وجهة نظر

حكاية المستديرة

من هنا تبدأ الحكاية…
يُروى أنه في زمنٍ تحوّلت فيه الكرة من لعبة عابرة إلى ظاهرة مركّبة، صارت مسرحًا تتقاطع فيه المصالح، وتتزاحم فيه النيات، وتُختبر فيه الأخلاق، اجتمع فريقان في نهائيٍ قاري “كان 2025″، لا ليحسما مباراة فحسب، وإنما ليكشفا معنى أعمق: هل الكرة لعبة تُلعب… أم ورقة تُناور؟ دخل أحدهما الميدان وفي قدميه حذاء، وفي ذهنه خطة .. لا تنتمي إلى منطق اللعب، تتوزع بين ضغطٍ محسوب وتشويشٍ متعمّد وانسحابٍ مدروس، تُحاك خيوطها في الخفاء قبل أن تُعرض على العشب، كأن المباراة لم تكن تسعين دقيقة، فقد صارت فصولًا من مسرحية كُتبت خلف الستار، أما الآخر فدخل كما يدخل البنّاء إلى أرضٍ يعرفها، هادئًا وواثقًا، لا يصرخ في وجه الريح ولا يساوم قوانين الأرض، لقد وضع قدميه حيث يجب أن توضعا، وينتظر بداية الصافرة .. بدأت المباراة… أو هكذا ظن الناس ..!

لكن سرعان ما وقع ما لم يكن في الحسبان .. تحوّلت الكرة من أداة لعب إلى شاهد صامت يرصد ارتباكًا مقصودًا، واحتجاجات متكررة وتوترٍ مصطنع، كأن هناك من يرفض أن يمضي الزمن، فكل همه أن يتعثّر، ثم حدث ما لم تحسبه الأبصار العادية، فتوقفت اللعبة، كأن العالم كله احتجب للحظة ليفكر في مصيره .. لا بسبب هدف، ولا بسبب إصابة، إنما بسبب قرارٍ أُريد له أن يكون سلاحًا، انسحابٌ إلى غرف الملابس، صمتٌ ثقيل عمّ الفضاء .. تساءلت الجماهير، كأن العيون تبحث عن معنى خلف الحدث .. هل هي مباراة أم لغز يختبئ في كل تمريرة وكل هدف؟
لكن ما يغفل عنه الكثيرون أن الكرة قد تصمت في ملعبها، أما القانون فلا يعرف السكوت، وسينطق حتمًا، ولو بعد حين.

تحركت التقارير، وتكلمت الكاميرات، واشتغلت العيون التي لا تنام، فانكشف الخيط الأبيض من الأسود، لم يكن الانسحاب لحظة انفعال، لقد كان سطرًا مكتوبًا مسبقًا في سيناريو محبوك، ولم تكن الفوضى صدفة، كانت أداة ضغط، ولم يكن الهدف تسجيل الأهداف، كان لتسجيل موقف، ولو على حساب اللعبة نفسها، وهنا، وقبل أن تتكلم الأوراق، كان للملعب أن يقول كلمته بطريقته الخاصة، حين وُضعت الكرة على نقطة الجزاء، وتقدم لاعب مغربي بثقة العارف لا المتردد، فاختار أن يُرسلها على طريقة “بانينكا”، لا تحديًا للحارس فقط، إنما رسالة خفية تقول: نحن نلعب بثقة، لكن تجري الكرة بما لا تشتهيه الـ”بانينكا” .. فهي تحتاج إلى هدوءٍ في عالمٍ لا يعترف بالفوضى، فجاءت اللحظة مثقلةً بضجيج الاحتجاجات وضغط المسرحية، فسارت الكرة إلى يد الحارس من دون عناء يُذكر، وضاعت… ليس لأنها فكرة خاطئة، فالجو كله كان مختنقًا ومشحونا بما ليس من روح الكرة.

حينها ضحك البعض، وتأوه البعض، فالقصة لم تكن في ضياع الركلة، وإنما في سبب ضياعها، إذ كيف لكرةٍ أن تهمس برفق، وهناك من يصرخ في أذنها؟ وكيف لـ”بانينكا” أن تبتسم، وهناك من يحاول كسر ابتسامتها؟ وهنا، نفهم أن تلك الركلة الضائعة لم تكن خسارة، لقد كانت شاهدًا إضافيًا في ملف العدالة، دليلًا صغيرًا يقول: حتى الجمال الكروي يختنق إذا حاصرته الفوضى ..

ثم مضت الحكاية إلى فصلها الحقيقي .. ارتفع رأس الفريق الآخر، ليس للاحتجاج، وإنما لزرع الحقيقة، لم يصرخ، وإنما سلّم ملفًا يحمل العدالة، لم يربك، وإنما أرسى الثبات. وكانت تلك لحظة التحول، حين انتقلت المباراة من العشب إلى الورق، من الركلات العابرة إلى معركة الرموز، من زمن اللعب إلى زمن المعنى، حيث تُقاس البطولة بالوعي قبل النتيجة، والقوة بالعدل قبل الأهداف.

هكذا استمرت الحكاية من الأقدام إلى الأدلة، ومن الصافرة إلى العدالة، فمرت الأيام وكأن الزمن نفسه يُعيد مشاهدة اللقطة، لم تكن اللحظة مجرد انسحاب، ولا حتى لقطة الـ”بانينكا” التي ضاعت، وإنما كل حدث أصبح دلالة، وكل ضياع رسالة، وكل صمت للكرة شاهداً على ما يفوق مجرد اللعب، لقد كان صادحا وهو يقول: لم أُخلق لأُضيَّع، إنما لأُفهم، إلى أن جاء القرار: ثلاثية نظيفة، لكنها لم تكن ثلاثية أهداف، بل ثلاثية حقائق، الأولى أن النية إذا فسدت سقطت ولو بدت قوية، والثانية أن المسرح إذا كُشف انقلب على ممثليه، والثالثة أن العدالة وإن تأخرت لا تُهزم.

هكذا عاد الكأس إلى من لم يركض خلفه بالصراخ، لقد انتظره بالصبر، وهنا، نفهم الحكاية على حقيقتها، ليست كل مباراة تُحسم في الملعب، لكن كل حقيقة تُحسم في النهاية، وليس كل انسحاب شجاعة، فبعض الانسحابات هروبٌ مقنّع بثوب الكرامة، أما الذين ظنوا أن بإمكانهم ليّ عنق القانون، فقد تعلموا درسًا قاسيًا، أن القانون كالأرض الصلبة، قد يمهل… لكنه لا يميل، ومن هنا تنتهي الحكاية، لكن عبرتها لا تنتهي، ففي كرة القدم كما في الحياة، من يبنِ مجده على الوضوح يثبت، ومن يبنه على الحيل ينهار ولو بعد حين، فلا تركل الكرة بقدمك فقط .. اركلها بنية صادقة، فإن المرمى لا يقبل إلا ما جاءه نظيفًا.

لقد ضاعت الـ”بانينكا”، نعم… لكنها ضاعت تحت وطأة الضغط، والعدالة لا تضيع، وما ضاع حق وراءه مطالب. والهدف، وإن تأخر، يأتي أحيانًا بثلاثية لا تُسجّل في الشباك، وإنما في صفحات التاريخ ⚽

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *