محمدي أخباش… حين ينتصر الفعل على الإكتفاء بالكلام
في حياة الإنسان لحظات نادرة لا تبدو عظيمة في ظاهرها، لكنها تعيد تشكيل الداخل كله. لحظات لا تأتي بضجيج، بل تتسلل في هدوء، ثم تترك في الروح أثرا لا يزول سريعا. قد يكون المرء جالسا في سكون يومي عابر، يحتسي قهوته، مستريحا إلى إيقاع يوم يبدو عاديا، ثم يمر أمامه خبر واحد، صورة واحدة، مشهد واحد، فينقلب ذلك الهدوء إلى قلق نبيل، وتتحول الراحة إلى سؤال ملح: ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟
هكذا كان وقع مشاهد الفيضانات في المغرب على محمد أخباش. لم تكن بالنسبة إليه مجرد مادة خبرية عابرة، ولا صورا موجعة تشاهد ثم تطوى، بل كانت صدمة إنسانية حقيقية أيقظت الضمير، ودفعت إلى مراجعة معنى المسؤولية في لحظة يتراجع فيها كثيرون إلى موقع المتفرج. ومن هنا ولدت الفكرة: ليس أن يعبر عن الحزن، بل أن يترجم إلى عمل.
المبادرات الكبرى تبدأ أحيانا من رجفة صادقة
لم تأت فكرة إطلاق ماراثون للتبرعات في رمضان من رغبة في الظهور، ولا من حسابات مصلحية أو نزوع إلى صناعة مشهد بطولي. لقد خرجت، في جوهرها، من إستجابة داخلية صادقة لنداء الواجب. حين شعر محمد أخباش أن التأثر وحده لا يكفي، وأن المشاعر النبيلة إن لم تتحول إلى أثر ملموس بقيت ناقصة، بدأ التفكير العملي في الأماكن التي تحتاج إلى دعم حقيقي وسريع.

وقع الإختيار على مناطق من الشمال المغربي، من بينها بني أنصار وما حول الناظور والحسيمة وطنجة، ثم بدأت مرحلة الإعداد بعقلية دقيقة وروح مسؤولة: تحديد الأولويات، إعداد قوائم بالمواد الأساسية المناسبة لشهر رمضان، التنسيق مع المحلات المحلية، ومراجعة الإحتياجات بما يضمن أن تصل المساعدة إلى الناس في صورتها الأكثر نفعا. خلال ثلاثة أسابيع فقط، تحولت الفكرة من هاجس داخلي إلى جهد منظم على الأرض، ومن سؤال أخلاقي إلى مبادرة تحمل ملامح الجدية والوفاء.
وفي هذا تكمن واحدة من أجمل الحقائق: الأعمال النبيلة لا تبدأ دائما بإمكانات ضخمة، بل تبدأ غالبا بقرار صادق، وبشجاعة أخلاقية تجعل الإنسان يتحرك قبل أن يكتمل كل شيء.
حين يرافق الأب إبنه… يصبح الخير أكثر عمقا
غير أن هذه المبادرة اكتسبت بعدا إنسانيا مضاعفا حين قرر والد محمد أخباش أن يكون جزءا منها. لم يكن ذلك مجرد تفصيل عاطفي جميل، بل كان لحظة ذات معنى بالغ. فحين يفرح الأب بفكرة الخير، ثم يختار أن يرافق إبنه في طريقها، فإن الفعل يتجاوز حدوده المباشرة، ويصير تعبيرا عن قيم متوارثة، وعن تربية صامتة تؤمن بأن الإنسان لا يعيش لنفسه وحده.
لقد منحت هذه الصحبة الأبوية المبادرة روحا أعمق. لم تعد الرحلة مجرد إنتقال نحو أسر متضررة، بل أصبحت أيضا مشهدا من مشاهد البر والوفاء، ولقاء بين جيلين على مبدأ واحد: أن الرجولة الحقّة ليست في الإدعاء، بل في الحضور حيث تكون الحاجة أكبر. وفي هذا المعنى بالذات، تبدو القيم الحقيقية أكثر إشراقا؛ لأنها لا تورث بالخطب، بل بالموقف والمشاركة والسير معا في درب الخير.
ما تكشفه الوجوه أكثر مما تقوله الأرقام
حين إنطلقت الرحلة من الناظور، ومعها الطرود الغذائية والأظرفة النقدية المخصصة للأسر، لم يكن الأمر مجرد عملية توزيع مساعدات. كان الأمر مواجهة مباشرة مع واقع أثقل من الأخبار، ومع وجوه أرهقها التعب، وأمهات يحملن فوق طاقتهن، وأطفال تختصر نظراتهم من المعاناة ما تعجز عنه الإحصاءات والتقارير.
هناك، في الميدان، تتساقط المسافات المصطنعة بين الإنسان وأخيه الإنسان. يصبح الوجع واضحا، مباشرا، ومحرجا لكل ضمير حي. والأهم أن هذه المبادرة لم تقتصر على تقديم المواد الغذائية، بل حرصت أيضا على منح الأسر قدرا من الحرية في تدبير أولوياتها عبر الدعم النقدي، وهو ما يعكس فهما ناضجا لمعنى المساندة. فالمساعدة الحقيقية لا تقوم فقط على العطاء، بل على إحترام كرامة المحتاج، والإيمان بحقه في أن يختار ما يناسب وضعه.
القيمة الحقيقية للإنسان فيما يفعله لا فيما يقوله
لقد كانت هذه التجربة، بكل ما فيها من تعب ومواجهة وإنفعال، تجربة كاشفة وعميقة الأثر. أكدت أن الإنسان، مهما إزدحمت حياته بالمسؤوليات والأعمال، يظل مطالبا بأن يقتطع من وقته نصيبا لما هو أسمى من الحسابات اليومية. فليس كل ما يملأ الحياة مهما، وليس كل ما يلمع في العلن جديرا بالاحتفاء. أحيانا، يكون أكثر الأعمال نبلا هو ذلك الذي يتم في صمت، بعيدا عن الضوضاء، وقريبا من جوهر الإنسانية.
وهنا تبرز دلالة تجربة محمد أخباش بوضوح: أن القيمة الأخلاقية للإنسان لا تقاس بحجم ما يقوله عن الخير، بل بقدر ما يفعله حين تسنح له الفرصة. ليست البطولة في أن يرى، بل في أن يكون حاضرا حيث يجب أن يكون. فالحياة لا تطلب من الإنسان أن يكون الأكثر ظهورا، بل أن يكون الأكثر صدقا، والأشد وفاء لما يمليه الضمير.
وحين ينتصر الفعل على الإكتفاء بالكلام، لا يصبح الخير مجرد سلوك عابر، بل يتحول إلى شهادة حية على أن الإنسانية ما تزال قادرة على أن تستعيد معناها الأصيل
اترك تعليقاً