منتدى العمق

ورزازات.. من “بوابة الجنوب” إلى “هامش الجهة”

لم يكن إقرار الجهوية المتقدمة في دستور 2011 مجرد تعديل تقني في تنظيم الدولة الترابي، بل كان تحولا عميقا يهدف الى القطع مع اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة، وتكريس مبادئ الإنصاف والتوازن والتضامن بين الجهات والأقاليم. فقد نص الفصل 136 على أن التنظيم الجهوي يقوم على التدبير الحر والتعاون والتضامن، وعلى إشراك السكان في تدبير شؤونهم، كما أكد الفصل 142 على ضرورة إرساء آليات تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، في حين يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن تتبع تنزيل هذا الورش بعد أزيد من عقد يكشف عن مفارقة واضحة بين النص والتطبيق، خاصة عند الوقوف على وضعية إقليم ورزازات، التي تعكس مسارا طويلا من الاختيارات الترابية التي لم تراع لا الانسجام الجغرافي ولا العدالة المجالية.

فورزازات ومحيطها التاريخي الطبيعي تنغير وزاكورة او ما يعرف ب “واد درا” لم تكن يوما في موقع إداري يعكس مؤهلاتها وموقعها الطبيعي، بل ظلت موضوع إلحاق متكرر بمجالات أخرى. فقد كانت تابعة إداريا وتاريخيا لمراكش طيلة الحقبة الاستعمارية وبعد الاستقلال رغم بعدها الجغرافي الذي يقارب 200 كيلومتر. وبعد إقرار الجهوية لأول مرة سنة 1997 بموجب دستور 1992 ألحقت ورزازات ومحيطها بمدينة اكادير في اطار ما سمي انداك جهة سوس ماسة درعة رغم البعد الجغرافي وانعدام اية روابط اقتصادية ومجالية ، في تجربة لم تحقق الانسجام التنموي المنشود، حيث ظلت ورزازات في موقع هامشي داخل تركيبة جهوية غير متجانسة بشكل كاف.

وفي المقابل، كانت الراشيدية مدمجة ضمن جهة مكناس تافيلالت، ما يعني أن المجالين كانا منفصلين ضمن بنيتين ترابيتين مختلفتين، لكل منهما حد أدنى من التماسك الداخلي. غير أن التقسيم الجهوي لسنة 2015 جاء ليعيد تركيب الخريطة بشكل يطرح أكثر من تساؤل، حيث تم—وبقرار إداري—تجميع مجالين مختلفين في العمق: درعة وتافيلالت، رغم ما يفصل بينهما من مسافات شاسعة، واختلافات ثقافية وتاريخية واضحة، وضعف الروابط الاقتصادية القادرة على خلق انسجام جهوي فعلي.

وهكذا، لم يعد الأمر مجرد إعادة رسم حدود، بل إعادة تركيب مجال ترابي يفتقر لعناصر التماسك، وهو ما أفرز جهة واسعة جغرافيا لكنها ضعيفة من حيث الترابط الداخلي، وهو ما انعكس لاحقا على فعالية السياسات العمومية داخلها.

وفي خضم النقاش الدائر قبل إقرار التقسيم الجهوي لسنة 2015 ، اعتمدت اللجنة الاستشارية للجهوية في بداية مشاورتها مقاربة تشاركية شكلية ، حيث تلقت مذكرات من فعاليات جمعوية تمثل ورزازات وتنغير وزاكورة والراشيدية، غير أنها انتهت إلى اقتراح الراشيدية مركزا وعاصمة للجهة دون أي اعتبار لمقترحات تلك الهيئات في تناقض واضح مع روح المشاركة التي نص عليها الدستور والقانون التنظيمي للجهات.

وقد سبق لعدد من أبناء المنطقة الغيورين أن حذروا من تبعات هذا الاختيار، بل وطالبوا صراحة بمنح ورزازات عاصمة للجهة، استنادا إلى موقعها الجغرافي الوسطي، وتوفرها على بنية تحتية ومؤسسات ذات امتداد جهوي تاريخي باعتبارها بوابة الجنوب الشرقي . غير أن هذه المطالب لم تجد طريقها إلى التفعيل، حيث تم تغليب القرار الحزبي الضيق، في ظل توازنات سياسية معينة وبتزكية مركزية، وهو ما حسم في اتجاه لم يكن الأكثر انسجاما مع منطق العدالة المجالية.

كما أن البعض من المنتخبين المحليين من أبناء ورزازات وزاكورة و تنغير بعد انتخابات 2011 يتحملون بدورهم جزءا من المسؤولية، حيث لم يمارسوا الترافع اللازم في لحظة حاسمة، وفضلوا في كثير من الحالات الانضباط للاعتبارات الحزبية، بدل الدفاع عن احقية مدينة ورزازات في احتضان مركز الجهة ، وهو ما شكل منعطفا حاسما في تكريس هذا الاختلال.
وتم منح الراشيدية عاصمة الجهة رغم انها تقع في حدود الجهة وليس في الوسطة وتبعد عن باقي الأقاليم ب 300 كيلومتر .

وما كان آنذاك مجرد تخوفات، أصبح واقعا ملموسا تؤكده التجربة. فقد عرفت الجهة خلال ولايتها الأولى حالة من البلوكاج والصراع السياسي، انعكست بشكل مباشر على وتيرة التنمية، وأدت إلى تجميد مشاريع وتأخر أخرى، في وقت كان يفترض فيه أن تنطلق فيه المشاريع التنموية في أقاليم الجهة بشكل سريع بالنظر لسنوات الاقصاء الطويلة نتيجة تصنيف الجهة وظنيا ضمن المغرب الغير النافع .

وبعد مرور سنوات الصراع السياسي التي ضيعت على الجهة ولاية كاملة دون نتائج ملموسة على الواقع انطلقت وعوض البدء في تنفيذ المشاريع التنموية وجهت الجهة جزءا مهما من ميزانيتها نحو تأهيل مركزها الإداري الجديد بالراشيدية ، بدل توزيع الاستثمارات بشكل متوازن منذ البداية على أقاليم الجهة ، وهو ما أدى إلى تفاوت مجالي وزمني واضح بين الأقاليم. وزاد من حدة هذا الاختلال اختيار مركز الجهة في موقع جغرافي بعيد، حيث يضطر المنتخب و المواطن لقطع مسافات تتجاوز 300 كيلومتر من أجل تتبع دورات مجلس الجهة والولوج إلى خدمات أساسية ، في تناقض صارخ مع مبدأ تقريب الخدمات الذي يشكل جوهر الجهوية المتقدمة.

وقد كانت لهذه الاختيارات آثار سلبية مباشرة بالدرجة الأولى على إقليم ورزازات، الذي عرف تراجعا ملموسا في عدد من القطاعات الحيوية. فالقطاع السينمائي، الذي جعل من ورزازات “هوليود إفريقيا”، شهد انخفاضا في وتيرة الإنتاجات، كما ان مشروع القرية السينمائية بورزازات لم تتبناه الجهة مما أدى الى ظهور بوادر سحبه وتحويله الى الدارالبيضاء كما ان القطاع السياحي عرف ركودا تجلى في إغلاق عدد من الوحدات الفندقية وتراجع الجاذبية السياحية للإقليم. كما تضرر الربط الجوي، الذي لم يحظ بالدعم الكافي لضمان دينامية اقتصادية مستدامة، فضلا عن منح مشاريع استشفائية وجامعية كان من المنطقي إحداثها بورزازات باعتبارها تقع وسط الجهة واسنادها للراشدية باعتبارها فقط مركز الجهة ، وهو ما عمق الإحساس بعدم الإنصاف.

كما يعكس تعثر عدد من المشاريع البنيوية بورزازات، من قبيل تثنية الطريق الرابطة بين ورزازات ومركب نور للطاقة الشمسية، وتنفيد المشاريع الطرقية في اطار برنامج محاربة الفوارق المجالية حجم الاختلال في ترتيب الأولويات، رغم أن ورزازات تحتضن أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة على المستوى العالمي، وهو ما كان يفترض أن يجعلها في قلب السياسات التنموية، لا على هامشها.
ولا يقف هذا التراجع عند القطاعات التقليدية، بل يمتد إلى إهمال الجهة لمشاريع نوعية تتواجد بإقليم ورزازات كان من شأنها أن تشكل رافعة تنموية جديدة. ويكفي أن نشير على سبيل المثال إلى مشروع “ديناصور تزوضى” بجماعة إمي نولاون، الذي ظل لسنوات دون أي التفاتة او دعم او مواكبة من مجلس الجهة رغم ما يحمله من إمكانيات كبيرة في مجال السياحة العلمية والإيكولوجية.

وفي ظل هدا الاختيار الجهوي المتسم بشساعة المجال وانعدام الروابط المشتركة التاريخية والاجتماعية و الاقتصادية بين أقاليم مجال تافيلالت واقاليم مجال درعة والصراع السياسي ومنح عاصمة الجهة لإقليم الراشيدية المتواجد في ادنى اطراف الجهة كلها عوامل تضعنا امام جهة لم تنجح في البدء في الترافع عن مشاريع استراتيجية كبرى، مثل نفق تيشكا، أو الطرق السريعة، وحقها من الطرقة السيارة ونصيبها من الربط السككي. بل إن الأخطر أنها لم تبادر أصلا إلى بلورة هذه المشاريع كمطالب جهوية واضحة.
وهنا يظهر الخلل الحقيقي: جهة تنتظر ما يمنح لها، بدل أن تفرض ما تحتاجه.
إن غياب قوة الاقتراح يعكس غياب رؤية، ويحول الجهة إلى فاعل ضعيف، بدل أن تكون قوة اقتراحية تدافع عن مصالحها وتفاوض الدولة.

وفي المقابل، كان من الممكن اعتماد خيار أكثر توازنا حتى في ظل جهة شاسعة ، يتمثل في إسناد عاصمة الجهة لورزازات، التي تتوفر على رصيد مهم من البنيات التحتية والمؤسسات ذات الامتداد الجهوي، بحكم كونها كانت عمالة أم لسنوات طويلة لكل من تنغير وزاكورة. فهي تحتضن عددا من الإدارات الجهوية، وتتوفر على مطار دولي، ونواة جامعية، ومعاهد للتكوين، وبنية سياحية وفندقية مهمة، ومرافق صحية، وشبكة طرقية في مستوى مقبول، وهو ما كان سيمكن من الانطلاق الفوري في تنزيل مشاريع الجهة دون الحاجة إلى استنزاف ميزانيتها في التأسيس من الصفر.
وانطلاقا من هذا المسار التاريخي، من مراكش إلى سوس ثم إلى درعة تافيلالت، يطرح سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بسلسلة اختيارات ظرفية، أم بنمط متكرر يضع ورزازات دائما في موقع الهامش رغم مؤهلاتها؟

ومن هنا، فإن النقاش اليوم لم يعد مرتبطا فقط بعاصمة جهة، بل بضرورة إعادة تقييم التقسيم الجهوي برمته، خاصة في ظل بروز عدة جهات، شمالا وجنوبا، تعاني من ضعف الانسجام الداخلي. كما أن التطورات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، في سياق مبادرة الحكم الذاتي، تفرض بدورها إعادة التفكير في التنظيم الترابي بما يعزز النجاعة ويكرس جهات منسجمة وقادرة على تحقيق التنمية.
بل إن الأمر قد يقتضي فتح نقاش أعمق حول تطوير الإطار الدستوري والقانوني المنظم للجهات، من خلال التنصيص على معايير موضوعية لإحداثها، تقوم على وحدة المجال والروابط التاريخية والثقافية والتكامل الاقتصادي، واعتماد المركز الجغرافي كمعيار لتحديد عاصمة الجهة، إلى جانب إقرار قواعد ملزمة لتوزيع عادل للاستثمارات، بما يقطع مع منطق تركيز المشاريع في المركز وإقصاء الأطراف.

وفي هذا الإطار، يبرز طرح منح ورزازات وأقاليمها القريبة والمحيطة بها زاكورة و تنغير جهة مستقلة كخيار مشروع، قائم على روابط تاريخية وثقافية واجتماعية واضحة، وعلى إمكانيات حقيقية لبناء نموذج تنموي منسجم وفعال.
وانطلاقا من كل ما سبق، فإن المرحلة تفرض تعبئة جماعية ومسؤولة، و الترافع الجاد من طرف أبناء ورزازات والأقاليم المحيطة بها، ومعهم المنتخبون والفاعلون، من أجل الدفاع عن هذا المطلب المشروع.

فإقرار جهة منسجمة ترابيا، إذا ما تم، لن يكون مجرد تعديل إداري، بل سيشكل تحولا نوعيا قادرا على إطلاق دينامية تنموية حقيقية، تضع حدا لسنوات من الانتظار، وتنهي معاناة التنقل لمئات الكيلومترات من أجل الولوج إلى أبسط الخدمات. وتعيد لإقليم ورزازات وهج السينما وتحفظ لها لقب هوليود افريقيا وتعيد لها مكانتها السياحة .
فورزازات لا تطالب بامتياز، بل بحقها المشروع في الإنصاف المجالي، وفي موقع يعكس مؤهلاتها داخل محيطها الترابي. والجهوية، إن لم تتحول إلى أداة فعلية لتحقيق هذا الهدف، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى مجرد مركزية جديدة بواجهة مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *