مجتمع

حقوقيون صحراويون يطالبون بآليات أممية لملاحقة جرائم “الحصار والتجويع” في تندوف

وجه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية سلسلة من المطالب والتساؤلات، تفاعلا مع مخرجات ندوة دولية انعقدت الأسبوع الماضي تحت عنوان “نحو اتفاقية فعالة وشاملة بشأن الجرائم ضد الإنسانية”، حيث شدد على ضرورة مواءمة المعاهدة الدولية المرتقبة مع واقع الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال أو تعاني من النزوح القسري.

وسلط التحالف الحقوقي الضوء بشكل خاص على أوضاع اللجوء بمخيمات تندوف، معتبرا أنها تمثل حالة “لجوء غير مكتمل”، كما دعا إلى توسيع النطاق الموضوعي للاتفاقية ليشمل أنماطا جديدة من الجرائم، مع التأكيد على ضرورة محاسبة الفاعلين غير الحكوميين.

في المقابل، أوضحت الجهة المنظمة للندوة، وهي فريق دراسة الجرائم ضد الإنسانية التابع للفرع الأمريكي لجمعية القانون الدولي، أن هذا النقاش يندرج ضمن مسار أممي انطلق في 19 يناير 2026، ويمتد لأربع سنوات، بهدف صياغة والتفاوض حول معاهدة دولية جديدة. ويستند هذا المسار إلى مشاريع مواد لجنة القانون الدولي لسنة 2019، وقرار الجمعية العامة رقم 79/122 المعتمد في 4 دجنبر 2024، لسد الثغرات القائمة في النظام القانوني الدولي، خاصة وأن نظام روما الأساسي يركز على المسؤولية الفردية ولا يفرض التزامات قابلة للإنفاذ على الدول غير الأعضاء.

وأشار فريق الدراسة، الذي تأسس في 29 ماي 2025 برئاسة البروفيسورة ليلى نادية السادات، إلى أنه قدم 14 مقترحا وورقة موقف خلال الدورة الأولى للجنة التحضيرية، تضمنت الدعوة إلى إدراج “شرط مارتنز” في ديباجة الاتفاقية لتعزيز حماية المدنيين، وتوسيع المادة الثانية لتشمل جرائم مثل “تجارة الرقيق” و”التجويع” و”التدمير البيئي” و”الاضطهاد”.

كما شملت المقترحات تعزيز مقتضيات واجب المنع في المادتين 3 و4، وتوضيح مفهوم “مسؤولية القائد” في المادة 6، وتدقيق آليات الجبر في المادة 12، وتسوية المنازعات في المادة 15، إلى جانب إحداث هيئة رقابة مستقلة، واعتماد بند تفسيري لحقوق الإنسان، وتوصيات تتعلق بإشراك المجتمع المدني، وحماية الأطفال، وضمان مقاربة شمولية تراعي النوع الاجتماعي.

وفي مداخلته، اعتبر التحالف الصحراوي أن مسودة الاتفاقية الحالية تعاني من قصور واضح، بسبب تركيزها على الفاعلين الحكوميين، متسائلا عن كيفية التعاطي مع الجرائم المرتكبة في مخيمات تندوف من طرف جهات غير حكومية مدعومة من الدولة المضيفة. كما طرح تساؤلات بشأن مدى إدراج حالات الاحتلال العسكري المطول واللجوء غير القانوني ضمن نطاق المعاهدة، ودور “شرط مارتنز” في سد الفراغات القانونية المرتبطة بحماية السكان الخاضعين لسيطرة فاعلين غير دولتيين.

وطرح التحالف أيضا إشكالات مرتبطة بتعريف “الاضطهاد”، مطالبا بتوضيح مدى شموله للاضطهاد السياسي وتقييد حرية التعبير داخل المخيمات، فضلا عن ما وصفه بـ”الاضطهاد الثقافي” المرتبط بالهوية. كما تساءل عن معايير إثبات جرائم “التدمير البيئي” و”النهب الممنهج للموارد الطبيعية”، وإمكانية إدراج “التجويع” كجريمة ضد الإنسانية في حالات تقييد الوصول إلى الغذاء لأغراض سياسية، سواء في سياقات اللجوء طويل الأمد أو حالات الحصار.

وفي سياق متصل، نبه التحالف إلى التحديات التي تواجه منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان، خاصة تلك التي تتناول أوضاع اللاجئين، مشيرا إلى عراقيل من قبيل صعوبة الحصول على التأشيرات أو الضغوط الدبلوماسية لسحب الصفة الاستشارية، ما يحد من قدرتها على توثيق الانتهاكات. ودعا في هذا الصدد إلى تضمين نصوص صريحة تحمي المدافعين عن حقوق الإنسان من الأعمال الانتقامية، وتضمن مشاركة فعلية للمجتمع المدني في مسار التفاوض.

كما دعا التحالف إلى إحداث آلية رقابة دولية مستقلة، تتمتع بصلاحيات تلقي الشكاوى الفردية وإجراء زيارات ميدانية لمخيمات اللجوء، مع التساؤل حول سبل إنفاذ التوصيات، وآليات تسوية النزاعات في حال عدم انخراط الدولة المضيفة في نظام روما، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى التحكيم الإلزامي أو محكمة العدل الدولية.

وشددت الوثيقة على أهمية إرساء نظام متكامل لجبر الأضرار، يشمل التعويض الجماعي، واسترداد الموارد المنهوبة، وضمانات عدم التكرار، عبر إنهاء حالات اللجوء غير القانوني.

وفي ما يتعلق بالفئات الهشة، أثار التحالف قضايا حماية الأطفال الذين نشأوا في سياقات نزوح طويل الأمد، والالتزامات المرتبطة بحقوقهم التنموية والنفسية، إلى جانب حماية النساء والمدافعات عن حقوق الإنسان من الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي داخل المخيمات.

كما تساءل عن شروط دخول المعاهدة حيز التنفيذ بما يضمن طابعها العالمي، وآليات الحد من تأثير التحفظات، وسبل تحييد العوائق الجيوسياسية، بما في ذلك تأثير حق النقض داخل مجلس الأمن على مسارات المحاسبة الدولية.

وشارك في تأطير هذه الندوة عدد من الخبراء الدوليين، من بينهم رئيسة لجنة الصياغة البروفيسورة أوليمبيا بيكو، والبروفيسور توم دانينباوم، ويوسف حتي ممثلا للبعثة اللبنانية، والبروفيسور كريستوفر لنتز المسؤول في سجل الأضرار الخاص بأوكرانيا، والمحامية الدولية أكيلا رادهاكريشنان.

وأجمع المشاركون على أهمية تتويج هذا المسار بعقد مؤتمر دبلوماسي للمفوضين في أفق 2028-2029، بهدف إقرار معاهدة دولية تجعل مبدأ “لن يتكرر ذلك أبدا”، الذي أعقب مآسي الحرب العالمية الثانية، التزاما قانونيا ملزما وقابلا للتنفيذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *