مغرب السرعة الواحدة.. ولماذا تفشل الأمم؟

يوم 29 يوليوز 2025، وخلال خطاب العرش القى جلالة الملك محمد السادس حجرة ثقيلة في الفضاء السياسي المغربي اذهلت كل المراقبين والسياسيين، حين قال: لا مكان اليوم ولا غد لمغرب يسير بسرعتين.
جملة واحدة كانت تحمل لكي ترسم لوحة قيادة المستقبل فيما يخص السياسات العمومية الملحة، عبارة بدلالات سياسية قوية لصراحة وموضوعية في تقييم تجربة النموذج التنموي المغربي من طرف أعلى سلطة في البلاد دون أي مركب نقص.
مباشرة بعدها تم إطلاق مُشاورات العمومية مُعمقة حول جيل جديد من ببرامج التنمية الترابية المندمجة.
وبتاريخ 9 ابريل 2026 صادق المجلس الوزاري على التصور التقني والتنفيذي لهذا المشروع الغير مسبوق في تاريخ المغرب بتكلفة تفوق 200 مليار درهم في أفق زمني لا يتجاوز 8 سنوات.
لكن من حق المُراقب أن يرح السؤال التالي:
ماذا يعني المغرب يمشي بسرعتين؟
باختصار يعني أن يكون في الرباط أكبر مستشفى في افريقيا بمواصفات عالمية، إضافة الى أنها المدينة الوحيدة في أفريقيا التي تضمُ أربع مراكز استشفائية، بالمقابل في نفس الوقت يمكن لسيدة في قرية والماس التي لا تبعد على الرباط سوى ب100 كلم أن تفقد حياتها بسبب غياب دار الولادة قرب الدوار.
مغرب يمشي بسرعتين يظهر بشكل صارخ من خلال أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي تقول إن ثلاث جهات فقط تحتكر انتاج 60 بالمئة من الثروة الوطنية، جهة الدار البيضاء-سطات احتلت الصدارة بنسبة بلغت 31,4 بالمائة، متبوعة بالرباط-سلا-القنيطرة (16,1%) ثم طنجة-تطوان-الحسيمة(10,4%).
بينما تقتسم باقي الجهات التسع الباقي من الثروة الوطنية، ومنها الجهات الافقر بني ملال – خنيفرة وفاس – مكناس اللتان تحققان معدل نمو سلبي بلغ على التوالي ناقص4,7% وناقص 1,9%.
نحن إذن أمام تحدى صارخ في ضمان التماسك الاجتماعي والاندماج المجتمعي بين كل مكونات الامة المغربية، فكل أدبيات الاقتصاد السياسي تُؤكد أن الأمم تفشل كلما كانت التفاوتات المجالية حادة ومعقدة.
الوضع الذي يخلق تحلُل في العلاقة مع الانتماء الوطني وبالتالي يفتح الباب مُشرعاً أمام ضُمور الشهور الوطني لدة مواطني المجالات الهامشية والأطراف.
وبالتالي نحن أمام بيئة خصبة للتطرف وتنامي الانحرافات السياسية والعقدية.
بالمقابل كلما كان التقاطب حاد في إنتاج الثروة الوطنية تضاعف حجم المشاكل الاجتماعية والحضرية في المجالات الجاذبة للهجرة، وتنامت ظواهر مثل الجريمة والهجرة القروية والسكن الصفيحي والهدر المدرسي والتفكك الاسري، بمعنى أن هناك تنمية سلبية.
اذن نحتاج الى إجراءات لكي لا نقع في حالة فشل الأمم كما يصفها الكتاب الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد والذي حرره الاقتصادي التركي-الأمريكي دارون أوغلوا وجيمس روبنسون من جامعة هارفرد .
فحالة فشل الأمم تقع في البلدان التي عرفت تنمية اقتصادية متفاوتة لم تصل الى درجة التنمية المستدامة القائمة على العدالة المجالية، ولنا في حالة البرازيل والارجنتين واليونان أمثلة على بلدان حققت نسب نمو اقتصادي عالي.
وفجأة انهارت إلى درجة الإفلاس
ولتقديم اطروحة متماسكة، قارن المؤلفان دراسات حالة من دول مختلفة. مثل كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، فهذان البلدان لهما نفس العوامل المتشابهة لكن النتائج الاقتصادية متباينة وتنمية مختلفة.
الحجة الرئيسية التي يطرحها أوغلوا وروبنسون هي أن المؤسسات الاقتصادية والسياسية الشاملة ضرورية للازدهار الاقتصادي. فهي تتيح مشاركة واسعة في صنع القرار، وتوفر حوافز للمواهب والمبادرات الفردية. من ناحية أخرى، تُعيق المؤسسات الاستغلالية، التي تستفيد منها دائرة ضيقة، وبالتالي النمو الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة الى التنمية الوطنية الشاملة.
الخلاصة هي أن تمركز الثورة والتنمية في تراب ومجال ُمحدد دون باق ربوع الوطن خطر كامن وعامل يشتغل في مسار عكسي ضد التنمية الوطنية التي تؤدي الى الاستدامة والديمومة والاستقرار السيوسيوسياسي.
ويجب أن نقول بكل وضوح أن مغرب اليوم يمرُّ من مرحلة حساسة ودقيقة، هناك نمو اقتصادي لا تخطئه العين، دينامية قوية في قطاعات اقتصادية كانت مع بداية عهد الملك محمد السادس هامشية مثل الصناعة والسياحة والخدمات.
اليوم المغرب القوة السياحية الأولى في أفريقيا، إضافة الى انه محور عالمي في صناعة السيارات والاسمدة والطائرات.
ويبدو أن الرؤية الملكية دائما كانت استباقية وذات تفوق زمني بعيد المدى، البنية التحتية المتطورة والتي تضمُّ جواهر مينائية مثل طنجة المتوسط والناظور شرق المتوسط والداخلة الأطلسي إضافة الى القطار السريع، ثم نهضة قوية في المطارات، كلها قرارات تنموية كانت سابقة لعصرها، وأحيانا لا تتماشى مع تطور الاقتصاد في لحظتها.
لكن اليوم البلاد تجني ثمار هذا الحس الاستباقي التنموي الملكي.
نفس الملاحظة تسجل على مجال التنمية البشرية فلا يمكن انكار الحلول الذي خلقتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في فك العزلة على العالم القروي وتنمين فئات هشة من حلول اقتصادية.
واليوم جاء الدور على جرعة أكثر مع الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة والتي يجب ان تقلص الثقب الأسود في مجال التنمية الوطنية ونحفز طابع العقلنة والمصداقية والنجاعة التي تحتاجها السياسات العمومية.





