رأي

 بين التصعيد السياسي والمرونة الاستراتيجية -تطور موقف المغرب من الحرب الشرق أوسطية-

 بين التصعيد السياسي والمرونة الاستراتيجية -تطور موقف المغرب من الحرب الشرق أوسطية-

مقدمة

في سياق إقليمي يتسم بتسارع الأزمات وتشابك الفاعلين، برز الموقف المغربي من أزمة الخليج كحالة دالة على كيفية تفاعل الدول المتوسطة مع صراعات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع حسابات القوة والتحالفات. فمنذ اندلاع الأزمة، التي ارتبطت في قراءاتها المختلفة بتسلسل يبدأ بعدوان أمريكي-إسرائيلي أعقبه رد إيراني عنيف وغير متوقع في اتساعه إذ استهدف جميع الدول الخليجية والأردن، تبنّت الدبلوماسية المغربية خطابًا صارما ومتدرجًا جمع بين الإدانة، والتضامن، ثم التأطير الاستراتيجي الشامل، الذي عبّر عنه ناصر بوريطة في كلمته اليوم 29 مارس 2026 خلال أشغال الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية.

غير أن هذا الموقف، رغم تماسكه الظاهري، يطرح إشكاليات تحليلية عميقة تتعلق بحدود تطبيق القانون الدولي في السلوك الخارجي، وحدود الموضوعية في توصيف أسباب النزاع، إضافة إلى طبيعة التموضع داخل شبكة التحالفات الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن دراسة هذا الموقف لا يسوغ أن تقتصر على المعيارية القانونية في تفكيك مضامينه وتتبع مراحله، بل تتطلب تفكيكه ضمن مفاهيم الاستراتيجية، والسياسة الواقعية، والعلاقات الدولية، لفهم كيف يعيد المغرب صياغة الأزمة بما يخدم مصالحه، وكيف يمكن أن يتكيف مع تحولات محتملة في موازين القوى ومستقبل الصراع.

التأطير الاستراتيجي للموقف المغربي من الأزمة

يشكل الموقف المغربي من الأزمة الخليجية، كما عبّر عنه ناصر بوريطة، امتدادًا لمسار دبلوماسي تراكمي انتقل من رد الفعل إلى التأطير الاستراتيجي. فقد بدأ هذا المسار بإدانة قانونية وأخلاقية مبدئية للاعتداءات، قبل أن يتطور نحو تثبيت تضامن عربي داخل جامعة الدول العربية، ثم إلى دعم عملي مباشر للدول الخليجية، وصولًا إلى إعادة تعريف الأزمة كخطر إقليمي قابل للتدويل. هذا التدرج يعكس سلوكًا استراتيجيًا واعيًا، حيث لا تُبنى المواقف دفعة واحدة، بل تتشكل عبر مراحل تواكب تطور التهديد.

ضمن منطق الاستراتيجية، لم يعد المغرب يتعامل مع الخليج كفضاء جغرافي بعيد، بل كامتداد لمجاله الحيوي الأمني. فالتأكيد المتكرر على أن أمن الخليج جزء من أمن المغرب يعكس تحولًا في العقيدة الاستراتيجية نحو مفهوم الأمن المترابط. وبهذا، يصبح أي تهديد لدول الخليج تهديدًا غير مباشر للمصالح المغربية، سواء من زاوية استقرار أسواق الطاقة أو التوازنات الإقليمية أو التحالفات السياسية. تصريح 29 مارس عمق هذا التصور من خلال ربط الأزمة ليس فقط بالأمن الإقليمي، بل أيضًا بالاقتصاد العالمي والملاحة الدولية.

السياسة الواقعيةمنطق المصالح والتحالفات

يُظهر الموقف المغربي انخراطًا واضحًا في منطق السياسة الواقعية في العلاقات الدولية، حيث تتقدم المصالح والتحالفات على الاعتبارات المعيارية المجردة. فاختيار التركيز على الهجمات الإيرانية دون غيرها يعكس تموضعًا داخل شبكة تحالفات تشمل دول الخليج، وعلاقات متوازنة مع القوى الغربية. في هذا السياق، لا يتم التعامل مع الأزمة بوصفها مسألة قانونية مجردة، بل كصراع قوى يتطلب تحديد الخصم والحليف بدقة. لذلك، يبدو الموقف المغربي منحازًا بوضوح، لكنه انحياز محسوب ينسجم مع مصالحه الاستراتيجية طويلة المدى.

على المستوى النظري، يستند الخطاب المغربي إلى مبادئ القانون الدولي، خاصة ما يتعلق باحترام السيادة ورفض استخدام القوة. غير أن تطبيق هذه المبادئ داخل الأزمة يكشف عن توتر واضح بين المعيارية القانونية والانتقائية السياسية. فبينما يتم التشديد على عدم شرعية الهجمات الإيرانية، لا يتم إدراج العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الذي سبقها ضمن نفس الإطار القانوني في الخطاب الرسمي. هذا لا يعني غياب المرجعية القانونية، بل يعكس ما يمكن تسميته بـ تكييف القانون داخل السياق السياسي، حيث يُستخدم كأداة دعم للموقف أكثر من كونه معيارًا مطلقًا.

خامسًا: إعادة تأطير الأزمة – من تسلسل سببي إلى سردية سياسية

أحد أهم مفاتيح فهم الموقف المغربي هو أنه لا يتبنى قراءة سببية كاملة للأزمة، بل يعيد ترتيبها وفق أولوياته. فبدل الانطلاق من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي كبداية للتصعيد، يتم التركيز على الرد الإيراني باعتباره نقطة التحول الأساسية. هذا التحول في السرد ليس عفويًا، بل يعكس إعادة تأطير سياسية تجعل التهديد المرتبط بالحلفاء العرب في مركز التحليل. وبهذا، يتم التعامل مع الأزمة ليس كسلسلة مترابطة من الأفعال وردود الأفعال، بل كواقع راهن يتطلب استجابة فورية لحماية التوازن الإقليمي.

يعكس السلوك المغربي محاولة دقيقة لتحقيق توازن داخل شبكة معقدة من العلاقات الدولية. فمن جهة، هناك انخراط واضح في دعم دول الخليج، ومن جهة أخرى، هناك حرص على عدم الاصطدام مع قوى دولية مؤثرة من خلال إدراج عنصر الحوار في الخطاب بما يمنح الموقف المغربي مرونة إضافية تسمح له بالتكيف مع أي تحول في مواقف القوى الكبرى. هذا التوازن يُبرز قدرة المغرب على المناورة داخل النظام الدولي، حيث يسعى إلى الحفاظ على الاستقلالية النسبية دون التخلي عن تحالفاته الأساسية.

مستقبل الصراع – بين التصعيد وإعادة التوازن

تكشف الأزمة أن علاقة المغرب بدول الخليج تجاوزت مستوى التضامن السياسي لتصل إلى مستوى الشراكة الأمنية والاستراتيجية. فالدعم لم يعد رمزيًا، بل أصبح مرتبطًا بتصور مشترك للأمن والاستقرار. هذا يعزز مكانة المغرب كجزء من منظومة إقليمية أوسع، لكنه في المقابل يقلص هامش الحياد ويزيد من كلفة أي إعادة تموضع مستقبلي. وبالتالي، فإن قوة هذا التحالف تمثل في الوقت نفسه مصدر دعم ومصدر التزام.

يمكن فهم كلمة بوريطة على أنها مفتوحة على سيناريوهين رئيسيين: إما تصعيد نحو مواجهة إقليمية، أو اتجاه نحو تسوية دولية تعيد ترتيب موازين القوى. في الحالة الأولى، سيجد المغرب نفسه أكثر انخراطًا في دعم حلفائه، ما قد يعزز تموقعه داخل المحور العربي. أما في الحالة الثانية، خاصة إذا تم الاعتراف بدور إيران كفاعل إقليمي مشروع، فسيواجه تحدي إعادة تموضع خطابه دون فقدان المصداقية. وهنا تبرز أهمية احتفاظه بخطاب يدعو إلى الحوار، لأنه يوفر له مخرجًا استراتيجيًا في حال تغيرت قواعد اللعبة.

فإشادة المغرب بالمبادرات الرامية إلى “خفض التصعيد، ووقف نزيف الصراع، وترسيخ أسس عدم التكرار” تظهر وعيًا بالبعد الوقائي للأمن الإقليمي، وحرصًا على عدم تحويل الأزمة إلى صراع ممتد يضر بالمصالح العربية والمغربية على حد سواء. وباختصار: فبينما يحافظ على لغة حازمة ضد الطرف الإيراني “المعتدي”، فإنه في الوقت نفسه يبرز المرونة الدبلوماسية والواقعية السياسية كجزء من استراتيجيته في إدارة الأزمة، ما يجعل موقفه شاملاً بين الردع، التحالفات، والحوار الوقائي.

خلاصة تركيبية

في المجمل، يعكس الموقف المغربي تداخلًا وظيفيا براغماتيا بين الاستراتيجية والسياسة الواقعية والقانون الدولي، ضمن سياق إقليمي شديد التعقيد. فهو موقف واضح في اصطفافه، متدرج في بنائه، ومرن في أدواته، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود الخطاب القانوني عندما يُعاد توظيفه داخل حسابات القوة والمصلحة العليا للدولة. وقد جاءت كلمة بوريطة لتكرس هذا التوازن الدقيق، حيث رفع سقف التحذير من التصعيد، دون أن يغلق باب التكيف مع تحولات مستقبلية قد تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.

* باحث في العلوم السياسية والاستراتيجية وخبير دولي في الحكامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News