وجهة نظر

هل فشلت تجربة المجموعات الصحية الترابية قبل أن تبدأ؟

منذ إعلان الدولة عن إطلاق ورش إصلاح عميق للمنظومة الصحية في المغرب، في سياق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، برزت المجموعات الصحية الترابية كأحد أهم الأدوات المؤسساتية التي تراهن عليها الحكومة لإعادة هيكلة العرض الصحي العمومي. وقد تم تقديم هذا النموذج باعتباره ثورة في حكامة القطاع الصحي، تقوم على نقل تدبير المؤسسات الصحية من منطق إداري مركزي إلى نموذج جهوي أكثر مرونة ونجاعة، يسمح بتجميع مختلف المؤسسات الصحية داخل مؤسسة عمومية جهوية واحدة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي.

غير أن التجربة النموذجية التي تم إطلاقها بجهة طنجة تطوان الحسيمة بدأت تثير منذ أشهرها الأولى نقاش واسع داخل الأوساط المهنية والنقابية، بل وطرحت تساؤلات حقيقية حول مدى جاهزية هذا الإصلاح الكبير للتنزيل الميداني. فبدل أن تشكل هذه التجربة نموذج انتقالي سلس نحو حكامة صحية جديدة، بدأت تظهر مؤشرات توتر واحتقان داخل عدد من المؤسسات الصحية بالجهة، ما دفع بعض الفاعلين إلى التساؤل بجدية: هل يمكن أن تفشل تجربة المجموعات الصحية الترابية قبل أن تبدأ فعلياً؟

لقد جاء إحداث المجموعات الصحية الترابية في إطار القانون 08.22 المتعلق بإحداث هذه المؤسسات، والذي يشكل أحد الأعمدة القانونية للإصلاح الشامل للمنظومة الصحية الوطنية إلى جانب إحداث هيئات أخرى. ويهدف هذا النموذج إلى تجميع مختلف المؤسسات الصحية داخل الجهة، بما فيها المستشفيات الجهوية والإقليمية ومراكز الرعاية الصحية الأولية، في إطار مؤسسة عمومية واحدة تتولى التخطيط والتدبير وتنسيق العرض الصحي على المستوى الترابي.

نظريا، يبدو هذا النموذج قريب من التجارب المعتمدة في عدد من الأنظمة الصحية المتقدمة كفرنسا مثلا التي انتقلت من منطق التدبير المركزي إلى حكامة صحية جهوية تعتمد على اللامركزية والتدبير المندمج للخدمات الصحية. غير أن نقل هذا النموذج إلى السياق المغربي يطرح تحديات بنيوية مرتبطة أساسا بواقع المنظومة الصحية الوطنية، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات عميقة على مستوى الموارد البشرية والبنيات التحتية والتمويل.

لقد اختارت الحكومة جهة طنجة تطوان الحسيمة كأول مجال ترابي لتجريب هذا النموذج الجديد قبل تعميمه على باقي جهات المملكة، وهو اختيار لم يكن اعتباطي، بالنظر إلى الدينامية الاقتصادية والديمغرافية التي تعرفها الجهة، إضافة إلى توفرها على شبكة استشفائية مهمة تضم مستشفيات جهوية وإقليمية ومراكز صحية متعددة.

غير أن هذا الاختيار يظل محل نقاش حقيقي. فنجاح تجربة المجموعات الصحية الترابية يفترض وجود حد أدنى مما يمكن تسميته بـ”الاستقلال الصحي الجهوي”، أي قدرة الجهة على توفير معظم التخصصات الطبية والخدمات الاستشفائية داخل ترابها دون الاعتماد المفرط على جهات أخرى. غير أن واقع جهة طنجة تطوان الحسيمة يظهر أن عدد من التخصصات الطبية الدقيقة لا يزال غير متوفر بشكل كاف داخل بعض مستشفياتها، وهو ما يدفع المرضى في كثير من الحالات إلى التوجه نحو مدن أخرى مثل الرباط أو الدار البيضاء من أجل العلاج. كما أن الجهة تعرف تباين حاد بين أقاليمها من حيث البنيات الصحية والموارد البشرية، حيث تتركز معظم الإمكانات الطبية في مدن كطنجة وتطوان، بينما تعاني أقاليم أخرى من خصاص واضح في الأطر والتجهيزات. هذا التفاوت المجالي يطرح تساؤل مشروع حول مدى ملاءمة اختيار هذه الجهة تحديدا كنموذج أولي لتجريب إصلاح يفترض في الأصل نوع من التكامل والتوازن في العرض الصحي داخل المجال الترابي.

ومع بدء تنزيل تجربة المجموعة الصحية الترابية بالجهة خلال الأشهر الماضية، بدأت تظهر مؤشرات إدارية ومهنية تعكس صعوبة الانتقال من النموذج التنظيمي القديم إلى النموذج الجديد. فقد سجلت بعض الهيئات النقابية ما اعتبرته اختلالات في تدبير الحركة الانتقالية للموظفين، حيث يتم في كثير من الحالات اللجوء إلى مبرر “ضرورة المصلحة” لتعليق انتقال الموظفين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة النظام الجديد على تحقيق العدالة المهنية داخل القطاع.

كما برزت إشكالات أخرى مرتبطة بتأخر صرف بعض التعويضات المهنية المرتبطة بالحراسة والإلزامية ومنح المردودية، في وقت كان ينتظر فيه مهنيّو الصحة أن يشكل إطلاق المجموعات الصحية الترابية بداية مرحلة جديدة لتحسين أوضاعهم المهنية والمادية. وقد أدى هذا الوضع إلى تنامي شعور بالإحباط داخل بعض المؤسسات الصحية، خاصة في ظل استمرار الخصاص الحاد في الموارد البشرية، وهو الخصاص الذي يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه المنظومة الصحية المغربية.

فالمغرب، لا يزال بعيدا عن المعدلات الدولية في عدد الأطباء والممرضين بالنسبة لعدد السكان، حيث يقدر معدل الأطباء بحوالي طبيب واحد لكل ألف نسمة تقريبا، وهو معدل يظل دون توصيات منظمة الصحة العالمية. وفي ظل هذا الوضع، يصبح الحديث عن إصلاح هيكلي للقطاع الصحي دون معالجة جذرية لأزمة الموارد البشرية أشبه بإعادة ترتيب إداري لمنظومة تعاني أساسا من نقص في الموارد.

إلى جانب ذلك، يطرح نموذج المجموعات الصحية الترابية إشكالاً آخر يتعلق بوضوح توزيع الصلاحيات بين وزارة الصحة والإدارة الجهوية لهذه المجموعات. فنجاح أي تجربة للامركزية الصحية يقتضي وجود نصوص تنظيمية دقيقة تحدد بوضوح المسؤوليات الإدارية والمالية، وتمنح المؤسسات الجهوية استقلالية فعلية في اتخاذ القرار. غير أن تأخر إصدار بعض المراسيم التنظيمية المرتبطة بتدبير هذه المؤسسات قد يخلق حالة من الغموض المؤسساتي، حيث تجد الإدارات الجهوية نفسها مطالبة بتدبير مؤسسات صحية كبيرة دون توفر جميع الأدوات القانونية والتنظيمية اللازمة.

إن تحليل هذه التطورات من زاوية السياسات العمومية يظهر أن ما يحدث اليوم في تجربة طنجة تطوان الحسيمة قد يكون في جزء منه نتيجة طبيعية لما يسمى في الأدبيات الأكاديمية بمرحلة “الانتقال المؤسساتي”، وهي المرحلة التي تعرف عادة نوعا من الارتباك التنظيمي عند الانتقال من نموذج إداري إلى نموذج جديد. غير أن استمرار هذه الارتباكات دون معالجة سريعة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة إذا تحول الإصلاح إلى مصدر إضافي للضغط على مهنيي الصحة بدل أن يشكل فرصة لتحسين ظروف عملهم.

كما أن نجاح هذا المشروع الإصلاحي لا يرتبط فقط بالبنية التنظيمية الجديدة، بل بمدى قدرة الدولة على توفير الشروط المادية والبشرية لإنجاحه. فالمجموعات الصحية الترابية لن تكون قادرة على تحقيق أهدافها إذا لم يتم تعزيزها بموارد بشرية كافية، وتوفير تمويل مستقر للمؤسسات الصحية، وتحسين ظروف العمل داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

إن ما يحدث اليوم في التجربة النموذجية بجهة طنجة تطوان الحسيمة يجب أن يُقرأ باعتباره رسالة إنذار مبكرة لصناع القرار الصحي في المغرب. فهذه الجهة تشكل مختبر حقيقي لإصلاح سيشمل مستقبلا جميع جهات المملكة، وأي اختلال في هذه المرحلة قد ينعكس على مستقبل المشروع بأكمله.

وعليه، فإن إنقاذ تجربة المجموعات الصحية الترابية قبل تعميمها يقتضي اليوم تسريع إصدار النصوص التنظيمية المؤطرة لها، ومعالجة الاختلالات المرتبطة بتدبير الموارد البشرية، وضمان شفافية تدبير التعويضات المهنية، إضافة إلى فتح قنوات حوار مؤسساتي جاد مع الفاعلين النقابيين والمهنيين داخل القطاع.

فالإصلاحات الكبرى في السياسات العمومية لا تفشل عادة بسبب غياب الرؤية، بل بسبب ضعف القدرة على تدبير مرحلة الانتقال من الفكرة إلى التطبيق. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت تجربة المجموعات الصحية الترابية قد فشلت، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على تصحيح مسارها بسرعة قبل أن تتحول الصعوبات الأولى إلى أزمة ثقة داخل المنظومة الصحية العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *