وجهة نظر

الجدل الشعبي حول الساعة الإضافية.. هل الخلل في التوقيت أم في نمط حياتنا؟

في كل مرة يُعاد فيها النقاش حول الساعة الإضافية في المغرب، تتجدد موجة من الرفض والانتقادات، تُحمِّل هذا التوقيت مسؤولية اضطراب النوم والمزاج العام، وتراجع التحصيل، واختلال التوازن اليومي، غير أن هذا الجدل، على شدته، يطرح سؤالًا أعمق، هل المشكلة فعلًا في الساعة، أم في علاقتنا نحن بالوقت؟
لستُ من المؤيدين للتيار الرافض لزيادة الساعة القانونية (GMT+1)، ليس اصطفافًا إلى جانب حكومة التجار والزيادات، بل عن قناعة شخصية أراها أقرب إلى روح الإسلام وطبيعة مجتمعنا ومنطق المصلحة العامة.

فمن جهة، أؤمن بأن البركة في البكور، كما جاء في الحديث النبوي الشريف “بورك لأمتي في بكورها”، إذ يبارك الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في أوقات الصباح الباكر (بعد الفجر)، حيث يمنح الله فيها البركة، والرزق، والنجاح في الأعمال، وينصح باستغلالها في الطاعات والعمل، فقد قال بعض السلف: “يومك مثل جملك، إن أمسكت أوله تبعك آخره”.

وقد كان المسلمون الأوائل يبدؤون يومهم مع الفجر، فينجزون أعمالهم مبكرًا، ثم يعودون إلى بيوتهم قبل العصر، فيجدون متسعًا من الوقت للراحة، أو ممارسة الرياضة، أو طلب العلم، أو قضاء الوقت مع الأسرة.

أما اليوم، فقد أصبحنا نبحث عن الأعذار لنبرر تأخرنا في الاستيقاظ واختلال نظام يومنا، بدل أن نصحح عاداتنا ونستثمر أوقاتنا بشكل أفضل، وليس من الحكمة أن نكون مجرد مقلدين، نرفض كل ما يخالف نمطنا المعتاد دون تفكير في أبعاده الإيجابية.

ولئن كان الجدل لا يزال مستمرا حول مدى قدرة السياسات العامة على تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحقوق الإنسان في الراحة والصحة، فإن السؤال الحاضر الغائب لدى جمهور المواطنين والذي يجب أن يتم التركيز عليه، هو مدى قدرة الحكومة على توفير الراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي للمواطنين وتوفير مناخ مناسب للعمل، حيث يلعب فيه توقيت العمل دورا إيجابيا في رفع الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي للمواطنين.

ومن جهة أخرى، فإن موقف الحكومة – وإن كان مبنيًا أساسًا على اعتبارات اقتصادية ومالية – يبقى له وجاهته، خاصة في ظل ارتباط المغرب بشركائه الدوليين، وحاجته إلى التوافق مع التوقيت العالمي بما يخدم الاقتصاد الوطني، وإذا كان في ذلك منفعة للبلاد، فلا بأس من دعمه، ما دام لا يُلحق ضررًا جسيمًا بالمجتمع.

لا شك أن القلق على الصحة النفسية والتحصيل الدراسي أمر مشروع، وأن أي قرار عمومي ينبغي أن يراعي راحة المواطن واستقراره النفسي وأمن أفراده، لكن في المقابل، ينبغي طرح السؤال بشكل متوازن: هل المشكلة في الساعة الإضافية فعلًا، أم في طريقة تدبيرنا ليومنا ونمط حياتنا؟.

فكثير من الدول تعتمد تغييرات في التوقيت، ومع ذلك لا تُسجَّل نفس حدة الاعتراض، لأن هناك تنظيمًا أفضل للنوم واحترامًا لإيقاع الحياة وتكيّفًا تدريجيًا مع التغييرات.

أما ربط كل الاختلالات الصحية والدراسية بالساعة فقط، فقد يكون فيه تبسيط مفرط للمشكلة، وإغفال لروح التكافل الوطني يراعي حاجة الفرد والمجتمع.

ثم إن الحديث عن “إجماع شعبي” يحتاج إلى تدقيق، فوجود عريضة موقّعة من آلاف الأشخاص يعكس رأيًا مهمًا، لكنه لا يمثل بالضرورة كافة فئات المجتمع، خاصة في ظل اختلاف الآراء بين من يرفض ومن يتكيّف ومن يرى في القرار منفعة.

ولنلقي نظرة على العالم القروي على سبيل المثال، هل يتأثر سكان تلك المناطق فعلا بإضافة ساعة أو نقصها من عداد الساعة الحائطية؟، حقيقة إنهم لا يكترثون أبدا، فهل لا يلتفتون إليها أبدا، يرفعون رؤوسهم بدلا عنها إلى شروق الشمس، حيث يبدأ يومهم قبيل صلاة الصبح إعدادا للطعام وتهيُّأً لتوجيه الماشية للمراعي والضيعات.

أيضا دول الخليج العربي بسبب قساوة المناخ تعتمد التوقيت المستمر الذي يبتدئ من السابعة صباحا وينتهي قبيل العصر، لا تشتكي من التأثير السلبي لهذا التوقيت على المجتمع ليس لأنها ألفته فحسب، بل لأنه يتناسب مع حاجة الفرد إلى استثمار بقية سويعات يومه في أعمال أخرى تعود بالمنفعة الكبيرة إن على ارتفاع منسوب الاستقرار والانسجام الأسري أو على الفرد نفسه والذي قد يستثمره في بناء شخصيته وتطوير قدراته فيما تبقى من عمر يومه.

فلم يخلق الإنسان فقط ليقضي يومه كاملا في العمل وعلى الدولة حكومة ومواطن وجمعيات ومؤسسات كل من جانبه البحث عن سبل الاستقرار والرفاهية والسعادة المجتمعية المقرونة بالتنمية والإنتاجية والتطور الاقتصادي والصناعي المثمر.

ختاما، أعود للتأكيد إلى أن المشكل في رأيي المتواضع، ليس في الساعة فقط، بل في طريقة تدبير الوقت وفي مدى قدرة المجتمع على الانسجام مع إيقاع يومه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • غير معروف
    منذ 6 أيام

    إذا حسب رأيك ننقص 7 ساعات حتى نتوافق مع التوقيت الأمريكي لكن نتاجر مع امريكا . بل امريكا نفسها توحد ساعتها تشمل كل الولايات هو الأجدر لتدبير الاقتصاد بينها. يا أخي معانات الأطفال والأمهات والعاملات اهم ان تؤخذ بعين الاعتبار