعبية ، أو بالانفصال كما وقع في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية .وبالتالي فإن الأحزاب المغربية لم تستطع لحد الآن التمحور إلا حول زعامة أحادية، في حين يبحث المنافسون عن فضاءات تسعهم وتستجيب لطموحاتهم في الزعامة والرئاسة . ولعل هذا ما سهل أرضية خصبة لتكاثر الأحزاب الصغرى في المغرب سواء:

* من خلال الانشقاق ، حيث أسس الراحل التهامي الخياري جبهة القوى الديمقراطية بعد انشقاقه عن حزب التقدم والاشتراكية ، و بنعتيق الذي أسس الحزب العمالي بعد انسحابه من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، والخليدي الذي أسس حزب النهضة والفضيلة بعد انسحابه من حزب العدالة والتنمية ، والعلمي الذي أسس حزب البيئة والتنمية بعد أن فشل في الانقلاب عن رئيس الحزب الوطني الديمقراطي الكولونيل السابق عبد الله القادري ، وعبد المجيد بوزبع الذي أسس حزب المؤتمر الاتحادي بعد انسحابه هو والأموي من قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية … * أو الرغبة في الاستقلال بترؤس أحزاب جديدة كحزب التجديد والإنصاف ،وحزب الإصلاح ، وحزب الحرية والعدالة الاجتماعية ، وحزب الأمل ، وحزب البيئة المستدامة ، وحزب العهد الديمقراطي ، وحزب الوخدة والديمقراطية ، وحزب القوات المواطنة ، والاتحاد المغربي للديمقراطية، وحزب المجتمع الديمقراطي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *