رأي

بين طموح الجيل الجديد للتنمية الترابية وحدود التنزيل.. هل نحن أمام قطيعة حقيقية؟

بين طموح الجيل الجديد للتنمية الترابية وحدود التنزيل.. هل نحن أمام قطيعة حقيقية؟

ليس من المبالغة القول إن العرض الذي قدمه وزير الداخلية بين يدي جلالة الملك محمد السادس يشكل لحظة مفصلية في مسار السياسات الترابية بالمغرب ،فنحن لا نكون فقط أمام برنامج جديد، بل أمام محاولة لإعادة تعريف فلسفة التدخل العمومي في المجال الترابي، تحت عنوان لافت: “حكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”.

في الظاهر، يبدو هذا التحول منسجما مع روح دستور 2011، الذي جعل من الجهوية المتقدمة رافعة للتنمية ووسيلة لتقليص الفوارق المجالية. لكن في العمق، يطرح هذا الورش سؤالا مركزيا: هل نحن أمام انتقال فعلي من منطق التدبير المركزي إلى منطق التنمية المنطلقة من الحاجيات المحلية، أم أمام إعادة صياغة جديدة لنفس النموذج بأدوات أكثر حداثة؟

أول ما يثير الانتباه في هذا التصور هو التأكيد على اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على الإنصات للمواطنات والمواطنين، عبر تشخيص ترابي دقيق لكل عمالة وإقليم. هذا التوجه، إن تم تفعيله فعلا، يمثل تحولا نوعيا، لأنه ينقل مركز ثقل القرار من “ما يجب أن يكون” وفق تصور الإدارة، إلى “ما يحتاجه المجال” وفق معطياته الواقعية. غير أن التجارب السابقة تُظهر أن التحدي لا يكمن في صياغة التشخيص، بل في مدى التزام الفاعلين بنتائجه عند مرحلة التنفيذ.

ثانيا، يكشف النموذج المقترح عن هندسة مؤسساتية متعددة المستويات: محلي، جهوي، ووطني. وهي صيغة تحاول التوفيق بين القرب الترابي ووحدة القرار الاستراتيجي. لكن هذا التعدد في اللجان قد يحمل في طياته مفارقة: فبدل تسريع القرار، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج بطء المساطر وتعقيد التنسيق، خصوصا إذا لم تُحسم بشكل واضح مسألة توزيع الاختصاصات.

أما التحول الأكثر إثارة للنقاش، فهو الاتجاه نحو تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة. هنا يظهر بوضوح توجه الدولة نحو إدخال منطق النجاعة والمرونة المستمدة من القطاع الخاص في تدبير الشأن العام. غير أن هذا الخيار يطرح إشكالا دقيقا: كيف يمكن التوفيق بين منطق الربحية والمرونة من جهة، ومتطلبات المرفق العمومي القائم على الاستمرارية والمساواة من جهة أخرى؟ وهل سيعزز هذا التحول فعلا موقع الجهة كفاعل تنموي، أم سيجعلها مجرد وسيط داخل منظومة تدبير جديدة؟

في السياق نفسه، يكتسي مشروع تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات أهمية خاصة، لأنه يربط الإصلاح بثلاثة عناصر حاسمة: الاختصاصات، آليات التنفيذ، والموارد المالية. وهي عناصر ظلت لسنوات تشكل أعطابا بنيوية في تنزيل الجهوية المتقدمة. لذلك، فإن أي تقدم في هذا الورش يظل رهينا بمدى قدرة الدولة على منح الجهات استقلالية مالية حقيقية، وليس فقط توسيع هامشها النظري.

ولا يمكن إغفال البعد المرتبط بالمحاسبة والشفافية، من خلال اعتماد التدقيق السنوي وإحداث منصة رقمية لتتبع المشاريع. وهي آليات، إن تم تفعيلها بصرامة، قد تؤسس لثقافة جديدة في تدبير السياسات العمومية، قوامها ربط المسؤولية بالنتائج لا بالشعارات. لكن التجربة تُعلمنا أن قوة هذه الآليات لا تكمن في وجودها، بل في استقلاليتها وجرأة تفعيلها.

في المحصلة، يبدو أن المغرب يدخل مرحلة ثانية من إصلاحه الترابي: مرحلة الانتقال من بناء المؤسسات إلى اختبار فعاليتها. غير أن السؤال الجوهري سيظل معلقا: هل سينجح هذا الجيل الجديد من البرامج في إحداث قطيعة مع اختلالات الماضي، أم سيجد نفسه، مع مرور الوقت، يعيد إنتاج نفس الإشكالات بأدوات أكثر تعقيدا؟

الجواب لن تصنعه النصوص ولا التصورات، بل سيُحسم في الميدان، حيث تختبر السياسات بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، لا ببلاغة خطاباتها.

باحث في الحكامة الترابية-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News