الزليج .. هوية منقوشة
ليست كلّ الأسطح سواء، ولا كلّ ما يُرصّ على الجدران يُسمّى فنًّا؛ فبين السيراميك والزليج مسافةٌ تشبه المسافة بين الآلة والروح، بين ما تُنتجه القوالب الصمّاء وما تُبدعه الأيادي التي تعلّمت عبر القرون كيف تُحوّل الطين إلى معنى. فالسيراميك ابنُ المصنع، يتكرّر كما هو، لا يخطئ ولا يُبدع، أمّا الزليج فهو ابنُ الحرفة، يولد من طينٍ مخصوصٍ تُخرجه أرض المغرب، طينٍ لا يُستبدل ولا يُعوَّض، يُنقّى ويُخمَّر ويُشكَّل، ثم يُجفّف على مهل، قبل أن يدخل نار الأفران ليخرج أصلب وأصدق. بعدها تبدأ مرحلة لا تفهمها الآلة: القطع اليدوي، حيث يُمسك المعلم قطعة الزليج ويُهذّبها بإزميله (المنقاش) ضربةً ضربة وزاويةً زاوية، حتى تُولد الأشكال الهندسية الدقيقة؛ مثل النجمة والمضلع بمختلف أضلاعه، فهي لا تخرج من قالب جاهز، وإنما من عينٍ تُقدّر المسافات والزوايا قبل أن يلامس الحجر، ومن فِكر ينسج التناظرَ قبل أن يُرصّ، تتحول القطع الصغيرة .. ثم تُزجَّج القطع بألوان طبيعية من أكاسيد المعادن، وتُعاد إلى الفرن، لتُختم بالنار كما تُختم المعادن النفيسة، قبل أن تُركَّب مقلوبةً قطعةً قطعة، لتُشكّل في النهاية لوحةً هندسيةً تُخفي جهدها وتُظهر انسجامها، كقصيدة صامتة تنبض بالحياة والجمال.
من هنا، يصبح الزليج فلسفة انتظام، تُدرّب العقل على النظام عبر الجمال، وتُعلّم اليد كيف تفكّر قبل أن تنفّذ، كأن كل قطعة تحمل درسًا في الانضباط والدقة، وكل نقش يشير إلى تآلف الفكر مع الحس الفني.. ذلك أن هذا الفن خرج من تربة حضارية خصبة، صنعت في زمنها معالم خالدة تمتد من فاس إلى مراكش، تنبض بتاريخ وجمال، وتروي قصة عقلية شعبية تتناغم مع الروح والمكان.
من هنا .. في المغرب، وُلد الزليج في فاس منذ القرن الحادي عشر الميلادي، حيث صقل الحرفيون مهاراتهم لتنسج كل قطعة هندسةً دقيقة، عقلًا وذوقًا، وبصمة حضارة خالدة. ومن فاس امتدّ هذا الفن إلى الأندلس، فشامخُ القصور هناك يهمس قبل أن يُعلن، أن وراء كل نقشة وتفصيلة مدرسة مرينية مغربية عريقة، تعلم اليد كيف تُفكّر، والعين كيف ترى الجمال، والروح كيف تُدرِك الترتيب الكامن بين الفوضى والانسجام.
هنا، يصبح كل زليج أكثر من زخرفة: إنه لغة صامتة، وفلسفة مبنية على الصبر والدقة، وحنين للتناغم الذي يسبق الكلام. فهل يُعقل بعد هذا أن يُختزل الزليج في كونه “نقوشًا”؟ أم أن في الأمر خلطًا بين من يُنتج بالجملة ومن يُبدع بالقطعة، بين من يكرّر الشكل ومن يخلق النظام؟
ليس العيب أن تثيرك صناعة الأقمار الاصطناعية، ولا أن تُبهرَك خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ولكن العيب كل العيب أن تظنّ أن من يُتقن نقش الزليج عاجزٌ عن إدراك معنى المدار، وأن من يُحسن ترتيب الأشكال الهندسية على الجدار لا يفقه ترتيب المعادلات في الفضاء؛ إنك لم تُخطئ في المقارنة فحسب، وإنما أخطأت في فهم ماهية الحضارة نفسها، فالحضارة تُقاس بما تُرسّخه من عقلٍ صانعٍ للنظام والجمال، وما تُضيفه من أدوات العصر: الحديد الطائر والذكاء الاصطناعي وكل تكنولوجيا حديثة، فلكل منها دوره في صناعة الحضارة وتطويرها، دون أن يُغني أي منها عن العقل البشري المبدع والفطرة الصافية التي تبني الأساس.
الزليج المغربي ليس “سيراميكًا مزخرفًا” .. الزليج شيء آخر أسمى من السيراميك وشتان بين ما يصنع من فكر وإبداع ومن يد ماهرة محترفة ..وبين ما تنتجه آلة من سيراميك مصطنع من تقليد يتكرر.. الزليج هو رياضيات مُجسَّدة، حيث تتحول الزاوية إلى معنى، والتكرار إلى فلسفة، والتناسق إلى قانون متناغم يُرى ولا يُكتب، وهو قبل أن يكون مادةً على الجدار، هو منهج تفكير يُدرَّس اليوم في كبريات مدارس التصميم والهندسة دون أن يحمل اسمه المغربي في كثير من الأحيان.
إن الحديث عن الاستيراد يظلّ حديثًا ناقصًا إن لم يُفهم في سياقه؛ نعم، قد تُستورد مادة من المواد النادرة كما تُستورد الرقائق الإلكترونية، ولكن هل تُستورد الخبرة التراكمية؟ هل تُستورد الذاكرة الحرفية؟ هل تُستورد تلك اللحظة الدقيقة التي يزن فيها المعلم ضربته بين كسرٍ وإتقان؟ إن الفرق بين من يصنع الزليج ويضعه بإتقان ومن يقلد تقليدًا أعمى، كالفرق بين من يكتب شفرة الحاسوب وبين من يستخدمه؛ أحدهما يفهم ويبتكر، والآخر ينفّذ، وهنا يكمن سر الإبداع والتميّز في كل فن وعلم، فاليد التي تشتغل بلا فهم كالأداة بلا روح، والعقل الذي يفكر بلا تنفيذ كحلم بلا أثر؛ فهل تُقاس القيمة بملكية الآلة أم بقدرة العقل على توجيهها؟
أما الحديث عن “أمة الزليج والقفطان!” بعلامة تعجب .. وكأنه نقيض لأمة الفضاء، فهو في ذاته مفارقة تحتاج إلى مراجعة؛ لأن الأمم التي بلغت الفضاء لم تفعل ذلك حين تخلّت عن هويتها، وإنما حين رسّخت جذورها وأصالتها ثم ارتقت فوقها لتبني آفاقها، فاليابان لم تُلغِ “كيمونوها” لتصنع الروبوت، وأوروبا لم تُحطّم كاتدرائياتها لتُطلق أقمارها الاصطناعية، لقد فهمت أن الجمال هو التمرين الأول للعقل على النظام، وأن من تعلّم كيف يُحسن ترتيب قطعة صغيرة في لوحة كبرى، قادر على أن يُحسن ترتيب فكرة في مشروع أعظم.
ثم دعنا نهمس همسًا فيه شيء من الدعابة الجادة: لو أن الزليج مجرد “سيراميك”، لما عجزت الآلة – برغم صرامتها – عن محاكاة روحه، ولما ظلّ الحرفي المغربي، بإزميله البسيط وطينه الفاسيّ الخاص، يتفوّق على المصنع في إنتاج الاختلاف داخل التماثل؛ وهو سرّ لا تدركه إلا العقول التي فهمت أن الإبداع ليس تكرارًا، بل انحرافٌ محسوب عن القاعدة.
إن التحدي لا يكون في المفاضلة بين الزليج والذكاء الاصطناعي .. التحدي الحقيقي يكمن في الجمع بينهما؛ أن نحوّل هذا الذكاء الحِرفي المتجذر إلى رافعةٍ للابتكار، أن نُدرّس الزليج كعلمٍ في الهندسة قبل أن يكون زينةً في الجدار، وأن نُعيد الاعتبار للمعلم الذي يُمسك بالإزميل كما يُمسك العالِم بقلمه.
فحري بالمرء ألا يجعل من الجدار المزخرف حجة على التخلف، ولا من التراث ذريعة للسخرية، لأن الأمم التي تستخفّ بجذورها تقتلع نفسها بيدها وتبقى معلّقة بلا ظلّ أو امتداد. فالزليج ليس جدارًا نزيّنه حين نعجز، إنه عقلٌ درّب نفسه على النظام، من طين فاس إلى نار الأفران، ومن لم يفهم كيف تُبنى النجمة من قطع صغيرة، لن يدرك كيف تُبنى الحضارة من أفكار أكبر. فتأمل وابتسم، فالفن والتراث والذكاء معًا يصنعون أممًا ترتقي وتبقى.
اترك تعليقاً