الانتخابات التشريعية ومفهوم الديمقراطية

تفصلنا بضعة شهور على الانتخابات التشريعية بالمغرب المزمع تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، استحقاق هام ومرحلة مفصلية متجددة في المكان ومنتظمة في الزمان، الهدف منها بناء دولة ديمقراطية تتنافس وتتدافع فيها النخب والأحزاب السياسية على الحكم لتسيير الشأن العام تحقيقا للتنمية والازدهار وتنزيلا لبرامجها وتوجهاتها ورؤاها.
ومع اقتراب هذه الاستحقاقات يعود إلى الواجهة سؤال قديم متجدد لدى عامة الشعب، يمكن اختصاره في” ما فائدة الانتخابات” أو “ماذا نجني منها”؟ هذا السؤال البسيط في الطرح والمنتشر بين عامة المواطنين، قد يدفعنا كباحثين للتعمق فيه فيصبح سؤالا فلسفيا ملحا، يسائل مفهوم الديمقراطية نفسها في سياق تطبعه نسب مشاركة ضعيفة وعزوف كبير عن التصويت، فهل الديمقراطية لا زالت فعلا تعبيرا عن إرادة الشعب؟
نظريا وبشكل مبسط، فالديمقراطية هي حكم الشعب، أي ان هذا الأخير هو مصدر السلطات، يمارس الحكم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر انتخاب ممثلين له. وقد دستر المغرب هذا المفهوم من خلال الفصل الثاني لوثيقته الدستورية التي نصت على أن ” السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها” و” تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم” ويضيف الفصل الحادي عشر على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، ويؤكد الفصل 30 على أنه لكل مواطنة ومواطن، الحق في التصويت وفي الترشح، وهذا الحق يعتبر حقا شخصيا وواجبا وطنيا.
بين التأطير الدستوري لهذا المفهوم وطرق الوصول إليه وبين واقع معاش سمته عزوف شعبي مهم عن العملية برمتها، وفشل جلي للأحزاب السياسية في تنزيل صلاحياتها الدستورية من تأطير للمواطنين وتكوينهم سياسيا وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام وفي التعبير الحقيقي عن إرادتهم والمشاركة في ممارسة السلطة، فبين هذا المنطوق الدستوري والواقع المعاش، تضيع خيوط حقيقة مفهوم الديمقراطية على المواطن البسيط، وترسم أمامه صورة مشوهة لمشهد تدبير الشأن العام، فلا يرى غير فساد النخب السياسية، وغياب حكامة في التدبير وانتخابات لا فائدة ترجى منها.
بالأرقام، المغرب ليس بهذه الصورة القاتمة، فانتخابات 2021، شهدت حسب المعطيات الرسمية مشاركة أزيد م 50 بالمئة من المسجلين ممن يحق لهم التصويت، وهي نسبة تبقى مقبولة ومعدل يضاهي ما يقع في جل أقطار المعمور، فلماذا تطغى هذه الصورة القاتمة على المشهد الانتخابي إذن؟ بعيدا عن المشهد العام والتأويلات الشعبية لتفسيره، ومدى انخراط الأحزاب السياسية ومسؤوليتها في هذا الجانب، لا بد من قراءة قانونية متأنية لمضامين الدستور المغربي لعملية الانتخابات لكونها أهم ركيزة في بناء دولة ديمقراطية.
فالدستور المغربي ينص على ان نظام الحكم هو نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، والسيادة للأمة تمارسها عبر ممثليها، لكن لا يكفي التنصيص الدستوري لقيام ديمقراطية حقيقية في ظل غياب التعبير عن رأي الامة وبالتالي ضرب لسيادتها ولمفهوم تمثيليتها. فمهموم الأمة في هذه الحالة قد تم اختزاله في مصطلح الناخبين، وهنا نستنتج ان مفهوم الامة الذي هو أعم من مفهوم الشعب قد تم ربطه بمصطلح “الناخب” الذي يفقد بدوره كثيرا من مفعوله كلما قل عدد المتوجهين لصناديق الاقتراع. ولذلك، فالتنصيص الدستوري على وجوب ان تكون الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة، شرط ليس في حد ذاته بضمانة كافية للشرعية، فقوة المشاركة هي من تنتج شرعية قوية وبرلمانا يمثل فعليا الامة وليس جزءا ضئيلا منها.
بالمقابل، أليس المواطن ضحية لسلوكه المتمثل في العزوف، لكون المقتضيات الدستورية جاءت لتأطر العملية وتأصل لخطوطها العريضة، فيما تبقى إرادة المواطن هي صلب العملية ومحركها، لكن إن كان الأمر مرتبطا بالإرادة، أليس العزوف عن التصويت بحد ذاته يمكن قراءته على كونه تعبيرا سياسيا واعيا، يقول من خلاله المواطن أنه لا يجد نفسه وطموحه وانتظاراته في العرض المقدم من طرف الأحزاب. فالدستور من خلال فصوله يفترض مواطنا مشاركا لكن الواقع يظهر ان نسبة كبيرة من المواطنين هم ليسوا كذلك، أو على الأقل غير راضين على العرض المقدم لهم من طرف الأحزاب.
خلاصة هذا الوضع المعقد، أنتج لنا ديمقراطية بلا مشاركة واسعة، وتعددية حزبية لم تستوعب الجميع، وانتخابات منتظمة لكن مع غياب جزء كبير من الأمة. ولتصحيح هذا الوضع، هل ننتظر قيام الأحزاب السياسية بأدوارها الدستورية الواضحة أم أن تغيير هذا الوضع بما فيه الأحزاب والنخب يستدعي مزيدا من التأطير القانوني والدستوري فيكون على سبيل المثال، حق التصويت واجبا وطنيا فعليا وملزما لكل مواطن بلغ سن الرشد القانونية، بمعنى ان يصبح التصويت إلزاميا لكل من توفرت فيه الشروط وبذلك تتحقق المشاركة الواسعة فتستعيد الديمقراطية معناها الأصيل وتتحقق وظيفة القانون كموجه للسلوك البشري نحو الأفضل.
فالمشاركة الملزمة بحكم القانون قد تكون الحلقة الأولى في مسلسل بناء الديمقراطية وتداول السلطة، وتحقق إعادة بناء الثقة، وتجديد النخب السياسية وإدماج الشباب، أم أن الديمقراطية الحالية هي نفسها الديمقراطية منذ الأزل، والعزوف الانتخابي يبقى ظاهرة عالمية ومشهدا من مشاهد الديمقراطية، هو سؤال فلسفي إذن يزكي سؤال العامة عن جدوى الانتخابات وماهية الديمقراطية وشرعية الصناديق، ويفتح تساؤلات جديدة خارج الصندوق، هل هناك بديل للديمقراطية أم لا بديل عن الديمقراطية؟
باحث في القانون والعلوم السياسية-





