منوعات

أزمة الثقة والمبادرة في الاستحقاقات الانتخابية : من خطاب العزوف إلى رهان الإصلاح من داخل المؤسسات

مع كل اقتراب لمحطة انتخابية، يتكرر نفس الخطاب بنبرة تكاد تكون محفوظة: “لا جديد”، “الكل سواء” و “الانتخابات مجرد مسرحية” ، لم تعد هذه العبارات مجرد انطباعات معزولة أو مواقف عابرة ، بل تحولت إلى ما يشبه “أسطوانة جماعية” تعكس حالة عامة من فقدان الثقة في الفعل السياسي والمؤسسات التمثيلية. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذا الرفض الواسع لا يقابله استعداد حقيقي للمبادرة، فيتعمق السؤال الجوهري: إذا كنا جميعا نرفض الترشح ونشكك في العملية الانتخابية، فمن سيتحمل مسؤولية تمثيل الأمة؟.

لقد شدد عاهل البلاد محمد السادس في العديد من توجيهاته على أن الديمقراطية لا تختزل في النصوص أو الشعارات، بل تقوم على المشاركة المواطِنة الفاعلة، وعلى تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما دعا إلى تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام الكفاءات خاصة الشباب، للانخراط في تدبير الشأن العام. وهي دعوة تعكس وعيا عميقا بأن الإصلاح الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق دون نفس جديد يضخ الحيوية في المؤسسات.

على المستوى القانوني جاء دستور 2011 بمنظومة متقدمة عززت أسس الحكامة الترابية، وترجمتها القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، التي كرست مبادئ التدبير الحر والديمقراطية التشاركية ، فأضحت الجهات والجماعات والعمالات فاعلا مركزيا في بلورة السياسات العمومية وتنزيل المشاريع التنموية. غير أن هذه المقتضيات رغم أهميتها، تظل رهينة بمدى انخراط الفاعلين وقدرتهم على تفعيلها، وهو ما يصطدم أحيانا بضعف الثقة في النخب المنتخبة.

ومن زاوية حقوقية تمثل الانتخابات تجسيدا للحق في المشاركة السياسية ، باعتباره حقا دستوريا وأحد ركائز دولة القانون ، فالمواطن ليس مجرد ناخب عابر بل شريك في صناعة القرار العمومي. غير أن العزوف الانتخابي يفرغ هذا الحق من محتواه، ويجعل المؤسسات التمثيلية تعاني من هشاشة في الشرعية والفعالية.

أما من حيث البعد التنموي ، فإن الرهان الانتخابي يتجاوز مجرد اختيار ممثلين إلى تحديد من سيتولى قيادة قاطرة التنمية المحلية ، فالجماعات الترابية اليوم ليست مجرد وحدات إدارية، بل فضاءات لصناعة السياسات العمومية وتحقيق العدالة المجالية. ومن ثم، فإن جودة التدبير ترتبط ارتباطا وثيقا بكفاءة المنتخبين ونزاهتهم وقدرتهم على الابتكار.

ومع ذلك لا ينبغي أن نختزل المشهد في صورة واحدة قاتمة، فداخل هذا الحقل السياسي المتشابك تنبت رغم كل شيء، تجارب ناجحة في التدبير، استطاعت أن تحول بعض الجماعات الترابية إلى نماذج في الحكامة والتنمية، مؤكدة أن السياسة يمكن أن تكون مجالا للإصلاح لا فقط للانتقاد. وفي المقابل، تظل هناك تجارب فاشلة وممارسات متجاوزة آن الأوان لطي صفحتها، لا عبر المقاطعة التي تعيد إنتاجها، بل عبر الوعي الانتخابي الذي يفرز البدائل.

إن المشهد السياسي يشبه، إلى حد بعيد أرضا فلاحية: إذا تركت دون عناية، غزتها الأعشاب الضارة والاوحال، وإذا تم الاعتناء بها، أزهرت وأثمرت. لذلك فإن دعم التجارب الناجحة هو بمثابة سقي للبذور الصالحة، بينما يشكل رفض النماذج الفاشلة عملية اقتلاع ضرورية لكل ما يعيق النمو. وهنا يبرز دور الشباب، ليس فقط ككتلة ناخبة، بل كقوة اقتراحية قادرة على إعادة تشكيل المشهد، شرط أن تستعيد الثقة في جدوى الفعل من داخل المؤسسات.

فالتغيير الحقيقي لا يصنع من خارج النسق المؤسساتي بل يبنى من داخله، عبر التراكم والإصلاح التدريجي.

وحيث إن الانسحاب من العملية السياسية بدعوى رفضها لا يؤدي إلا إلى ترك المجال فارغا أمام نفس الممارسات التي يراد تجاوزها، في حين أن المشاركة الواعية تمثل الأداة الأساسية لإعادة توجيهها وتصحيح مسارها.

وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يظل الرهان الأساسي هو الانتقال من خطاب التذمر إلى منطق الفعل، ومن التشكيك المطلق إلى النقد البناء، فالأزمة التي نعيشها اليوم ليست فقط أزمة ثقة، بل أيضا أزمة مبادرة، ولا يمكن تجاوزهما إلا بإرادة جماعية تعيد الاعتبار للمشاركة السياسية كمدخل للإصلاح.

صفوة القول ، لا يمكن للديمقراطية أن تستقيم في ظل الفراغ، ولا يمكن للمؤسسات أن تشتغل بدون فاعلين مؤمنين بدورها. لذلك فإن السؤال لم يعد: “هل نشارك أم لا؟” ، بل أصبح: “كيف نشارك وبأي وعي وبأي كفاءة؟” ، لأن مستقبل التمثيلية الديمقراطية لا يُصنع بالانسحاب، بل يبنى بالفعل المسؤول من داخل المؤسسات، حيث يتحول الصوت الانتخابي من مجرد ورقة في صندوق، إلى أداة حقيقية للتغيير وصناعة الأمل.

محمد العسري
طالب باحث بسلك ماستر التدبير العمومي الترابي بكلية العلوم القانونية أيت ملول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *