الحكامة الصحية بالمغرب بين التشريع والتنفيذ

احتلت الحكامة الصحية موقعاً مركزياً ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للمملكة، باعتبارها امتداداً عضوياً لمفهوم الحكامة الجيدة كما كرسه دستور سنة 2011، الذي لم يكتف بإقرار المبادئ العامة، بل ارتقى بها إلى مستوى الإلزام القانوني والتنظيمي المؤطر لمختلف السياسات العمومية، لاسيما في القطاعات الاجتماعية ذات الصلة المباشرة بحقوق المواطنات والمواطنين، وفي مقدمتها قطاع الصحة. فقد نص الفصل 31 من الدستور على حق الجميع في الولوج إلى العلاج والعناية الصحية، كما أكد الفصل 154 على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وهو ما يجعل من الحكامة الصحية ركيزة أساسية في تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان النجاعة المؤسساتية.
وإذا كان الإطار الدستوري قد أرسى قواعد متقدمة في مجال تأطير الحكامة الصحية، فإن الإشكال الجوهري يبرز على مستوى التنزيل العملي لهذه المقتضيات، حيث تكشف الممارسة الواقعية عن وجود اختلالات بنيوية ووظيفية تحد من فعالية الفعل العمومي الصحي، وتفرغ العديد من المبادئ الدستورية من محتواها الإجرائي. وعلاوة على ذلك، فإن التقارير الوطنية والدولية، الصادرة عن مؤسسات رقابية واستشارية، تؤكد استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الخدمات الصحية، وهو ما يطرح بإلحاح مسألة العدالة الصحية باعتبارها أحد أركان الحكامة الرشيدة.
وفي هذا السياق، يتضح أن الحكامة الصحية بالمغرب ما تزال تعاني من طابع التمركز الإداري، حيث تظل عملية اتخاذ القرار محصورة في مستويات مركزية، في مقابل محدودية اختصاصات الهياكل اللاممركزة، وهو ما ينعكس سلباً على فعالية التدخلات الصحية على المستوى الترابي. كما أن هذا التمركز يساهم في إعادة إنتاج الفوارق المجالية، من خلال تركيز العرض الصحي والبنيات الاستشفائية في الأقطاب الحضرية الكبرى، مقابل ضعف واضح في التجهيزات والخدمات بالمناطق القروية وشبه الحضرية، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور.
ومن جهة أخرى، يبرز تدبير الموارد البشرية كأحد أبرز التحديات التي تواجه الحكامة الصحية، حيث يشهد القطاع اختلالاً ملحوظاً في توزيع الأطر الطبية وشبه الطبية، سواء على المستوى الجغرافي أو التخصصي. ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الكفاءات الصحية، فإن الفجوة لا تزال قائمة بين حاجيات المنظومة الصحية وبين الإمكانات المتوفرة، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة وعلى القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية. إضافة إلى ذلك، فإن غياب آليات تحفيزية فعالة واستراتيجيات استباقية في مجال التوظيف والتكوين يفاقم من حدة هذه الإشكالية.
وعلاوة على ما سبق، فإن السياسة الدوائية تظل بدورها مجالاً يعتريه عدد من أوجه القصور، سواء من حيث التأطير التشريعي أو على مستوى ضبط الأسعار وضمان الولوج العادل للأدوية. ورغم المبادرات التي تم اتخاذها في فترات سابقة لمراجعة أثمنة بعض الأدوية، فإن الإشكال ما يزال مطروحاً في ظل استمرار تأثير بعض الفاعلين الاقتصاديين على توازنات السوق الدوائية، وهو ما يستدعي تعزيز آليات التقنين والمراقبة وتفعيل دور المؤسسات المختصة في هذا المجال.
كما أن محدودية الإنفاق العمومي الموجه لقطاع الصحة تشكل عائقاً بنيوياً أمام تحقيق حكامة صحية فعالة، إذ لا تزال الميزانية المخصصة لهذا القطاع دون المستوى المطلوب مقارنة بحجم التحديات المطروحة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة البنيات التحتية، وعلى مستوى التجهيزات الطبية، وعلى قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للسكان. فضلاً عن ذلك، فإن غياب تنوع في مصادر التمويل وضعف مساهمة القطاع الخاص في إطار شراكات منظمة يحد من إمكانيات تطوير القطاع.
وفي مقابل هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة إلى إرساء نموذج متكامل للحكامة الصحية، يقوم على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي باعتباره مرفقاً أساسياً في تقديم الخدمات الصحية، وذلك من خلال اعتماد إصلاحات هيكلية تشمل تحسين جودة الاستقبال، وتعزيز الشفافية في التدبير، وترسيخ مبادئ التخليق الإداري، وتفعيل آليات المراقبة والتقييم. كما يقتضي هذا النموذج إعادة توزيع العرض الصحي بشكل متوازن، بما يضمن العدالة المجالية ويقلص من الفوارق بين مختلف الجهات.
ومن جهة أخرى، فإن اعتماد مقاربة استشرافية في تدبير القطاع الصحي يظل ضرورة ملحة، حيث يتعين وضع استراتيجيات بعيدة المدى تأخذ بعين الاعتبار التحولات الديمغرافية والوبائية، وتستند إلى معطيات دقيقة ومؤشرات موضوعية، بما يضمن فعالية التخطيط الصحي واستدامة نتائجه. كما أن تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، سواء على المستوى الحكومي أو الترابي، يشكل عاملاً حاسماً في تحقيق التكامل والانسجام بين السياسات العمومية.
وعلاوة على ذلك، فإن تفعيل المقاربة التشاركية في صياغة وتنفيذ السياسات الصحية يمثل ركيزة أساسية في تجويد الحكامة، حيث يتيح إشراك الفاعلين المؤسساتيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص في بلورة الحلول واتخاذ القرار، بما يعزز من شرعية هذه السياسات ويضمن ملاءمتها لانتظارات المواطنين. كما أن إرساء آليات فعالة للتتبع والتقييم يمكن من قياس الأثر الحقيقي للإصلاحات، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.
وخلاصة القول، فإن الانتقال من حكامة صحية تعتريها الاختلالات إلى حكامة صحية فعالة وناجعة يقتضي إرادة سياسية قوية، وإصلاحاً مؤسساتياً عميقاً، وتعبئة شاملة لمختلف الفاعلين، في إطار رؤية استراتيجية مندمجة تستحضر البعد الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي. إن الرهان اليوم لا يقتصر على تحسين المؤشرات الصحية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة صحية عادلة ومنصفة، قادرة على ضمان الكرامة الإنسانية وترسيخ الثقة في المرفق العمومي، بما ينسجم مع روح الدستور وتطلعات المجتمع.





