من العروي إلى الطوزي.. كيف فكك بوجبير نرجسية القيادات الحزبية المتمسكة بالكرسي؟
قراءة سوسيولوجية في مقال فؤاد بوجبير – مجلة “Maroc Hebdo” (العدد 1616)
في المقال الأخير للكاتب فؤاد بوجبير، المنشور بمجلة “ماروك إيبدو” (مارس 2026)، لا نقف أمام مجرد تحليل أكاديمي جاف، بل أمام ما يمكن اعتباره “محاكمة سوسيولوجية” لنموذج قيادي بات يهيمن على المشهد الحزبي المغربي. وللأمانة العلمية، يتناول بوجبير هذه الظاهرة في بعدها البنيوي داخل المشهد السياسي المغربي، دون الإحالة إلى أسماء بعينها، مما يجعل تحليله أقرب إلى تشخيص سوسيولوجي عام، قابل للانطباق على أكثر من حالة.
وفي هذه القراءة، نحاول توظيف أدوات التحليل السوسيولوجي لفهم مضامين نص بوجبير، مع الإقرار بأننا ننتقل من مستوى الوصف العام إلى مستوى التأويل. وانطلاقا من هذه القراءة، نرى أن بعض المؤشرات الواردة في المقال يمكن أن تنطبق على نموذج من نماذج القيادة الحزبية، دون الجزم بأن النص يحيل إليه بشكل صريح.
المثقف في مواجهة “الأنا” المتضخمة
لقد نجح بوجبير في تحويل “الميغالومانيا” (جنون العظمة) من مجرد توصيف نفسي إلى ظاهرة سوسيولوجية مقلقة. وعندما يستحضر عبد الله العروي، فإنه يلمّح إلى مفارقة “الحداثة الشكلية” التي قد تتبناها بعض القيادات الحزبية؛ حيث تتحول الأحزاب، التي يُفترض أن تقوم على العمل الجماعي، إلى بنى عمودية تُختزل فيها السلطة داخل “شخص محوري”، يعيد إنتاج أنماط تقليدية في القيادة تحت غطاء حداثي.
هندسة الفراغ: مقاربة الطوزي
من خلال استحضار مقاربة محمد الطوزي حول “تجسيد البنية في الشخص”، يبرز بوجبير آلية دقيقة في اشتغال هذا النموذج القيادي، حيث لا تستمد القوة من المشروع السياسي بقدر ما تُبنى عبر إضعاف المؤسسة نفسها. في هذا السياق، يمكن فهم تراجع أدوار الكفاءات وتهميش النخب الحزبية كجزء من دينامية تُفرغ التنظيم من تعدديته، ليظهر القائد كخيار وحيد داخل بنية شبه فارغة.
السياسة كـ”فرجة” وتضخم إعلامي
باستدعاء مفاهيم ماكس فيبر ودومينيك وولتون، يكشف بوجبير عن تحول العمل السياسي من مجال للصراع حول البرامج والأفكار إلى فضاء لصناعة الصورة والتموقع الإعلامي. فـ”الكاريزما”، وفق هذا المنظور، لم تعد تعبيرا عن شرعية نابعة من القاعدة، بل قد تتحول إلى أداة لتعويض ضعف البنية التنظيمية، عبر تكريس حضور القائد كـ”علامة” أكثر منه فاعلا سياسيا داخل مؤسسة.
حتمية التحول.. بين قسوة التشخيص ورومانسية الحل
يختم بوجبير تحليله بنبرة استشرافية تستلهم روح فاطمة المرنيسي، مشيرا إلى أن هذا النموذج القيادي يواجه تحديات متزايدة مع صعود فئات اجتماعية جديدة أكثر ارتباطا بقيم الكفاءة والمحاسبة.
وهنا نفتح قوسا لملاحظة ظريفة لا تنقص من قيمة المقال، بل تضفي عليه مسافة نقدية؛ فاستشراف بوجبير جاء مفرطا في تفاؤله، بل بدا “رومانسيا” إلى حد ما. فبينما نجح ببراعة في توصيف تلك “البنى العمودية الخرسانية” المغلقة، فإنه لم يوضح لنا كيف لهذه الفئات الجديدة “الناعمة” أن تخترق أسوارا وصفها هو نفسه بأنها منيعة؟ لقد قدم لنا بوجبير “وصفة الخلاص” بروح حالمة، لكنه احتفظ بـ”خريطة الطريق” لنفسه، تاركا القارئ يتساءل عن الكيفية التي سيُهزم بها “الكرسي” أمام مجرد تحولات مجتمعية هادئة.
خاتمة
مقال بوجبير ليس مجرد نقد لواقع حزبي، بل هو دعوة لإعادة التفكير في طبيعة القيادة السياسية وحدودها. إنه انتقال من سؤال “من يقود؟” إلى سؤال “كيف تُبنى القيادة؟”. وبينما يظل النص مفتوحا على تأويلات متعددة، فإن الرسالة الأعمق التي يحملها هي أن مستقبل العمل السياسي لم يعد رهينا بـ”الزعيم”، بل بقدرة المؤسسات على إنتاج المعنى، وتجديد النخب، واستيعاب تحولات المجتمع.
اترك تعليقاً