حرب إسرائيل على إيران بين الدوافع السياسية والاهداف الاستراتيجية
على الرغم من الجدل السياسي الذي واكب اندلاع الحرب الصاروخية بين التحالف العسكري الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران والذي تركز حول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الذي جر الرئيس الأميركي إلى الحرب ضد إيران أو ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه”ربما أكون أنا قد أجبرت إسرائيل على اتخاذ هذا القرار”، إلا أنه يبدو أن إسرائيل كانت لها أهداف استراتيجية قوية لشن حرب ضد إيران بعيد انتصارها العسكري في حرب غزة ضد حماس.
1- الدوافع السياسية للحرب الإسرائيلية ضد إيران
شكلت إيران في العقيدة الإسرائيلية العدو الاستراتيجي الوجودي الذي ينبغي القضاء عليه بشكل أساسي أو نهائي .فعقب الثورة الإيرانية وسقوط نظام بهلوي سنة 1979، اتخذت إيران موقفًا متشددًا ضد إسرائيل ، حيث قطعت إيران جميع العلاقات الرسمية مع دولة اسرائيل . كما توقفت عن قبول جوازات السفر الإسرائيلية، ومنع حاملو جوازات السفر الإيرانية من السفر إلى فلسطين المحتلة. في حين أغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران وسُلمت إلى منظمة التحرير الفلسطينية . وقد وصف آية الله الخميني إسرائيل بأنها ” عدو للإسلام ” و” الشيطان الصغير “. بينما وصفت الولايات المتحدة بـ” الشيطان الأكبر ” ووفق هذا المنطلق السياسي . قدمت إيران الدعم للأحزاب الإسلامية الشيعية اللبنانية ، وساعدت في توحيدها في منظمة سياسية وعسكرية واحدة، تمثلت في حزب الله ، حيث زودته بالتلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري والمعدات اللازمة لمهاجمة أهداف إسرائيلية وأمريكية. كما قدمت إيران لحزب الله كميات كبيرة من التدريب والأسلحة والمتفجرات، بالإضافة إلى الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي والتنظيمي، في الوقت الذي حثّت فيه حزب الله على اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إسرائيل. وقد ذكر بيان حزب الله لعام 1985، ضمن أهدافه الأربعة الرئيسية، “انسحاب إسرائيل النهائي من لبنان تمهيدًا لإبادتها النهائية”. وبحلول أوائل التسعينيات من القرن الماضي ، برز حزب الله، بدعم من سوريا وإيران، كقوة عسكرية رائدة، مُحتكرًا قيادة العمليات المسلحة في جنوب لبنان. لذا فإن مشاركة إسرائيل في توجيه ضرباتها الصاروخية ضد القيادة الإيرانية إلى جانب القوات العسكرية الأمريكية لم يثن إسرائيل على جر حزب الله إلى هذه الحرب ، حيث ركزت إسرائيل على ضرب مواقع بحزب الله بلبنان مستغلة رغبة القيادة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله في إطار احتكار الدولة اللبنانية للعنف المشروع والتحكم في المؤسسة العسكرية فمنذ إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في 2 مارس 2026، ردا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية، واصلت إسرائيل شن غارات على أنحاء لبنان تسببت في مقتل أكثر من ألف شخص وتهجير أكثر من مليون نازح ، بعدما كثف الجيش الإسرائيلي غاراته على ضاحية بيروت الجنوبية. كما جدد الجيش الإسرائيلي إنذاره لسكان أحياء واسعة في الضاحية الجنوبية، بإخلائها، ليواصل “مهاجمة البنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في مختلف أنحاء الضاحية وبقوة متزايدة”. بينما شن الطيران الإسرائيلي عدة غارات على الضاحية الجنوبية، استهدفت مناطق: بئر العبد، الرويس – أطراف المنشية، حارة حريك، أوتوستراد السيد هادي نصرالله، السان تيريز، برج البراجنة والكفاءات”. مما يظهر رغبة إسرائيل استغلال هذه الحرب للقضاء على حزب الله بعد أن تم القضاء على قوة حماس وشل تحركات الميليشيات التابعة لحزب الله التي كانت تنشط بسوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد. فقد شنت إسرائيل تحركات عسكرية برية وجوية مكثفة في سوريا فور سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تمثلت في احتلال المنطقة العازلة بالجولان من خلال السيطرة على نقاط مراقبة استراتيجية في جبل الشيخ وجنوب سوريا. وتدمير الأسلحة الاستراتيجية (الصاروخية والجوية والبحرية) لمنع وصولها للمعارضة أو إيران من خلال تنفيذ مئات الغارات استهدفت مستودعات صواريخ بعيدة المدى، وبطاريات دفاع جوي، ومراكز بحوث علمية، وإنشاء منطقة أمنية عازلة من خلال احتلال أجزاء واسعة من المنطقة المنزوعة السلاح التي كانت تراقبها الأمم المتحدة UNDOF) بطول 75 كم)، معلنة انهيار اتفاقية فصل القوات لعام 1974. من هنا يظهر بأن الأهداف الاستراتيجية لتحركات إسرائيل، كانت تتمثل في منع وقوع الأسلحة الاستراتيجية والكيميائية السورية في أيدي فصائل المعارضة أو جهات “متطرفة”.وقطع النفوذ الإيراني من خلال القضاء على أي بقايا للوجود الإيراني ومحور “حزب الله” في سوريا. وعلى نفس المنوال تعمد إسرائيل إلى استغلال هذه الحرب لاعادة نفس السيناريو العسكري السوري بجنوب لبنان لتحييد أي تهديد إيراني بلبنان في المستقبل. فبعد دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران، شنت إسرائيل “عملية برية محدودة ومُحددة الأهداف” ضد حزب الله. وقد توغلت عدة فرق من الجنود الإسرائيليين منذ ذلك الحين في جنوب لبنان. والهدف المُرجّح هو إنشاء منطقة عازلة لمنع حزب الله من تهديد شمال إسرائيل من جنوب لبنان.
2- الدوافع الاستراتيجية للحرب الإسرائيلية ضد إيران
تتمحور دوافع إسرائيل في مشاركتها في هذه الحرب إلى جانب القوات الأمريكية في عدة أهداف استراتيجية من أبرزها :
أولها :تدمير مقومات النظام الإيراني الداخلية على المستويات الأمنية والحكومية وحتى الاقتصادية. وقد ظهر ذلك في استهداف وتدمير مراكز الشرطة، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، ومخازن النفط في طهران، إلى جانب تنفيذ هجمات سيبرانية على المؤسسات الحكومية والمالية للنظام. وتهدف إسرائيل من خلال ذلك إلى إضعاف النظام داخليا وتقليص قدرته على مواجهة حالات “التمرد” أو الاحتجاج الداخلي، وكسر هيبته في الداخل، بحيث يبقى في حالة هشاشة وتصدع داخليين، فضلًا عن تعميق الأزمة الاقتصادية تمهيدًا لإضعافه وربما إسقاطه من الداخل. وقد خرج رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم الحادي عشر للحرب بتغريدة دعا فيها الشعب الإيراني إلى استغلال الهجمات الامريكية والاسرائيلية العسكرية على المدن الإيرانية خاصة العاصمة طهران للخروج ضد النظام ، وهو طلب كرره عدة مرات خلال أيام الحرب. وبالتالي فقد كان الرهان الإسرائيلي يقوم على عودة الاحتجاجات الشعبية في إيران بعد العملية العسكرية الأولى التي استهدفت اغتيال المرشد العام خامينائي ، وأن تتصاعد هذه الاحتجاجات إلى حد إسقاط النظام. فإنهاء التهديد الإيراني في المنظور الاسرائيلي لا يتحقق عبر اتفاق مع النظام الإيراني، حتى لو كان يستجيب لمخاوف إسرائيل، بل من خلال تغيير النظام نفسه أو إسقاطه.
ثانيها: تدمير القوة العسكرية الإستراتيجية الإيرانية، وتحديدًا البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي؛ فهذه القوة تمثل مفتاح النفوذ الإيراني في المنطقة، ومصدر التهديد الإستراتيجي لإسرائيل. لذلك فإن تدمير هذه القدرات، بما في ذلك مراكز التصنيع والإنتاج المرتبطة بها، من شأنه أن يضعف إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة.
ثالثها :الاعتبارات الشخصية والانتخابية لرئيس الوزراء نتنياهو. فإلى جانب الحسابات الأمنية، يمثل الهجوم على إيران رهانا سياسيا وانتخابيا مهما بالنسبة له في سنة انتخابات، بامتياز خصوصًا إذا أسفرت نتائج هذه الحرب عن إضعاف كبير لقدرات النظام الإيراني. وبالتالي ينظر نتنياهو إلى هذه الحرب الثانية على إيران بوصفها حلقة حاسمة في مسعاه لتعزيز موقعه في الانتخابات المقررة في أكتوبر2026. كما يسعى نتنياهو، من خلال هذه الحرب وتحقيق الانتصار فيها، إلى تجاوز إخفاق 7 أكتوبر2023. فهو يرى أن الحرب على إيران، وإضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه لاحقًا، قد تشكل لحظة تاريخية في مسيرته السياسية، يمكن أن تطغى على الفشل الكبير المرتبط بأحداث عملية 7 أكتوبر 2023 من خلال محاولة محو الآثار الداخلية والإقليمية والعالمية التي خلفتها عملية طوفان الأقصى التي ستظل حاضرة لسنوات طويلة داخل الذاكرة الجمعية وذلك على الرغم من الدمار، والإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل. فعلى الصعيد الداخلي، قد تصب الحرب وإطالة أمدها مع إيران في مصلحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فإسرائيل توحد صفوفها في أوقات الحرب، لا سيما عندما يكون العدو هو إيران. وهذا أحد أسباب ندرة الانتقادات من أشد خصوم نتنياهو السياسيين.
وعموما ، فإذا كانت هذه الحرب على إيران من الوجهة الأمريكية ليست للردع فقط، بل استراتيجية لتدمير جميع مرافق البحث والإنتاج التابعة للبرنامج النووي الإيراني ، ومنع إيران من امتلاك قنبلة نووية مع استغلال الوقت قبل اشتداد المنافسة بين القوى العظمى للسيطرة على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية، فإن مقاربة إسرائيل لهذه الحرب ترمي إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وبالتحديد تدمير صواريخ إيران بعيدة المدى والباليستية، فضلًا عن أنظمة إطلاقها، ومنع الهجمات المباشرة على الأراضي الإسرائيلية قدر الإمكان خاصة من جنوب لبنان. بالإضافة إلى زعزعة استقرار النظام الإيراني وتعطيل قيادته. فتغيير النظام ليس الهدف الأساسي، رغم أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرغب فيه بشدة. حيث أعرب في خطاب له، عن أمله في أن إضعاف النظام في طهران، عسكرياً وبشرياً، سيمنح الشعب الإيراني فرصة إسقاطه. وأضاف نتنياهو أن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها، “لكن إذا ثابرنا، فسنمنحهم الفرصة لتولي زمام مصيرهم بأنفسهم”.
ولعل هذا التباين في أهداف محاربي إيران و قدرة النظام الإيراني على الصمود واستمرار قصف صواريخه للعمق الإسرائيلي ودول الخليج سيرخي بظلاله على التحالف الأمريكي الإسرائيلي في مواصلة هذه الحرب بعدما ظهر منذ بداية هذه الحرب تعارض بين أهداف الجانبين. فعند إطلاق الحملة الجوية المشتركة صباح يوم السبت في 28 فبراير 2026، أكد كل من الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو “أن هدفهما هو إسقاط النظام الإيراني”. لكن بعد يومين، وفي خطاب ألقاه في البيت الأبيض، ظهر وكأن الرئيس الأميركي لم يعد يُولي الإطاحة بالنظام الإيراني الأولوية القصوى، وذلك عندما أكد أن الولايات المتحدة “تسعى بالدرجة الأولى إلى تدمير الصواريخ والبحرية الإيرانية ومنع الجمهورية الإسلامية من امتلاك أسلحة نووية”. وفي اليوم نفسه، صرّح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في مؤتمر صحفي بأن العملية ليست “حرباً لتغيير النظام”. في المقابل، دعا بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع والإطاحة بقادتهم، وصرح يوم الاثنين، في 2 مارس 2026، على قناة “فوكس نيوز”: “سنعمل أولاً على تهيئة الظروف التي تُمكّن الإيرانيين من أخذ مصيرهم بأيديهم”. وفي الخطاب المتلفز الذي ألقاه مساء يوم السبت في السابع من مارس 2026 خاطب الشعب الإيراني بقوله: “إن لحظة الحقيقة تقترب، إسرائيل لا تحاول تقسيم إيران، إنما تحاول تحريرها، لكن في نهاية المطاف الأمر يعتمد عليكم لتحرير إيران”. وبالتالي ، فقد كان هذا التباين في الرؤى أول مؤشرات هذا التعارض في الأهداف الذي سيتطور بعدما تحول الرهان العسكري حول الصراع على مراقبة مضيق هرمز وتأثيراته السلبية على أسعار الطاقة بما سيؤدي إلى خيارين إما أن تقوم إدارة ترامب بنشر وحدات المارينز والسيطرة على جزيرة خرج من خلال القيام بتوغل بري مما سينذر بحرب طويلة المدى أو خيار التوصل إلى اتفاق مع القيادة الايرانية الجديدة رغم تشددها إذ ستؤثر الضغوط المتعلقة بالسياسة الداخلية الأميركية على تفكير الرئيس دونالد ترامب مع استمرار الحرب وتوسع نطاقها. خاصة وأن بعض مسؤولي البيت الأبيض يخشى “من أن تُعرّض هذه المغامرة الحربية فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس للخطر بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل”. ويزداد هذا الاحتمال قوةً بالنظر إلى أن الصراع الدائر، الذي “يعطل أسواق الشحن والطاقة، قد تكون له تداعيات على القدرة الشرائية، وهو مصدر قلق بالغ للأميركيين” سيما وأن هناك “الرفض الذي تواجهه الحكومة الامريكية من شريحة واسعة من الناخبين الأميركيين، بما في ذلك اليمين داخل قاعدة ترامب الشعبية”. وبالتالي فإن ما يدور من تصريحات وتسريبات حول إمكانية عقد مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بوساطات باكستانية أو تركية أو عمانية تعكس على ما يبدو إمكانية انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الحرب وتترك الإسرائيليين يواجهون إيران بمفردهم، وهو سيناريو يقدّر المؤرخ الفرنسي بيير رازو، المدير الأكاديمي لـ “مؤسسة البحر الأبيض المتوسط للدراسات الاستراتيجية”، أنه ربما يحدث على المدى المتوسط، ذلك أنه “في غياب نصر عسكري حاسم، وفي ظل تزايد السخط الشعبي الأميركي، قد يختار دونالد ترامب الانسحاب” .ويتفق روموالد سكيورا الخبير في السياسة الأميركية في “معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية” في باريس مع هذا التحليل، معتبراً أن الولايات المتحدة “زجّت نفسها في صراعٍ تبدو نتائجه غير مؤكدة، وقد يتفاقم، وهو عكس ما يريده الرئيس الأميركي تماماً”، وأضاف: “لن أتفاجأ إذا ما غيّر ترامب موقفه تماماً”، ذلك أنه حالياً “مصاب بالشلل جراء احتمال نشوب حرب طويلة الأمد وخسائر بشرية فادحة ستكلفه بلا شك خسارة انتخابات التجديد النصفي”، متوقعاً أن ينجح ترامب في التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ وبذلك “لن يكون كل شيء قد ضاع، إذ يمكنه حفظ ماء وجهه وإنهاء الصراع بتقديم نفسه كمنتصر عظيم على إيران، على عكس جميع أسلافه الذين، بحسب قوله، اضطروا للخضوع ‘ . وإذا ما تم تبني هذا الخيار ، فستكون إسرائيل أمام موقفين إما الانضمام إلى أي اتفاق أمريكي مع إيران أو مواصلة حربها وحيدة مع إيران ؟؟ أو على الأقل متابعة عملية حربها مع حزب الله لإنشاء منطقة أمنية خالية من السكان في جنوب لبنان، خاصة وأن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى تصنف هذا الحزب كـ “منظمة إرهابية”. في حين أن حكومة لبنان أصدرت قرارا بنزع أسلحته معتبرة بأن عملياته تهدد الأمن القومي وتخدم سياسة إيران الشيء الذي جعلها تعتبر السفير الإيراني بلبنان شخصية غير مرغوب فيها .
اترك تعليقاً