منتدى العمق

حين تتحول حرب إيران إلى منصة لتجييش المغاربة ضد بلدهم

ليست المشكلة في أن يختلف المغاربة حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ولا في أن يتباينوا في تقدير مسؤوليات الأطراف المتصارعة. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا النقاش إلى أداة شحن أيديولوجي ضد المغرب نفسه، وحين تصبح حرب بعيدة جغرافيا مناسبة لإعادة إنتاج خطاب قديم جديد يقوم على تخوين الدولة، والطعن في تموقعها، والتشكيك في اختياراتها الاستراتيجية، وتصويرها كما لو أنها تقف دائما في الجهة “الخاطئة” من التاريخ. هنا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام مناخ تهييج يتجاوز السياسة إلى العبث المباشر بالوعي السيادي للمجتمع.

هذا المناخ ليس بريئا ولا عفويا كما قد يبدو. فكلما اندلع نزاع كبير في الشرق الأوسط، خرجت معه في المنطقة العربية كلها، لكن تحديدا في المغرب، موجات خطابية مشحونة بالدين، والمظلومية، والشعارات الكبرى، والعداء المفتوح لكل دولة ترفض أن تُدار سياستها الخارجية بالعاطفة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود المغرب عند بعض الأصوات دولة لها مصالحها وتحالفاتها وحساباتها، بل يتحول إلى مجرد مادة للتأنيب والتحريض والتشكيك. فجأة يصبح مطلوبا من الرباط أن تعيد تموقعها وفق المزاج الإيديولوجي لمن نصبوا أنفسهم أوصياء على الأمة، لا وفق ما تقتضيه مصلحة البلد ومصلحة الشعب نفسه.

والأخطر أن بعض هذا الخطاب لا يقف عند حدود المزايدة اللفظية، بل يخلق تربة نفسية وثقافية خطيرة يعتبر فيها الشاب المغربي أن نصرة دولة بعينها واجب ديني، بينما الدفاع عن تموقع بلده السياسي أو أمنه القومي أو تحالفاته الاستراتيجية أمر ثانوي أو مشبوه. وتلك هي النقطة التي ينبغي التوقف عندها بجدية. لأن التاريخ القريب علمنا أن أخطر أشكال التطرف لا تبدأ دائما بحمل السلاح، بل تبدأ بالفكرة، وتحديدا فكرة تخوين البلد، واتهام مؤسساته، وشيطنة تحالفاته، وإقناع الشباب بأن دولتهم في خدمة “أعداء الأمة”، وأن الخلاص يوجد دائما خارج حدود الوطن لا داخله.

اليوم، يتكرر هذا المنطق نفسه بصيغ جديدة. هناك أصوات لا تكتفي بانتقاد خصوم إيران أو مناهضيها، بل تتجاوز ذلك إلى تبرير كل شيء لطهران تقريبا، والتعامل معها كما لو أنها فوق المساءلة، فقط لأنها ترفع رايات وشعارات تستثير العاطفة. أما إذا تعلق الأمر بالمغرب، فإن هذه الغيرة تنطفئ فجأة. لا نسمع الحماسة نفسها حين تمس مصالح المملكة، ولا نجد ذلك الاستنفار الأخلاقي حين يتعلق الأمر بأمنها الإقليمي، ولا ذلك التحمس حين تكون القضية هي وحدتها الترابية أو استقرار محيطها العربي. بل نجد العكس تماما من خلال التشكيك في المعطيات الرسمية، التهوين من المخاطر، وتسفيه لكل من يذكر بأن للمغرب حساباته ومصالحه الخاصة.
وهنا تحديدا يجب استعادة الذاكرة السياسية للدولة، لا الذاكرة العاطفية للشعارات. فالمغرب لم يبن موقفه من إيران على الانفعال، ولا على استرضاء هذا الطرف أو ذاك. في ماي 2018 أعلن قطع علاقاته مع طهران بعد ثبوت تورط إيران، عبر “حزب الله” وبواسطة سفارتها في الجزائر، في تقديم دعم لجبهة البوليساريو يشمل التدريب والتسليح. وكان وزير الخارجية ناصر بوريطة قد أكد، وقبله الناطق الرسمي بإسم الحكومة، مصطفى الخليفي، أن الأمر وصل إلى صواريخ ومعدات عسكرية أُرسلت للجبهة، أي أننا لسنا أمام خلاف دبلوماسي عابر، بل أمام ملف اعتبرته الرباط مساسا مباشرا بأمنها القومي ووحدتها الترابية.

ولم يتوقف الأمر عند تلك المحطة. ففي 28 فبراير 2026، أدان المغرب رسميا، وبأشد العبارات، الهجوم الصاروخي الإيراني الذي استهدف دولا عربية شقيقة، معتبرا أنه انتهاك لسلامتها وأمنها. ولم يكتف الموقف المغربي ببلاغ الإدانة، بل تعزز بسلسلة اتصالات هاتفية أجراها جلالة الملك محمد السادس مع عدد من قادة دول الخليج، جدد خلالها دعم المملكة الكامل ومساندتها التامة لكل الإجراءات المشروعة الكفيلة بحفظ أمن هذه الدول واستقرارها، مع التأكيد بوضوح على أن أمن واستقرار دول الخليج العربي جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المغرب. وهذا ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل تعبير صريح عن عقيدة سياسية تعتبر أن أمن الحلفاء الخليجيين يدخل في صميم التوازن الإقليمي الذي ينظر إليه المغرب باعتباره جزءا من أمنه الاستراتيجي المباشر.

معنى هذا كله أن من يصرون على اختزال النقاش في ثنائية ساذجة: “هل أنتم مع إيران أم مع أعدائها؟” لا يناقشون السياسة أصلا، بل يهرّبون النقاش الحقيقي الذي يجب أن ينصبّ على مصالح الشعب التي لا تتناف ومصالح الدولة، لأنها شيء واحد. فماذا عن المغرب؟ ماذا عن ذاكرته الدبلوماسية؟ ماذا عن مصالحه؟ ماذا عن حقه في أن يحدد تموقعه وفق منطق الدولة لا وفق نوبات الحماسة؟ التلاعب بالرأي العام يبدأ هنا، حين يُسحب النقاش من أرض الواقع إلى محكمة الشعارات، فيصبح المغربي مطالبا بتبرير حرصه على مصلحة بلده، بينما يُمنح الخطاب الإيراني أو الخطاب الناطق باسمه حصانة عاطفية شبه كاملة.

هذه هي المسؤولية المعنوية الثقيلة التي يتحملها اليوم بعض السياسيين والنشطاء والفاعلين الرقميين. لأنهم، بقصد أو بدونه (وغالبا ما يكون ذلك بقصد وبسوء نية)، يساهمون في تهيئة المناخ الذهني الذي يُعاد فيه تقديم المغرب للشباب، لا كدولة يجب فهمها والدفاع عن مصالحها، بل ككيان ينبغي محاكمته باستمرار، والتشكيك في كل خطوة يخطوها، وتبخيس كل تموقع يختاره. وهم بذلك لا يثرون النقاش العمومي، بل يدفعونه نحو منسوب خطير من التهييج، حيث تختلط الشعبوية بالخطاب العقائدي، وتمتزج المظلومية الجيوسياسية بلغة التخوين، وتتحول المنصات الرقمية إلى معامل يومية لتطبيع السخط والتحبيط وفقدان الثقة.

والحال أن الدولة المغربية تشتغل في هذا الملف بمنطق مختلف تماما. إذ أن واجبها يحتم عليها استشراف الأحداث والمستقبل، عبر قراءة استباقية لمآلاتها، بما يخدم مصالح الأمة المغربية بعيدا عن الانفعال والمزاج اللحظي. وهذه نقطة أساسية لفهم تموقع المغرب، لأنها تفسر لماذا لا تدير الرباط علاقاتها الدولية بمنطق العاطفة، ولماذا لا تنظر إلى الصراع الأمريكي الإيراني من زاوية التجييش، بل من زاوية المصالح، وتوازنات الممرات البحرية، والتحالفات، وإعادة تشكل المجال الأطلسي، والمكانة المتقدمة التي صار يحتلها المغرب في الحسابات الجيوسياسية لشركائه.

ومن هنا يظهر التباين الكبير بين منطق الدولة ومنطق المزايدة. الدولة تنظر إلى العالم كما هو، لا كما تحب الشعارات أن يكون. تدرك أن العلاقات الدولية لا تُدار بالغيرة على هذا الطرف أو ذاك، بل بحسابات دقيقة تخص الأمن، والاقتصاد، والتحالفات، والموقع. أما الخطاب الشعبوي المؤدلج فيريد جر المغرب إلى ساحة انفعالية لا مكان فيها للمصلحة الوطنية، ولا اعتبار فيها للتموقع الاستراتيجي، ولا احترام فيها حتى للحد الأدنى من الانسجام.

لذلك، فالمطلوب اليوم ليس منع النقاش ولا مصادرة الآراء، بل تسمية الأمور بأسمائها. من حق أي أحد أن يتعاطف مع من يشاء، وأن ينتقد من يشاء، لكن ليس من حق أحد أن يحول هذا التعاطف إلى منصة لتجييش المغاربة ضد بلدهم، أو إلى أداة لزرع الشك في وعيهم السيادي، أو إلى وصفة متكررة لتحقير كل ما يصدر عن الدولة حين يتعلق الأمر بالأمن والمصالح العليا. لأن أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط ما يقوله عن إيران أو أمريكا أو إسرائيل، بل ما يزرعه داخل المغرب نفسه لتصديق كل سردية معادية ما دامت ملفوفة بالدين أو المظلومية أو الشعبوية.

إن الوعي السيادي لا يختبر حين نصفق لما نحب، بل حين نعرف من أين نبدأ. والمغربي الذي يبدأ من مصلحة وطنه لا يعني أنه فقد إنسانيته، بل يعني فقط أنه لم يفقد بوصلته. أما الذي تشتعل غيرته على طهران وتخمد على المغرب، ويعلو صوته في الدفاع عن سرديات الخارج بينما لا يرى في قضايا بلده إلا مناسبة للتشكيك والتحبيط، فذلك لا يمارس نقدا سياسيا راشدا، بل يشارك، شاء أم أبى، في إضعاف المناعة المعنوية التي تحتاجها الأمم لحماية نفسها في زمن الحروب الهجينة والفوضى الدعائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *