فلسطين في خطاب مدريد: بين التعاطف الإنساني والرسائل المشفرة
في عالم العلاقات الدولية، نادرا ما يكون الخطاب السياسي بريئا أو منفصل عن حسابات القوة والمصالح. فحين تتحدث اسبانيا بلهجة إنسانية حادة تجاه ما يجري في فلسطين، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام تعبير صادق عن التزام أخلاقي، أم أمام توظيف ذكي للأخلاق في خدمة مصالح استراتيجية داخل نظام دولي معقد؟ هذا السؤال لا ينطلق من التشكيك، بل من فهم أن سياسة الخارجية تبنى غالبا على تداخل القيم بالمصالح، لا على الفصل بينهما.
حين يكشف التاريخ حدود الخطاب الأخلاقي
إسبانيا التي ترفع اليوم لواء الدفاع عن القيم والحقوق في فلسطين، بالرجوع الى تاريخها وإرثها الاستعماري، تسقط في تناقض واضح، هي نفسها التي اصطفت إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في حروب مثيرة للجدل، فقد شاركت مدريد سياسيا وعسكريا في غزو العراق 2003 والحرب في أفغانستان (2001-2014) ضمن حلف الشمال الأطلسي، وأسهمت في التدخل في ليبيا 2011 وفي التحالف الدولي ضد تنظيم داعش (2014-2021) عبر دعم لوجستي وتدريبي.
وبموازاة ذلك، يحمل إرثها الاستعماري صفحات دامية: من القمع في الريف المغربي (1921-1926) واستخدام الغازات السامة، إلى حروب كوبا (خاصة حرب الاستقلال 1895-1898) مرورا بالهيمنة على الفلبين حتى 1898 وما عرفته من قمع للانتفاضات، وأشكال الاستغلال الاقتصادي بغنيا الإستوائية والمكسيك والبيرو بنهب الثروات واستنزاف الموارد وأضعفت المجتمعات المحلية. يجعل من الخطاب الأخلاقي الإسباني المعاصر موضع تساؤل تحليلي، ليس من باب النفي بل من زاوية فهمه كجزء من إعادة تموض سياسي يوظف القيم دون أن ينفصل عن منطق المصالح.
وبالتالي نكون أمام سؤال أساسي وجوهري للتميز هل الخطاب الأخلاقي ام خطاب احتجاجي برسائل مشفرة؟ ماهي الأسباب الحقيقية للتغير في السلوك الدولي لإسبانيا؟
تحولات التوازن الإقليمي في إفريقيا
في شمال وغرب إفريقيا، تتضح اليوم إعادة توزيع النفود بين القوى الكبرى والصاعدة، ما يضع إسبانيا في موقع هش بين الولاء الغربي والحسابات الإقليمية. الولايات المتحدة الأمريكية، عبر هيمنتها الاقتصادية والعسكرية وتحالفاتها الاستراتيجية، تضعف قدرة مدريد على التأثير المباشر، وبالتالي مصالح مدريد لا تحضي بأهمية ضمن أولويات واشنطن، فرغم تراجع الدور الملموس للسيطرة التاريخية للفرنسي بالمنطقة انتظارها للتعويض هذا التراجع، توسع الصين وروسيا حضورهما في البنية التحتية والدعم العسكري، وفسح المجال للدول صاعدة كتركيا والمغرب وبعض دول الخليج للتعزيز النفود الاقتصادي والدبلوماسي، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وبالتالي تبدو إسبانيا غائبة ضمن إعادة توزيع النفوذ بإفريقيا، ولم تمنح فرصة واضحة لملء الفراغ رغم القرب الجغرافي والتاريخي، مع محدودية التأثير المباشر في إفريقيا.
صعود المغرب كفاعل إقليمي صاعد
لم يعد التحول في ميزان القوى في الغرب المتوسط مسألة هامشية، بل أصبح واقع جيوسياسيا واضح المعالم، عنوانه الأبرز صعود المغرب كقوة إقليمية متنامية بدعم مباشر وغير مباشر من طرف البيت الأبيض. فالعلاقات المغربية الاسبانية لا تفهم فقط في إطار ثنائي، بل داخل مثلث أوسع تلعب فيه الولايات المتحدة الأمريكية دورا حاسما، غالبا بطرق غير مباشرة يمكن تلخيصها في ثلاث نقط أساسية:
الأزمة بين المغرب واسبانيا سنة 2021 لم تكن حادثا عابر بل نتاج تراكمات سياسية وصراع أدوار في الغرب المتوسطي، حيث استنجد بيدرو شانشيز بالرئيس الأمريكي الأسبق بايدن للضغط على المغرب أثناء الأزمة، والتي عبر فيها الرئيس الأمريكي عن موقف يتسم بعد التدخل المباشر الذي يفهم دعم سياسي غير مباشر للمغرب رفع سقف القوة التفاوضية للمغرب باعتراف اسبانيا بسيادة المغرب على صحرائه وتأسيس للعلاقة متكافئة بسقف تفاوضي اسباني يسعى للحفاض على مكاسبها ومصالحها التاريخية مع المغرب. وبالتالي مدريد اختارت الاحتواء بدل المواجهة.
عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تعزيز ترسانته العسكرية (طائرات، دفاع جوي، قدرات استخباراتية.) تعميق شراكته مع واشنطن لعد أسباب الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب وشريك موثوق في إفريقيا لكن من الجانب الإسباني يفهم إعادة رسم لتوازن القوى دون استشارة أوروبية كافية. تجعل مدريد أكثر يقظة للملفات جيوسياسية حساسة كسبتة ومليلية والهجرة والمجال البحري.
إذن أي تعزيز لقدرات المغرب العسكرية يقرأ عامل يجب أخده في الحسابات الأمن القومي الإسباني.
تآكل الوظيفية الجيواقتصادية لإسبانيا، التي كانت تاريخيا بوابة بين أوروبا وإفريقيا، الآن المغرب يقدم نفسه كبديل مباشرة من خلال ميناء طنجة المتوسطي وميناء الناضور المرحلة الثانية من الاستراتيجية البحرية المغربية في تحول مركز الثقل من الضفة الشمالية إلى الجنوبية، وفقدان تدريجي لحصة السوق الإسبانية من تحول الحركة التجارية، وهنا يكمن القلق الاسباني حيث لم تعد تتحكم وحدها في المعابر ولم تعد البوابة الحصرية نحو افريقيا.
هذه التحولات تجد اسبانيا نفسها أمام جار صاعد يزاحمها في مجالات كانت تعتبرها مجال نفوذ لها.
لماذا القضية الفلسطينية بالضبط؟
تعتبر إسرائيل نقطة حساسة في السياسة الخارجية الأمريكية، وبالتالي انتقاد إسرائيل إرسال رسالة غير مباشرة إلى واشنطن دون مواجهة مباشرة.
كما أن الحديث عن فلسطين يوفر ثلاث مزيا استراتيجية: كلفة منخفضة أي بدون تأثير أو تهديدي مباشر على إسبانيا ولا خسائر اقتصادية، ثانيا رمزية مرتفعة بدعم شعبي داخليا وصورة إيجابية في الجنوب العالمي ويمكن تبرير الموقف عبر القانون الدولي، وبالتالي أداة ضغط نظيفة سياسيا.
في الأخير، لا يبدو الخطاب الإسباني تجاه فلسطين مجرد انعكاس لموقف إنساني، ولا مجرد مناورة سياسية صرفه، بل مزيج مركب بين الإثنين. تحاول مدريد أن توازن بين ولائها للغرب وسعيها للحفاظ على موقعها في محيط إقليمي يشهد تحولات سريعة.
إنه في النهاية، خطاب يقول أكثر مما يبدو…ويعكس أكثر مما يعلن.
اترك تعليقاً