حكاية مسعود وسعد السعود، في زينة الوعود وخيبة المقصود
يا أهلَ المجلسِ والإنصات، ويا أربابَ الفهمِ والالتفات، هذا مقامُ الحكاية إذا استوى، وميدانُ الرواية إذا احتوى، فلا يقطعْه عجلانُ، ولا يفسدْه غافلٌ ولهان. أنصتوا لما يُتلى، وأعيروا القلوبَ قبل الآذان، فإنّ الخبر إذا دخل من باب السمع ولم يجد في النفس موضعًا، كان مروره كمرور الظلّ على الجدران، لا يُبقي أثرًا، ولا يوقظ فكرًا، ولا يزيد صاحبَه إلا لهوًا وخسران.
هذه سيرةٌ من سِيَر الناس، وخبيئةٌ من خبايا فاس، مدينةِ العلمِ واللباس، والهيبةِ والبأس، وما أكثرَ ما جمعتْ بين نقاء النحاس، وكدر الأنفاس، وبين صفاءِ الظاهر، واضطرابِ الباطن إذا مسته يدُ القياس. فيها ترتفع المقامات، وتضيق الطرقات، وتتجاورُ العمائمُ والمطارق، والأذكارُ والأسواق، والسترُ والافتضاح، كأنّها وعاءٌ واسعٌ لما خفيَ من أمر البشر وما استبان.
وفي هذه المدينة كان من الخبر ما لو سمعه المتبصّر لاعتبر، ولو تدبّره المغرور لازدجر، لأنّ فيه رجلاً أغرته صورتُه، وخدعته مرآتُه، فحسب أنّ الهيئةَ إذا استقامت استقام بها القدر، وأنّ اللباسَ إذا حسنَ حَسُنَت به السيرة، وأنّ من اشترى للعين ما يُرضيها، اشترى للقلب ما يزكيه ويُعليه. وما علم أن الثوب يستر الجسد ولا يستر الخلل، وأنّ الطيب يَعبق ساعةً ثم يذهب، ويبقى من المرء ما رسخ في طبعه، وثبت في عقله، وصدق في قوله وفعله.
يا سادتي، ما أكثر من يطلبون من الدنيا وجهَها اللامع، ويتركون قلبَها الجامع، فيسعون إلى الأسماء قبل المسميات، وإلى الأصوات قبل المعاني، وإلى الزينة قبل السكينة، ثم لا يلبثون إذا امتحنتهم الليالي، وجرّبتهم الأيّام، أن تنكشف عنهم تلك الستور، ويظهر ما كانوا يظنون أنه خافٍ مستور. فكم من مجلسٍ بدأ بالضحك وانتهى بالتأوّه، وكم من وعدٍ لمع في أوله ثم صار في آخره حسرةً على صاحبه، وكم من رجلٍ دخل بابًا يطلب منه الرفعة، فخرج منه مثقلًا بالخزي والقطيعة.
وحكايتنا هذه من ذلك الباب، بابٍ أوله إعجاب، وأوسطه اضطراب، وآخره انقلاب. فيها مسعود، وما أدراك ما مسعود؟ اسمٌ فيه بشارة، ونفسٌ فيها استعجال، وعينٌ لا ترى من الأشياء إلا ما يلمع، وقلبٌ تعلّق بزينة الأحوال قبل أن يتعلّم ثبات الرجال. وفيها سعدُ السعود، واسمُها اسمُ يمنٍ وفأل، ولكنها في الحكاية ميزانٌ ومآل.
وليس هذا بخبرٍ يُروى للتفكّه وحده، ولا بحديثٍ يُلقى على السامعين ليقطعوا به الليل ثم ينسوه مع الصباح، بل هو مرآةٌ منصوبة، من شاء نظر فيها إلى غيره، ومن شاء رأى فيها نفسه من حيث لا يشعر. فمن الناس من يقرأ الحكاية بحثًا عن الطرب، فيظفر به قليلًا، ومنهم من يقرأها طلبًا للعبرة، فيرجع منها بزادٍ كثير؛ لأنّ الحوادث لا تكتمل فائدتُها إلا إذا جاوزنا ظاهرَها إلى معناها، وصورتَها إلى مغزاها، وأشخاصَها إلى ما فيهم من أمثال الناس وأشباههم.
فشدّوا حيازيم الإصغاء، واتركوا للنفس فسحةَ التأمّل، ولا تستعجلوا الحُكم قبل تمام الخبر، فإنّ الحكاية كالعقد الفاسيّ الصنعة: لا يُعرف حسنُ نظمه من حبته الأولى، بل إذا تمّ انتظامُه، واتصل أوّله بآخره، بان قدرُ الجوهر، واستقام سرُّ الصنعة، وانكشف للعين ما كان مبثوثًا قبلُ في التفصيل.
فالآن، وقد تهيّأ المقام، وصفا النظام، وحضر السمعُ والقلب، فافتحوا للحكاية بابها، وخذوا منها أول خيطها، فإنّا داخلون على خبرٍ جرى في فاس، بين أهل اللباس والبأس، وبين من راقَه الظاهرُ حتى أعماه، ثم أيقظته الحقيقةُ بعدما رمتْه بما فيها من بلاء.
الفصل الأول
في ذكر الملك المختار، وكيف التمس من خناثة حديثًا يجلّي القلوب، فقصّت عليه خبرَ رجلٍ أغواه المظهرُ وخدعه السراب
بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، والبأس المديد، أنّه لما أقبل الليلُ على مدينة فاس، فأرخى على أسوارها العتيقة أرديةَ السكون، وأوقدت القناديلُ في دورها وأسواقها، وانحدرت أنفاسُ الماء في سقاياتها كأنها نجوى خفية بين الحجارة والزمان، كان الملك المختار جالسًا في مجلسٍ أنيق، قد انتظمت فيه الشموع، وتعطرت جوانبه بالعود والعنبر، وأحدقت به الندماء في أدبٍ وصمت، غير أنّ نفسه، على ما هي فيه من النعمة والسرور، كانت تستشرف إلى حديثٍ يوقظ الفكر، ويؤنس السهر، ويجمع بين ملح العجب ومرارة العبرة.
وكانت بين يديه خناثة، وهي راويةُ ليله، ونديمةُ مجلسه، وصاحبةُ البيان إذا انساب رقّ له السمع، وإذا سكتت عنها الألفاظ بقي من صداها في القلب ما يغني عن تمام القول. فرآها الملك ساهمةَ الطرف، كأنها تجمع من أطراف الذكر ما تنظم به عقد الحكاية، فقال لها:
“يا خناثة، لقد ضجر القلب من مكرور الأخبار، وملّت النفسُ أحاديثَ الحرب والمديح، فهاتِ لي الليلةَ خبرًا لم تبتذله الألسن، ولا دار في مجالس الناس على غير تروٍّ، يكون فيه وصفٌ يشهد كأنه يُرى، وعبرةٌ تنفع كأنها وُضعت لتلك الساعة.”
فأطرقت خناثة قليلًا، ثم رفعت رأسها، وقالت:
“أيها الملك السعيد، إنّ الأخبار خزائن، ومفاتيحُها حسنُ الإصغاء، وما كلُّ من سمع اعتبر، ولا كلُّ من روى أحسن الرواية. وقد بلغني خبرٌ عجيبُ الشأن، غريبُ البنيان، جرى في مدينة فاس، حاضرةِ العلم والصنعة، ومجمعِ الناس على اختلاف طبائعهم وأقدارهم. وهو خبرُ رجلٍ أغواه المظهرُ حتى ظنّه جوهرًا، وخدعه اللمعانُ حتى حسبه سعادة، ثم ساقه هواه إلى بابٍ حسبه بابَ الرفعة، فإذا هو بابُ الخزي والندامة.”
فلما سمع الملك ذلك، مال إليها كل الميل، وقال:
“وكيف كان ذلك؟”
فقالت:
“كان ذلك في رجلٍ اسمه مسعود بن علّال، طلب من الدنيا زينتها قبل سكينتها، وهيبتها قبل حقيقتها، ورأى أن المرء إذا لبس ثوبًا حسنًا، وتعطّر، وأحكم لفّ عمامته، صار في أعين الناس غير الذي كان. ثم عزم على الزواج، لا لأنه عرف قدر السكن والمودة، بل لأنه أحب أن يُكمل صورته في مرآة الناس بامرأةٍ جميلةٍ أديبة، يشار إليه بها، ويُزاد بها في ظنه رفعةً على رفعة. وكانت المرأة التي تعلّق بها الخبرُ ذاتَ عقلٍ وأدب، تُدعى سعدَ السعود، كأنّ القدر شاء أن يجمع بين اسم يطلب السعادة، واسمٍ يختبر صدق طلبها.”
ثم قالت:
“وفي هذه الحكاية يا مولاي ترى كيف تتزين الرغبات في أولها كالعروس في ليلة زفافها، ثم تنكشف على حقيقتها إذا دخلت عليها المحنة. وترى كيف أن الثوب قد يَستر الفقر، ولا يستر السفه، وأن العمامة قد تعلو الرأس، ولا ترفع صاحبها إن كان العقل دونه.”
ثم سكتت ساعة، وقالت:
“فإن أذنتَ لي، ابتدأتُ لك الخبر من أوّله.”
فقال الملك:
“قد أذنتُ لكِ، فهاتِ ما عندك.”
فقالت خناثة:
“اعلم أيها الملك، أنّه كان في بعض أحياء فاس القديمة، حيث الدروب الضيقة تلتفّ التفاف الأساور في المعاصم، وحيث تختلط رائحة الجلد المدبوغ بعطر العنبر، وصوت النحاس المطرق بأصوات الباعة والفقهاء والمنشدين، شابٌّ يُقال له مسعود بن علّال. وكان نشؤه نشءَ من رُبي في حجر الفاقة، وارتضع من ثدي المشقة، فلم يعرف من نعيم الدنيا إلا أسماءه، ولا من لذائذها إلا ما يراه في أيدي غيره.
نشأ حافي القدمين، خشن الثياب، يختلف بين الأسواق غلامًا لهذا، وحمّالًا لذاك، وتابعًا لمن يدفع له كسرةً في آخر النهار. فإذا رجع إلى بيته رجع كأنّه قطعةٌ من الغبار، علقت بها روائح السوق، ومضى عليها تعب النهار. وكان أبوه قد مات وتركه لأمٍّ صلبة العود، شديدة المراس، تعرف كيف تُخيط من الرَّقع ثوبًا، وكيف تصنع من القليل كفايةً، لكنها لم تستطع أن تمنع عن قلب ولدها ذلك الداء القديم الذي أهلك كثيرًا من الناس: داء التشوّف إلى صورة العيش قبل حقيقة العيش.
فكان مسعود إذا مرّ بأبناء الموسرين، عليهم جلابيب ناعمة، وعمائم بيضاء، وأحذيةٌ تلمع كأنها ملساء الماء، اشتعل في صدره حريقٌ خفي، وقال في نفسه:
‘ما الذي جعل هؤلاء سادةً وأنا منبوذٌ في أطراف المجالس؟ أليسوا لحمًا ودمًا كما أنا؟ فما يمنعني أن أصير مثلهم؟’
غير أنّه لم يكن يسأل عن العلم الذي يرفع، ولا عن الخلق الذي يثبت، ولا عن الصبر الذي يبني؛ بل كان أول ما يفتنه المظهر، وأول ما يخدعه اللمعان، فكأنّ نفسه تعلّقت بالقشرة ونسيت اللباب.
فلما اشتدّ ساعده، وصار يعمل في سوق الذبائح حينًا، وفي نقل الأحمال حينًا، وفي خدمة التجار حينًا، بدأ يجمع المال درهمًا فوق درهم، لا يريد به دارًا تقيه، ولا تجارةً تنميه، بل يريد به أن يشتري لنفسه هيئةً جديدة، كأنما يخرج من جلده القديم إلى جلدٍ آخر.
وظلّ على ذلك أعوامًا، يقتّر على نفسه في المأكل، ويصبر على الحرّ والبرد، حتى اجتمع له شيء من المال، فرآه كثيرًا في عينه، وإن كان قليلًا في ميزان الأيام. فعند ذلك قال في نفسه:
‘الآن آن أوانُ التحوّل. اليوم أخلع عني ثيابَ الحاجة، وألبس ثيابَ الوجاهة.’
ومضى إلى السوق، فاشترى بلغتين مرفوعتي الرأس، حمراوين كالشفق إذا انعكس على الحجر، واشترى قميصًا أبيض، وسروالًا واسعًا، وجلّابةً داكنةً من صوفٍ جيّد، ثم قصد إلى بائع العمائم فاختار لفافةً طويلةً محكمة النسج، وقال له:
‘أريدها على هيئة من إذا دخل مجلسًا حسبه الناس من أهل الرأي والتجارة.’
ثم لم يكتف بذلك، بل اشترى قارورة طيب، ومشطًا، ومرآةً صغيرة، ومضى إلى حجّامٍ مشهورٍ في فاس، يقصده أهل التأنّق والسمعة. فجلس بين يديه جلسةَ المتكبّر المتواضع، وأمره أن يُهذّب لحيته، ويصلح شعره، وينظّف وجهه، ويصقله كما تُصقل الفضة. فلما فرغ الحجّام منه، ونظر مسعود إلى نفسه في المرآة، لم يعرف وجهه أول وهلة، ورأى في صورته رجلًا آخر: رجلًا يزعم أنّ الأيام قد انقلبت له، وأن السوق الذي كان يزدريه سيقف بعد الآن إجلالًا له.
فلما عاد إلى داره، خرجت إليه أمّه، فنظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
“خيرًا يا ولدي، أأصابك ميراثٌ من السماء، أم وجدت كنزًا في الخراب؟”
فابتسم ابتسامةً امتلأت إعجابًا، وقال:
“لا هذا ولا ذاك، ولكنني عزمتُ على أمرٍ عظيم: أريد أن أتزوج فتاةً من بنات الحضر، حسناء، أديبة، عصرية الشأن، يعرف الناس إذا رأوني معها أنني رجلٌ قد تبدّل حظّه، وارتفع قدره.”
فهزّت الأمّ رأسها هزّة العارف بما تخفيه الأيام، وقالت في سرّها:
“ويحك يا بني، ما أسرع ما فُتنتَ بالثوب، وما أبطأك عن طلب العقل.”
ثم قالت له:
“إنّ الزواج سترٌ ومسؤولية، لا عمامةٌ ومشية.”
فقال، وقد انتفخ صدره بما لبس لا بما صار:
“اختاري أنتِ، وأنا أدفع المال، ودعي عنكِ وعظ الفقراء.”
فسكتت الأمّ، وسكتت معها الجدران، كأنّ البيت كلّه أدرك أن أول الطريق قد فُتح، وأنه طريقٌ مزدانٌ في أوله، موحشٌ في آخره.
وسكتت خناثة هنيهة، ثم قالت للملك المختار:
“هذا أول الخبر، وفيما يأتي منه ما لو كُتب بالإبر على مآقي النائمين لأيقظهم.”
الفصل الثاني
في ذكر طامو أمِّ مسعود، وكيف خرجت تلتمس له العروس في أحياء فاس، حتى بلغت دارًا اجتمع فيها الأدبُ والهيبة، فرأت ما أطمعها وأخافها
قالت خناثة:
بلغني أيها الملك السعيد، أنّ أمَّ مسعود، وكانت تُدعى طامو، امرأةً قد ركبت من صلابة العزم ما يلين له الحديد، ومن فطنة التجربة ما لا يخفى معه لمعان الزيف، لمّا سمعت من ولدها ما سمعته من عزمٍ على الزواج، علمت أنّه قد علّق قلبه بصورةٍ رسمها له هواه، لا بحقيقةٍ امتحنها عقله.
فلما أصبح الصباح، وارتفع أذان الفجر من مآذن فاس العتيقة، نهضت طامو من فراشها، ولبست جلّابةً كانت تدّخرها للمهمّات، وربطت خمارها ربطًا محكمًا، وقالت:
“اليوم أطوف البيوت، وأقلب الوجوه، وأستخرج من الأخبار ما يخفى على العجلى والغافلة.”
وكانت طامو معروفةً في بعض دروب المدينة، لأنها كانت تشهد ولادات النساء، وتداوي الأطفال بالأعشاب، وتجمع بين صراحة اللسان ولين المدخل. فإذا دخلت دارًا أكرموها هيبةً لتجربتها، وإذا سألت عن نسبٍ أو خلقٍ صدقها الناس أو خافوا كذبها.
فخرجت من بيتها، وكان الصباح قد فرش على الحجارة العتيقة ضياءً كالعسل المذاب، وسلكت الأزقة الملتوية، تسأل عن البنات:
من بلغت مبلغ النساء؟
ومن جمع الله لها حسن الخلق وحسن الوجه؟
ومن نشأت في سترٍ لا في صخب؟
ومن تليق برجلٍ مثل مسعود، وإن كان في نفسه من الزهو ما فيه؟
وكان ولدها قد أوصاها أن تطلب له “فتاةً من بنات الحضر، حديثة الهيئة، رشيقة الشأن، يُحسن الناس إذا رأوها مع زوجها أن يرفعوا إليه أبصارهم.” وكانت طامو كلما سمعت هذا الوصف ابتسمت ابتسامةً خفية، لأنها تعلم أنّ الرجل إذا طلب امرأةً ليزين بها صورته، لم يسأل عن عقلها ليسكن إليه، بل عن وجهها ليفاخر به.
فطافت في غير دار، ودخلت على غير امرأة، فرأت في بعض البيوت بناتٍ ذوات جمالٍ طائش، وفي بعضها صالحاتٍ لا يوافقن هوى ابنها، وفي بعضها أسرًا يطلبون من المهور ما يثقل الجبال. حتى قيل لها:
“إن أردتِ فتاةً من أهل الأدب والستر، ففي حيٍّ قريب دارٌ فيها بنتٌ يضرب بحسنها وذكائها المثل، غير أنّ أهلها لا يزوّجونها لكل طارق.”
فلما سمعت ذلك، استقامت في مشيتها، وقالت:
“هذا بيتٌ ينبغي أن يُطرق.”
ومضت حتى بلغت دارًا في ناحيةٍ من نواحي فاس، كان بابها من خشب الأرز، قد علاه نقشٌ قديم، وعلى عتبته نظافةٌ تشهد بأنّ أهل البيت يعرفون النظام. فطرقت الباب، ففتحت لها امرأةٌ عليها سماتُ الوقار.
فقالت لها المرأة:
“مرحبًا يا خالة، ما حاجتكِ؟”
فقالت طامو:
“بلغني أنّ في هذا البيت زهرةً من زهرات الحي، فجئتُ أخطبها لولدٍ عندي.”
فنظرت المرأة إليها نظرةً فاحصة، ثم قالت:
“أهلًا بمن جاء بالباب من جهة الخير. تفضلي.”
فدخلت طامو إلى مجلسٍ نظيف، وفي ركنه شيخٌ كبيرٌ متلفّعٌ بشالٍ صوفي، يبدو على وجهه أثر السنين، وعلى صمته بقايا هيبة.
جلست طامو بعد التحية، وقُدّم لها الشاي، ثم قالت صاحبة الدار:
“الخطبةُ مصاهرة، والمصاهرة نسبٌ وسترٌ وعهد. فمن أنتِ؟ ومن ولدكِ؟”
فقالت طامو:
“أما أنا فطامو، يعرفني من يعرف هذا الحيّ وما حوله، ولي بين الناس ذكرٌ في المداواة والولادات. وأما ولدي فهو مسعود بن علّال، شابٌّ كدح بيديه حتى جمع ما يفتح به باب الزواج، حسن الهيئة، شديد الرغبة في الاستقرار.”
فقالت المرأة:
“الهيئة تُرى، ولكنّ الخلق لا يُعرف إلا بالسؤال.”
فقالت طامو:
“سلي عنه من شئتِ.”
فقال الشيخ من ركنه:
“نسأل عنه، فإن الرجلَ لا يزكّيه إلا حالُه، لا لسان أمّه.”
فأحسّت طامو بشيءٍ من الوجل، لأنها أدركت أنّ هذا البيت لا يُفتح بمفاتيح المجاملة. وفي تلك اللحظة، تحرّك ستارٌ داخلي، ولمحت طامو من وراءه طيف فتاةٍ أشرقت منه لمعة جمالٍ مؤدّب، لا يصرخ في العين بل يدخلها في سكينة. فخفق قلبها، وقالت في سرها:
“لعلها هي.”
ثم قالت صاحبة الدار:
“إن لنا ابنةً قد ربيناها على الأدب، واسمها سعدُ السعود. فإن كان ولدك من أهل الرجاحة، فتحنا باب الكلام، وإن كان طالبَ مظهرٍ وصيت، أغلقناه في هدوء.”
فسمعت طامو الاسم، ووقع في نفسها وقوع البشارة والإنذار معًا؛ أما البشارة فلأنّها وجدت الفتاة التي توافق هوى مسعود وزيادة، وأما الإنذار فلأنها شعرت أن هذا البيت لو انكشف له من باطن ولدها ما خفي، لانقلب الترحيب إعراضًا.
فقامت بعد طول حديث، وقد وعدت أهل الدار أن تعود بخبرٍ أوفى، وخرجت تمشي في دروب فاس وهي تقول في نفسها:
“لقد وجدت اللؤلؤة، ولكن هل مع ولدي خيطٌ يصونها، أم أنه لا يحمل إلا رغبةً في التفاخر بها بين الناس؟”
ثم رفعت بصرها إلى السماء، وتنهدت:
“اللهم يسّر الخير إن كان خيرًا، واصرف الشرّ إن كان وراء هذا الباب.”
ثم سكتت خناثة، وقالت للملك المختار:
“هذا ما كان من أمر الأمّ في أوّل سعيها.”
فقال الملك:
“زدني من هذا الحديث.”
الفصل الثالث
في وصف سعدِ السعود، وما جرى بين أهلها وأمِّ مسعود من مفاوضةٍ ومساءلة، حتى تبيّن لكلِّ ذي لبٍّ أن الجمال إذا اقترن بالعقل صار فتنةً واختبارًا
قالت خناثة:
بلغني أيها الملك السعيد، أنّ طامو لمّا خرجت من دار تلك الأسرة، لم تكد تطأ أرض الزقاق حتى أحست أنّ بين أضلاعها خبرًا لا يشبه سائر الأخبار. فلما بلغت بيتها وجدت مسعودًا قائمًا أمام مرآته الصغيرة، يعيد لفّ عمامته مرةً بعد مرة، ويعدّل من وقفة كتفيه.
فلما رآها، قال:
“هاه يا أمّاه، ما وراءك؟ أفي الأمر بشارة أم خيبة؟”
فقالت:
“وجدتُ دارًا لا تشبه سائر الدور، فيها أدبٌ يسبق الزينة، ووقارٌ يسبق المال، وفيها فتاةٌ لو رآها الرائي حسبها صفحةَ ماءٍ صافية، غير أنّ تحت صفائها عمقًا لا يُقاس بالنظر.”
فقال مسعود:
“صفِيها لي.”
فقالت:
“هي حسناء، غير أن حسنها ليس من ذلك الذي يصرع العين ثم يخيب، بل من الحسن الذي يزداد كلما طال النظر إليه. مهذبةُ اللفظ، ساكنةُ الحركة، وفي عينها يقظة، وفي نبرتها عقل.”
فلما سمع مسعود ذلك، لم يزده إلا اغترارًا، وقال:
“هذا هو المطلوب. امرأةٌ إذا دخلت مجلسًا قيل: هذه زوجة مسعود.”
فحدّجته أمه بعينٍ فيها عتاب، وقالت:
“ويحك يا بني، أما ترى أنك تتكلم عنها كما يتكلم التاجر عن متاعٍ يجمّل دكّانه؟ المرأةُ سترٌ وسكن.”
فلوّح بيده، وقال:
“المهمّ: هل قبلوا؟”
قالت:
“ما قبلوا وما رفضوا، ولكنهم قومٌ يزنون الأمور بميزانين: ميزان الأدب، وميزان الرجال.”
وفي الغد، عادت طامو إلى دار الفتاة على وعدٍ سابق. فلما دخلت، وجدت صاحبة الدار في مجلسها، وعن يمينها ابنتها سعدُ السعود، وقد جلست جلوس من يعرف قدر نفسه من غير تكلف. وكانت عليها في تلك الساعة ملاءةٌ بسيطة، لا بهرجة فيها، غير أنّ البساطة إذا نزلت على من حباها الله حسنًا وحياءً، صارت أبلغ في الدلالة من ألوان الحليّ.
فلما جلست طامو، قالت لها صاحبة الدار:
“هذه ابنتنا التي ذكرناها لكِ. وقد رأينا أن حضورها في بعض الحديث أولى، لأنّ من شأن الزواج أن يكون للمرأة فيه رأي.”
ثم قالت سعدُ السعود نفسها:
“يا خالة، قد بلغني أنكِ جئتِ تخطبينني لولدكِ، والخطبةُ بابٌ عظيم. فمن حقّي أن أعلم: ما الذي يريدُه ولدُك من الزواج؟ أيريد به سكنَ الروح، أم يطلب به رفعة الصورة بين الناس؟”
فوقعت الكلمة على قلب طامو وقوع السهم، لأنها أحست أن الفتاة قد لمست موضع الداء. فقالت:
“يريد الاستقرار، وبناء بيتٍ كريم، ويحب أن تكون زوجته من أهل الأدب.”
فابتسمت الفتاة ابتسامةً خفيفة، وقالت:
“طلبُ الأدب حسن، ولكنّ بعض الرجال يطلبونه في المرأة ليُقال عنه إنه ذو ذوق، لا لأنه يعرف فضلَه.”
ثم تدخلت الأمّ، وقالت:
“ابنتنا يا خالة ليست متكبرة، ولكنها نشأت على أن الزواج عهدٌ غليظ، لا مجرد مناسبةٍ وفرشٍ وأطعمة.”
وفي تلك اللحظة أقبل الشيخ والدُها، وقال:
“قولوا لي: ما اسم الشاب؟ وما حرفته؟ وما طبعه في المجالس؟”
فقالت طامو:
“اسمه مسعود بن علّال، يعمل في سوق الذبائح والنقل، وقد جمع من المال ما يكفي لبيتٍ أول أمره. وأما طبعه ففيه حدّةُ الشباب، لكنه ليس بسيئ الأصل.”
فقال الشيخ:
“حدّةُ الشباب إذا لم يروّضها العقل، صارت شرارةً في بيتٍ من قش.”
ثم التفت إلى ابنته، وقال:
“ما ترين؟”
فقالت سعدُ السعود:
“يا أبتِ، إن كان الرجلُ صادقًا في طلب الستر، فالفقر معه يهون. وإن كان طالبَ مظهرٍ قبل جوهر، فالغنى معه يورث همًّا. وأنا لا أطلب في زوجي ثوبًا حسنًا، بل قلبًا إذا سكن إليه المرء اطمأن.”
فقال الشيخ:
“أحسنتِ.”
ثم قال لطامو:
“إن أردتم المضيّ في الأمر، فاذهبوا إلى عمّها؛ فإنه يلي الشروط ويضبط العقد. أما نحن فقد فتحنا باب السؤال، وبقي باب الامتحان.”
فلما خرجت طامو من عندهم، كانت تعلم في قرارة نفسها أن الفتاة أعلى من هوى ولدها، وأوسع عقلًا من أن تُخدع بمجرّد مظهر. لكنها كانت قد دخلت الطريق.
فلما عادت إلى مسعود، أخبرته بما جرى، وزادت في وصف الفتاة حتى اشتعل قلبه بها. غير أنّه لم يلتقط من كلامها كلّه إلا شيئًا واحدًا: أن الفتاة جميلةٌ مؤدبة، وأن أهلها ذوو هيبة. فقال في نفسه:
“إذا تزوجتُها، اكتمل لي ما أردت.”
وهنا تنهدت خناثة، وقالت للملك المختار:
“يا مولاي، ما أكثر ما يسمع المغرور من الكلام ما يوافق هواه، ثم يترك منه ما يصلح شأنه.”
فقال الملك:
“فماذا كان من أمر العمّ والشروط والمهر؟”
قالت خناثة:
“ذلك ما يكون، وسترى كيف يُعقد الحبل بيد، ويُهيَّأ القطع له باليد الأخرى.”
الفصل الرابع
في ذكر عمِّ الفتاة، وما اشترطه من الصداق والهيئة، وكيف انقلب الرجاء في قلب مسعود إلى زهوٍ جامح، فأخذ يعدّ للعرس عُدّة المظاهر وينسى عُدّة الوقار
قالت خناثة:
بلغني أيها الملك السعيد، أنّ طامو لمّا سمعت من أهل الفتاة ما سمعت، عادت إلى بيتها وقلبها بين خوفٍ ورجاء. فلما أخبرت مسعودًا بأن عمَّ الفتاة هو صاحب الكلمة في الصداق والعقد، لم يبدُ عليه ما يُشبه التهيّب، بل قال:
“هاتوا عمَّها وعمَّ الدنيا، فما من بابٍ يُفتح بالمقام إلا دخلتُه.”
فنظرت إليه أمّه، وقالت:
“يا بنيّ، المال شيء، والرشد شيء آخر.”
غير أنّه لم يُصغِ إليها. ومضت طامو في مساء اليوم التالي مع اثنين من معارف الحيّ إلى دار عمّ الفتاة، وكان اسمه عبد الجليل بن عاشور، رجلًا خبر الأسواق، وخَبِر الناس، فعرف أنّ كثيرًا من العمائم أكياس هواء.
وكان مجلسه في ناحيةٍ من فاس، قرب بابٍ من أبوابها العتيقة، في دارٍ ليست فخمةً ولكنها مرتّبة. فلما دخلوا عليه، رحّب بهم، وأجلسهم، ثم سكت سكتةَ من يزن ضيوفه قبل أن يسمع كلامهم.
فقالت طامو:
“جئناك في أمرٍ تعلمه، وقد رضينا بما سمعنا من أهل البيت، ورأينا أن نأتيك من بابه.”
فنظر إليها عبد الجليل نظرةً متفحصة، ثم قال:
“الزواج يا خالة ليس سوقًا يُنادى فيه على السلع، ولا حفلًا يُقصد به ذكر الناس، بل عهدٌ إن أحسن الناس دخوله كان نعمة، وإن دخلوا عليه من باب الكذب والتعجّل صار نقمة.”
ثم قال:
“أما نحن، فلا نطلب ما يعجز عنه من أراد الستر، ولا نبخس ابنة أخينا قدرها. فإن رضيتم، فصداقها مائة ريالٍ كاملة، وقفطانٌ أخضر من جيد الثياب، وبعض الحليّ على قدر الطاقة، وعرسٌ لا يكون فيه ما يعيب. فإن قبلتم كان خيرًا، وإلا فلا خصومة.”
فلما سمعت طامو هذا الشرط، خفق قلبها، لأنها عرفت أنّ ولدها وإن كان قد جمع شيئًا، فإنّ ما يطلبه الأمر كثير. لكنها نظرت إلى مسعود، فرأته يبتسم، وقال من غير تردد:
“قبلنا، وعلى العين والرأس. بل نفعل فوق ذلك ما يليق بهذا البيت.”
فلما سمع العمّ هذه العجلة، لم يزده ذلك رضا، بل قال:
“اللسان سابق، ولكننا نرجو أن يكون الفعلُ لاحقًا به.”
ثم اتفقوا على أن يكون العرس في فصل الصيف. وقام القوم من مجلسهم، وقد بدا على طامو من الهمّ ما لم يستره فرحُ ولدها.
فلما خرجوا من الدار، قالت له:
“يا بني، لقد بادرت بالقبول كأنك تملك خزائن الأرض.”
فقال لها وهو يكاد يختال:
“أماه، دعي عنكِ حساب الشحاذين. هذه ليلةٌ واحدة، وما بعدها يُدبّره الله.”
فقالت:
“بل ما بعد هذه الليلة قد يُهدم فيها إن فسد أولُها.”
غير أنّ مسعودًا، منذ رجع من مجلس العمّ، صار كالمسحور بصورة العرس. لم يعد يفكر في الحياة بعده، ولا في سيرة الزوج مع زوجته، بل شُغل بأن يكون الحفل مهيبًا، والطعام كثيرًا، والثياب فاخرة، والدخول على العروس دخولَ من يفتح لنفسه باب المجد. فذهب إلى السوق فاشترى القفطان الأخضر، وانتقى الأقمشة، وطلب من الخياط أن يعجّل له في التفصيل، ثم أخذ يدور على الطباخين، والجزّارين، وأصحاب الطبول والدفوف، كأنه يبني مسرحًا لا بيتًا.
وكان كلما اشترى شيئًا، وقف يتأمله ثم يقول في نفسه:
“إذا رآني أهلها في هذا الموضع، علموا أني لست دونهم قدرًا.”
غير أنّ أمّه كانت ترى وراء كل قطعة قماشٍ درهمًا يطير، ووراء كل وعدٍ خوفًا يكبر. وكانت إذا رأته يُكثر من الدعوة إلى أهل الأهازيج وأصحاب السمر، قالت له:
“رويدك يا ولدي، فإن كثرة الصخب لا تصنع الوقار.”
فيقول:
“بل الوقار اليوم أن يعرف الناس أنّ مسعودًا أقام عرسًا لا يُنسى.”
وهنا تنهدت خناثة، وقالت للملك المختار:
“يا مولاي، إنّ الرجل إذا جعل عرسه معرضًا لهيبته، لم يكد يفرغ من ترتيب الكراسي حتى ينسى ترتيب قلبه.”
الفصل الخامس
في ليلة العرس، كيف أُضرمت القناديل، وازدحمت الدار بالضيوف، ثم دسّت الغفلةُ في الفرح كأسًا أفسدت ترتيبه، فمال الميزان قبل أن تدخل العروس
قالت خناثة:
بلغني أيها الملك السعيد، أنّ الأيام لما دارت إلى الموعد الموعود، وأظلّ الصيف مدينة فاس، دبّت الحركة في دار مسعود كما تدبّ الحياة في سوقٍ أُعلن فيه يومُ عيد. فالأمّ طامو لا تهدأ لها قدم، تنتقل من المطبخ إلى المجلس، ومن فناء الدار إلى السطح، تأمر هذه، وتعاتب تلك، وتعدّ الأواني، وتفقد الحطب. وأما مسعود، فقد صار يرى نفسه مركز الكون.
وكانت الدار، وإن لم تكن من دور الأعيان الكبار، قد أُلبست لذلك اليوم ثوبًا من الزينة يجاوز قدرتها؛ ففُرشت الحصر الجديدة، وعُلّقت القناديل الزجاجية، ونُثرت على المجالس وسائد مزخرفة، ووُضعت في الأركان مجامر صغيرة ينبعث منها عطر الجاويّ واللبان.
وأقبل الطباخون منذ ضحى النهار، فقطّعوا اللحم، وأوقدوا المواقد، ووضعوا القدور العظيمة على النار. وجيء بالشاة السمينة، وزيد عليها من الدجاج والحلوى والفواكه ما أراد به مسعود أن يقطع ألسنة الشامتين.
وقالت له أمّه غير مرة:
“يا ولدي، إنّ البركة في الاعتدال، لا في المغالاة.”
فيجيبها:
“البركة اليوم أن يُقال: لقد صار لمسعود شأن.”
وكان قد لبس قفطانه على قميصه الجديد، وشدّ سُرواله بإحكام، وانتعل بلغتيه الحمراوين، ثم طاف في الدار كما يطوف المفتش في الجند. وكلما لمح صورته في صفحة نحاسٍ أو زجاجة نافذة، وقف لحظةً يعدّل هيئته.
وأما الضيوف، فقد أخذوا يتوافدون بعد العصر، رجالًا في جلابيبهم، وشيوخًا يجرّون مسبحاتهم، وشبانًا يملأ أعينهم فضول الأعراس، ونساءً دخلن من باب النساء وهنّ يحملن الزغاريد والهمس معًا. ثم جاء أصحاب الدفوف والمنشدون، فجلسوا في الفناء، وضربوا أول الإيقاع، فارتجّت له الجدران.
غير أنّ كثرة الداخلين والخارجين، وارتفاع الضجيج، وتداخل الأصوات، أشعلت في نفس مسعود اضطرابًا لم يعترف به. فإنه كان في باطنه خائفًا: خائفًا من أن ينكشف ضيق يده بعد هذا البذخ، وخائفًا من أن يقصّر في حقّ أهل العروس.
وفي خضم ذلك، دنا منه بعض رفاق السوء، وقال أحدهم وهو يضحك:
“يا عريس، ما لك واجمًا؟ خذ هذا القدح يشرح صدرك.”
فنظر مسعود إلى القدح، وفيه شرابٌ حادّ الرائحة، فتردد لحظة، وقال:
“ليس هذا من شأني.”
فقال صاحبه:
“الليلة ليست كسائر الليالي. جرعةٌ يسيرة، تذهب عنك الرهبة.”
وكانت الغفلة قد وجدت ثغرتها، والزهو قد أضعف الحارس في داخله، فأخذ القدح وشربه. ثم لم يلبث أن شرب غيره، لأن النفس إذا تذوقت ما يحرّكها من موضع ضعفها، طالبت بالمزيد.
وما هي إلا ساعة حتى تبدل صوته، وثقلت حركته، وصارت عيناه تلمعان بلمعٍ غير محمود. وصار يضحك في غير موضع الضحك، ويكرّر الكلام نفسه كأنّ العقل قد بدأ يتسرب من بين أصابعه.
ولمحت طامو ذلك من بعيد، فأقبلت عليه، وشمّت في أنفاسه ما عرفت، فكادت تقع مغشيًّا عليها من الفزع، وقالت له هامسةً:
“ويحك يا ولد! أفي هذه الليلة؟”
فقال وهو يتبختر تمايلًا:
“لا تخافي يا أمّاه… أنا بخير… بل أنا اليوم سلطان!”
فعلمت أن البلاء قد نزل، وأنه إن لم يُدارك انقلب الفرح مأتمًا. فأمرت من تثق بهم أن يأخذوه إلى غرفة جانبية، ويغسلوا وجهه بالماء البارد، ويمنعوه من الظهور حتى يهدأ ما به. فحملوه، لكنه لم يزدد إلا اضطرابًا.
وفي تلك الساعة نفسها، كانت العروس سعدُ السعود في بيت أهلها تُهيّأ للزفّة، تُكحَّل عيناها، وتُخضّب كفّاها، وتُلبس قفطانها، وتُحاط ببنات الحيّ. ولم تكن تدري أن في الجهة الأخرى من المدينة، قد انشقّ أولُ جدارٍ في الستر.
وهنا سكتت خناثة، ثم قالت للملك المختار:
“يا مولاي، ما أكثر الليالي التي تُزينها القناديل من خارجها، بينما تكون النار قد اشتعلت في داخلها.”
فقال الملك:
“هاتِ آخر الخبر.”
الفصل السادس
في دخول سعدِ السعود إلى دار زوجها، وانكشاف ما كان مستورًا، وقيامها إلى الحكّام بحقّها، حتى عاد مسعود من عرسه بالخزي بعد أن أراده بابًا إلى السعد والسؤدد
قالت خناثة:
بلغني أيها الملك السعيد، أنّ الليل لما توسط سماء فاس، وأخذت القناديل ترقص في الأزقة على وقع الخطى والزغاريد، خرج موكب العروس من دار أهلها في هيئةٍ تشرح العين وتُبهج السمع. وكانت سعدُ السعود في قفطانها الأخضر كالغصن إذا حمل الندى، قد زيّنتها النساء بزينةٍ لا تُثقل الحسن بل تكشفه.
أما في دار مسعود، فكان الفرح قائمًا في ظاهره، منكسرًا في باطنه. فالنساء يستقبلن، والرجال يتهامسون، وطامو تدور في البيت دوران من تحاول بيديها أن تسدّ شقًّا في جدارٍ يتسع كل لحظة. وأما مسعود، فقد ألبسه القوم ثيابه بعد جهد، وربطوا عمامته على رأسه كما تُربط الراية على رمحٍ متصدع، وغسلوا وجهه بالماء البارد، ورشّوا عليه من الطيب ما حسبوه كافيًا لستر ما لا يُستر.
فلما دخلت العروس الدار، علا الصياح بالتهليل، وارتفعت الزغاريد، ودُعي للعروسين باليُمن والبركة. وكانت سعدُ السعود تسمع ذلك كله، غير أنّ قلبها كان يلتقط من وراء الأصوات نبرةً غريبة؛ اضطرابًا في وجوه بعض النساء، وتوترًا في حركة الأمّ، وهمسًا يفرّ إذا اقتربت منه.
ثم أُدخلت إلى مخدعها، وفرشت لها النسوة الفراش، وعطّرنه بماء الزهر والمسك، ثم خرجن واحدةً بعد أخرى، وبقيت وحدها في ضوءٍ خافت.
وما لبث الباب أن انفتح، ودخل مسعود.
دخل متثاقل الخطوات، مائل الهيئة، لا يملك من الوقار إلا ما أبقته الثياب على جسده، ولا من الرشد إلا اسمه الذي فارقه في تلك الساعة. كانت عمامته غير مستقرة، وعيناه زائغتين. فلما وقع بصر سعدُ السعود عليه، عرفت في لحظةٍ واحدة أن ما كانت تسمعه من مديح الرجال لم يكن يساوي أمام هذا المنظر شيئًا. وشمّت في أنفاسه رائحة الشراب، فأحست كأن بابًا من الجليد قد انفتح في صدرها.
حاول أن يتكلم، فتكسرت كلماته، ثم تقدّم خطوتين، فما استتمهما حتى اختلّ توازنه، وارتمى على الفراش ارتماء الساقط، ثم أخذ يشخر شخيرًا منكَرًا، كأنما أُطفئ في داخله مصباح العقل ولم يبقَ إلا صخب الجسد.
فجلست سعدُ السعود في موضعها، مذهولةً أول الأمر، ثم استجمعت قلبها، ودنت منه لترى أبه مرضٌ عرض له أم بلاءٌ من صنيعه، فلم تجد إلا سكرًا صريحًا، وانحلالًا قبيحًا. ولم تمضِ إلا ساعة حتى زاد البلاء فظاعة، إذ اضطرب الرجل على الفراش، ثم بال في ثيابه وفراشه، وهو لا يدري ما يفعل.
عندها لم يبقَ في النفس موضعٌ لصبرٍ آخر، ففتحت سعدُ السعود الباب، وخرجت إلى النساء بوجهٍ قد احمرّ من الصدمة، وصاحت:
“يا أهل البيت! يا جارات! الغوثَ… الغوثَ! هذا ليس عرسًا، بل فضيحة!”
فهرعت النساء، ثم لحق بهن الرجال، فلما رأوا الحال سقط ما كان يحمله بعضهم من أعذار، وظهر الأمر ظهور الشمس. وأقبلت طامو، فلما عاينت المشهد، وضعت يدها على صدرها، وقالت:
“يا خيبتي… يا سواد وجهي!”
فقالت لها سعدُ السعود:
“ما هكذا يُؤتى بالنساء إلى بيوت الرجال. لقد خدعتموني بثيابٍ ووعود، وأدخلتموني على رجلٍ غائبٍ عن نفسه.”
وحاول بعض القوم أن يهدّئ الأمر، فقالوا:
“استري يا ابنتي، فلعلها زلّةُ ليلة.”
فقالت في حزم:
“ومن رضي الذلّ في أول ليلة، سُقيه كل ليلة. لا والله، لا يكون.”
فلما أصبح الصباح، خرجت سعدُ السعود من الدار، لا كخارجةٍ من عرسٍ فاسدٍ فحسب، بل كخارجةٍ من امتحانٍ اختارت فيه نفسها وكرامتها. ومضت إلى الحكّام، ومعها من شهد بما جرى، فرفعت أمرها إلى القاضي. وأُحضر مسعود بعد أن أفاق بعض الإفاقة، فمثل بين يدي الحكم مطأطأ الرأس، قد سقط عنه كل ما اشترى من هيبة.
فقال له القاضي:
“أبهذا تدخل على امرأةٍ عقدتَ عليها باسم الله؟”
فلم يجد جوابًا إلا الصمت.
وقال لسعدِ السعود:
“ما تريدين؟”
فقالت:
“أريد فراقًا يحفظ لي كرامتي، ولا يبقي لي مع هذا الرجل عهدًا.”
فنُظر في أمرهما، ووقع الطلاق على رؤوس الأشهاد، وحُكم على مسعود بعقوبةٍ لما اجترح من سكرٍ وفضيحة، فدخل السجن شهرين كاملين، لا يؤنسه فيهما إلا الندم.
وهناك، بين الجدران الضيقة، علم أن القفطان لا يصنع رجلًا، وأن العمامة لا تمنح وقارًا، وأن المال إذا أُنفق في غير موضع الرشد عاد على صاحبه حسرةً ووبالًا. وخسر المرأة، وخسر المال، وخسر الذكر الذي أراد أن يرفعه، فعاد مضرب المثل في سوء العاقبة.
وأما سعدُ السعود، فرجعت إلى بيت أهلها مرفوعة الرأس، وإن كان في قلبها جرح، لكنها آثرت ألم النجاة على ذلّ المقام.
ثم قالت خناثة للملك المختار، وقد بلغت بالحكاية ختامها:
“فهذه، يا مولاي، سيرة رجلٍ طلب السعادة من باب المظهر، فدخل عليه الشقاء من باب الحقيقة. وظنّ أن الناس يُخدعون بالثوب، وما علم أن الأيام إذا امتحنت كشفت المخبوء، وفضحت المستور.”
فلما سمِع الملك المختار ذلك، أطرق طويلًا، ثم قال:
“لقد صدقتِ يا خناثة، فما الحكايات إلا مرايا، يرى فيها الناس ما يهربون من رؤيته في أنفسهم.”
وأسفر الصبح، فسكتت عن الكلام المباح.
العبرة
العبرة من هذه الحكاية أنّ الزينة إذا تقدّمت على الرشد أوردت صاحبها موارد الندم، وأنّ المظهر مهما حسن لا يقوم مقام الجوهر إذا فسد، وأنّ من طلب الزوجة ليفاخر بها الناس خسرها يوم الامتحان، ومن طلب الستر والسكن على بصيرةٍ ربح نفسه قبل أن يربح غيره.
وفيها أيضًا أنّ المرأة الكريمة إذا عرفت قدر نفسها، لم تجعل من الصبر على الذلّ فضيلة، ولا من السكوت على الإهانة حسن عشرة، بل حفظت كرامتها، فإنّ أوّل التهاون بابٌ لآخره، وأوّل الذلّ إذا قُبل صار عادة.
وفيها، أخيرًا، أنّ الأمّ وإن رأت بوادر الخلل، فقد لا تملك ردّ الابن إذا غلب عليه هواه، ولكنّ الأيام تتكفّل بما عجزت عنه النصيحة، وتكشف في ساعةٍ واحدة ما أخفته الزينة في أعوام.
اترك تعليقاً