البوليساريو تتخلى عن أطروحة الاستقلال بعد تآكل الاعترافات الدولية

في تحول لافت في مسار نزاع الصحراء المُفتعل، تعكس المؤشرات الدبلوماسية المتتالية تراجعا في موقع جبهة البوليساريو على الساحة الدولية، مع استمرار سحب الاعتراف بـ”الجمهورية الوهمية” من قبل عدد متزايد من الدول، كان آخرها مالي، ما وضع الجبهة الانفصالية أمام واقع دولي جديد يتسم بتقلص هامش المناورة وتراجع الزخم الداعم لمطلب الانفصال.
وأصبح مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يحظى بزخم متنام داخل دوائر القرار الدولي، بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797، باعتباره خيارا “واقعيا وقابلا للتطبيق”.
في المقابل، وجدت البوليساريو نفسها مضطرة لإعادة تموضع خطابها السياسي، بإشارات متزايدة إلى التخلي عن الاستقلال كخيار أوحد، والانخراط في مسار تفاوضي برعاية أممية وتحت مظلة أمريكية.
وأمس الجمعة، أعلنت جمهورية مالي، أنه “بعد تحليل عميق لهذا الملف الهام (للصحراء) الذي يؤثر على السلام والأمن الإقليميين، قررت جمهورية مالي، اليوم، سحب اعترافها بـ (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية)”.
وأكد عبد اللاي ديوب، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي لجمهورية مالي، في إعلان تلاه بعد لقائه بوزير الخارجية المغربي، أن “مالي تدعم مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب باعتباره الأساس الوحيد والجدي وذي المصداقية لتسوية هذا النزاع، وتعتبر أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يعد الحل الأكثر واقعية”.
وحسب الإعلان، عبرت مالي أيضا عن “دعمها لجهود الأمم المتحدة، والمبعوث الشخصي للأمين العام، وكذا قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2797 (2025)، المصادق عليه يوم 31 أكتوبر 2025”.
وعقب الإعلان، أكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، التراجع الملحوظ لعدد الدول التي تعترف بالجبهة الانفصالية، مبرزاً أن “54 دولة قامت بسحب اعترافها خلال 25 سنة الماضية، من بينها خمس دول خلال السنتين الأخيرتين فقط”.
الدينامية التي أضحت تدعم سيادة المغرب على صحرائه أجبرت قادة البوليساريو على مراجعة خطابهم، إذ نقلت صحيفة “إل إسبانيول” تصريحات للمسمى بـ”وزير الخارجية”، محمد يسلم بيسات، أقر فيها باستحالة الحديث عن استقلال الصحراء.
وقال بيسات: “لا نستطيع جعل الاستقلال الخيار الوحيد، كما لا يمكن أن يكون مقترح الحكم الذاتي المغربي هو الخيار الوحيد”.
الموقف ذاته اتفق معه المسمى بـ”رئيس المجلس الوطني”، البشير مصطفى السيد، مؤكدا أن “قيام الولايات المتحدة بدور الوسيط يعيد للقضية أهمية أكبر وحضورا أوسع”، معربا عن ثقته في تجاوز الجمود الذي ساد منذ آخر جولة تواصل في 2021.
وأوضح السيد، أمام وفد من سياسيين ونشطاء إسبان، أن “الأمريكيين يصرون على أنه يجب علينا في أبريل أو ماي رفع وتيرة البحث عن تسوية”، مضيفا أن “الحرب في الشرق الأوسط تشتت الانتباه إلى حد ما”.
وشددت “إل إسبانيول” على أن قادة الجبهة الانفصالية لا يرغبون في إيلاء أهمية كبيرة لدور الولايات المتحدة خلال اعتماد القرار 2797 في أكتوبر الماضي، والذي وصفه السيد بأنه “الأكثر سوءا وسلبية”.
وأضاف أن “مشروع القرار كان تجسيدا شبه كامل لموقف ترامب خلال ولايته الأولى، لكنه اصطدم بمواقف روسيا والصين، ليس بالضرورة دفاعا عن حقوقنا، بل للحد من نفوذ الولايات المتحدة”.





