رحلتنا في التيه
لا شيء أكثر إيلاماً من أن ترى أمّة تمشي إلى الوراء وهي تظن أنها تتقدّم.
نركض في شوارع التاريخ بأقدام متعبة، نحمل على أكتافنا قروناً من الغبار، ونظن أن هذا الغبار هو هويتنا. نرفع شعاراتنا كما يرفع الغريق ذراعيه للنجدة، لكن البحر من حولنا لا يسمع، والزمن لا يلتفت.
في العالم البعيد عن صخبنا، يبني البشر معاملهم كما تُبنى الكاتدرائيات، ويقيمون في مختبراتهم ما يشبه معابد العلم. هناك، يقدٍّر الناس قيمة الإنسان بقدر إسهامه في فهم الكون وتخفيف معاناة الآخرين. أما نحن، فنختزل أنفسنا في صراخ الشوارع وصخب الخطب.
يفتك بالشعوب جوعان: جوع الخبز وجوع الوعي. وتهدم البيوت قوتان: القنابل، والخرائط التي رسمناها في عقولنا، خرائط تضيق بالاختلاف وتخنق إمكان العيش المشترك.
تحوّلت فلسطين من حلم جامع إلى ساحة لتصفية الحسابات. يسكب القاتل دم الأطفال على الأرصفة، ويحتضن أصحاب القرار في الفنادق البعيدة صفقات باردة. تمزج قصور الشواطئ حجارتها بدموع أم فلسطينية، وتسقي الحدائق الخاصة أزهارها بأنفاس شيخ هدموا بيته.
ومع ذلك، ما زلنا نصرخ أن النصر قريب، وأن الله معنا وحدنا، وكأن الخالق يوقّع عقوداً حصرية مع طائفة دون أخرى.
نواصل إطلاق الشعارات عن نصر قريب، وندّعي احتكار القرب من الله، وكأن الخالق يمنح امتيازاً حصرياً لطائفة دون أخرى. نغرق في وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ونغوص عميقاً في الطين.
أكبر أوهامنا : حين صدقنا أننا أننا نملك الحقيقة المطلقة.
تكشف الأرقام الفارق بوضوح: تخرّج جامعات تل أبيب والقدس كل عام مئات العلماء الذين يحملون براءات اختراع ويقودون تحولات في الطب والتكنولوجيا. وتدفع جامعاتنا بكتائب من حفظة فصول الفقه إلى جدالات في دقائق الحيض والنفاس، وكأنها مركز الكون.
أي عار هذا؟
لسنا في حاجة إلى المزيد من الخطباء ولا المزيد من البنادق. حاجتنا الحقيقية إلى مختبرات للفكر، إلى مراكز بحث تمسك بأدمغتنا كما تمسك الأيدي الماهرة بالماس الخام، فتصقله حتى يلمع، وتطهّره من صدأ الكراهية والطائفية.
إن أول خطوة للخروج من هذا السبات هي أن نكف عن عبادة الماضي، وأن نفهم أن ما ورثناه ليس كله مقدساً، وأن بعض ما نحمله هو أثقال صنعها أجدادنا في زمنهم، لكنها صارت عبئاً في زمننا.
وأن ندرك أن العالم لا ينتظرنا، وأنه حين يسبقنا، لن يلتفت ليأخذ بأيدينا، بل سيمضي تاركاً إيانا في صحراء الوهم التي صنعناها لأنفسنا.
علينا أن نتعلم من جديد أن الأرض ليست ملكاً لشعار، ولا لمذهب، ولا لحدود رُسمت على خريطة ذات مساء بارد في مكاتب السياسة. الأرض لله، وورثتها الحقيقيون هم الذين يزرعونها علماً وعدلاً وسلاماً.
سيقول البعض إن الكلام سهل، وإن الأوطان لا تتحرر إلا بالسلاح. لكن الحقيقة أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير العقل، وأن النصر العسكري بلا نهضة فكرية مجرد هدنة مؤقتة قبل هزيمة جديدة.
لن نخرج من هذا المستنقع إلا يوم نكسر الجدار الأكبر داخلنا: جدار الوهم. يوم نرى في “الآخر” إنساناً لا عدواً. يوم نفهم أن العلم ليس ترفاً، بل ضرورة للبقاء. يومها فقط سنستطيع أن نكتب صفحة جديدة، لا لفلسطين وحدها، بل لكل أرض تئن تحت وطأة التخلف والظلم.
وحتى يحين ذلك اليوم، سيبقى الفجر بعيداً، وستبقى شعاراتنا قناديل بلا زيت، وأصواتنا أناشيد تذروها الريح، بينما يواصل العالم رحلته نحو المستقبل، ونواصل نحن رحلتنا في التيه.
اترك تعليقاً