وجهة نظر

التموقع الجيوسياسي الجديد لمغرب الحسن الثالث.. من هي حكومة الاستحقاقات الكبرى؟

علاء الدين بنهادي

شهد النظام العالمي في عام 2026 تحولات هيكلية عميقة ومضطربة، تتسم بتصاعد النزاعات المسلحة المباشرة وتفكك سلاسل التوريد العالمية ونهاية نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية ثنائي القطبية، جراء تفجر الأوضاع الأمنية في الممرات البحرية الحيوية ابتداء بالحرب الروسية الأوكرانية، 2022، ثم الآن، الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، 2026، مرورا بطوفان الأقصى، 2023، وسقوط نظام بشار ووصول جبهة تحرير الشام للحكم في دمشق، 2024، ومن ورائهم دول أخرى تدعم هذا الطرف أو ذاك، روسيا والصين ودول الخليج وأوروبا ودول عربية، حرب حول القوة والنفوذ والثروات والمواقع الجيواستراتيجية من ممرات مائية ومضائق في عصر الإمبراطوريات.

وفي خضم هذه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العنيفة، يجد المغرب نفسه في نقطة تقاطع استراتيجية غير مسبوقة، وتبلور إرادة سياسية ورؤية جيوسياسية لدى قادة الدولة، حيث تتداخل التحديات الأمنية العالمية مع ديناميات داخلية حاسمة ترسم ملامح مستقبل دولة تتموقع جيوسياسيا في مجالها الاستراتيجي الحيوي شرقا وجنوبا.

إن انتقال المغرب من مجرد “دولة عبور” تقليدية إلى فاعل محوري في الأمن الاقتصادي القاري والعالمي نظرا لموقعه الجيوسياسي والاستراتيجي الحيوي، مضيق جبل طارق، بعد دخول مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس دائرة الحروب والتوتر والأزمات والصراعات، يتزامن مع استحقاقات داخلية مصيرية ومفصلية، الترتيب لانتقال الحكم والتنزيل المرتقب لمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية وما يفرضه ذلك من مراجعات دستورية وقانونية ومؤسساتية عميقة، فضلا عن التحضير لانتخابات شتنبر 2026 في ظل احتقان اجتماعي متزايد، وبروز جيل جديد يطالب بإصلاحات جذرية تنهي حالة المراوحة والأزمات البنيوية، في غياب أحزاب قوية ومستقلة تحمل مشاريع مجتمعية وبرامج سياسية واقتصادية تخفف من الأزمات المستعصية مع حكومة تحالف ثلاثي فقد مشروعيته وفشل في مهامه، الأحرار والاستقلال والبام، بقيادة رجل الأعمال أخنوش.

وسنقدم في هذه الورقة البحثية تحليلا استراتيجيا مفصلا للتموقع الجيوسياسي المغربي الجديد، مستندا إلى قراءة دقيقة لتداعيات أزمة مضيق هرمز والبحر الأحمر، وعودة المكانة الاستراتيجية لمضيق جبل طارق، كما سنقوم بتفكيك الاستراتيجية المكانية للمغرب عبر موانئه الكبرى ومشاريع الربط القاري، الناظور وطنجة والدار البيضاء والداخلة، ثم سننتقل بعد ذلك لمعالجة المعادلة الداخلية المعقدة التي تشمل أزمة النخب السياسية، والاحتجاجات الشبابية، والتوجهات الملكية نحو إقرار حكامة جيدة، وتنزيل برامج الدولة الاجتماعية. ويخلص هذه التحليل إلى تقديم سيناريوهات وتوصيات دقيقة حول الهيكلة المثلى للحكومة المختارة القادمة لضمان استقرار الدولة، وتعزيز سيادتها، وتحقيق نهضتها المنشودة ورفاهية وسلم مجتمعها.

الصدمة الجيو-اقتصادية العالمية وصعود مضيق جبل طارق كشريان استراتيجي

لقد كشفت الأحداث العسكرية المتسارعة في أواخر فبراير ومارس 2026 في مختلف مناطق العالم عن الهشاشة البنيوية للنظام التجاري العالمي وارتباطه الوثيق بنقاط الاختناق البحرية، حيث أدت الضربات العسكرية المنسقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية في 28 فبراير 2026 إلى تصعيد غير مسبوق في منطقة الخليج، حيث أسفر هذا التصعيد، الذي شهد استهداف قيادات عليا ومقتل آية الله خامنئي، عن شلل شبه تام في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حيث انخفضت حركة الناقلات بنسبة 90% نتيجة انسحاب شركات التأمين وتزايد التهديدات الإيرانية المباشرة للسفن التجارية.

لم تقتصر التداعيات على أسواق الطاقة التي شهدت قفزة فورية في أسعار النفط لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، بل امتدت لتشمل سلاسل الإمداد العالمية للغاز الطبيعي المسال، والمواد الكيميائية، والمعادن، والسلع الغذائية، مما أدى إلى تضخيم نقاط الضعف القائمة في الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلا من التضخم.

إن مضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه حوالي 21 ميلا في أضيق نقاطه، كان يمر عبره في عام 2024 حوالي 20.3 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وحوالي 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا في عام 2025، إلى جانب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية قادمة من دول الخليج. وبالتزامن مع هذا الإغلاق الفعلي لهرمز، أعلنت حركة الحوثيين في اليمن استئناف هجماتها على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمر عبره عادة حوالي 4 ملايين برميل يوميا و12% من التجارة العالمية.

لقد أجبر هذا الوضع شركات الشحن العالمية الكبرى، مثل “ميرسك” و”هاباج لويد” و”سي إم إيه سي جي إم”، على تعليق عملياتها في الخليج وتحويل مسارات سفنها بالكامل نحو طريق رأس الرجاء الصالح والمحيط الأطلسي، مع فرض رسوم مخاطر حرب إضافية بلغت 1500 دولار لكل حاوية مكافئة و3500 دولار للحاويات المبردة.

في هذا السياق المتأزم، برز مضيق جبل طارق والواجهة الأطلسية للمغرب كملاذ آمن وحيوي لضمان استمرارية التجارة الدولية، وهذا يجعلنا نقف عند الرؤية الاستراتيجية للنخبة السياسية الحاكمة ببلادنا قبل عقدين على الأقل، حيث بدأت في إعداد المغرب مبكرا من ناحية البنى التحتية للتعامل مع هذه التطورات الجيوسياسية ليكون على موعد مع هذه المتغيرات. إن تحويل مسار السفن بعيدا عن قناة السويس والشرق الأوسط يجعل من الساحل المغربي النقطة المحورية لتدفق البضائع نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يعالج مضيق جبل طارق حاليا أكثر من 40% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك شحنات الطاقة الاستراتيجية.

لقد أدركت الدولة المغربية هذه اللحظة الجيوسياسية مبكرا، وعملت على تعزيز وضعها الأمني واللوجستي الاستباقي، حيث رفعت مستويات التأهب لوحدات البحرية الملكية وخفر السواحل العاملة على طول الممرات الأطلسية الرئيسية المتصلة بحركة المرور التجارية الكثيفة، وأصدرت توجيهات أمنية للموانئ وشركات الشحن تركز على مسارات التوجيه الموحدة وبروتوكولات الإبلاغ الصارمة، لضمان استمرارية التدفقات التجارية دون فرض أي قيود على الوصول أو إغلاق للموانئ.

كما نفذت البحرية الملكية المغربية، ممثلة في الفرقاطة طارق بن زياد، بالتنسيق مع نظيرتها الإسبانية الممثلة في الفرقاطة رينا صوفيا، مناورات بحرية مشتركة في مياه مضيق جبل طارق وبحر البوران ضمن عملية “حارس البحر” (Sea Guardian) التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد هدفت هذه المناورات إلى مواجهة التهديدات المتزايدة من الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود التي تستخدم تقنيات متطورة كالطائرات المسيرة والسفن غير المأهولة، مما يكرس تموقع المغرب كحارس موثوق للأمن البحري الإقليمي والدولي، ليس فقط من أجل مصالح أوروبا وأمريكا الحيوية في المنطقة الأورومتوسطية والأطلسية كما كان في الماضي، ولكن من أجل مصالحه الوطنية والقومية في إطار أدواره الجيوسياسية الجديدة في الإقليم المغاربي والقاري في الساحل جنوب الصحراء، بل حتى في منطقتي القرن الإفريقي والخليج العربي.

الاستراتيجية المكانية والبنية التحتية: أذرع القوة الجيو-اقتصادية المغربية

لتحقيق الاستفادة القصوى من هذا التحول الدرامي في مركز الثقل البحري العالمي، لا يكتفي المغرب بالاعتماد السلبي على موقعه الجغرافي، بل يوظف استراتيجية متكاملة للبنية التحتية والموانئ تهدف إلى تحويل البلاد إلى منصة لوجستية وصناعية سيادية وعالمية. وتتجلى هذه الاستراتيجية في تكامل أدوار ثلاثة موانئ رئيسية، الداخلة والناظور وطنجة، مدعومة بمشاريع قارية ضخمة تعيد رسم الخرائط الاقتصادية والأمنية والعسكرية واللوجستية وسلاسل التوريد.

  • ثالوث الموانئ: طنجة المتوسط، الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي

يشكل ميناء طنجة المتوسط حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، حيث أثبت قدرته الاستيعابية الهائلة بمعالجة أكثر من 11 مليون حاوية وإجمالي 8.6 مليون طن من البضائع السائلة في عام 2025، مما جعله المحور الأبرز لإعادة الشحن في البحر الأبيض المتوسط. واستكمالا لهذا النجاح، يستعد المغرب لافتتاح ميناء “الناظور غرب المتوسط” في أواخر عام 2026، بتكلفة تقدر بـ 5.6 مليار دولار أمريكي (أو ما يعادل 7.61 مليار درهم مغربي في مراحله الأولى). ويمثل هذا الميناء قفزة نوعية في القدرات اللوجستية للمغرب، حيث صمم بقدرة استيعابية مبدئية تبلغ 5 ملايين حاوية سنويا، قابلة للتوسعة لتصل إلى 12 مليون حاوية، ومعالجة 35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية القصوى لميناء الناظور في سياق أزمة الطاقة العالمية في احتوائه على أول محطة للغاز الطبيعي المسال (LNG) في المغرب بقدرة سنوية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، من خلال وحدة تخزين وإعادة تغويز عائمة Gasification (Syngas)، إلى جانب محطة ضخمة للمحروقات. وينسجم هذا التوجه المؤسس للميناء تماما مع استراتيجية “السيادة الوطنية” التي يتبناها المغرب. وقد تعززت حظوظ نجاح الميناء ومكانته الدولية بتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية في أكتوبر 2025 بين “مرسى ماروك” و”سي إم إيه تيرمينالز” (CMA Terminals) لإدارة وتطوير محطة الحاويات الغربية، والتي ستدخل حيز التشغيل التدريجي بدءا من عام 2027 بقدرة 1.8 مليون حاوية مكافئة، مما يكرس إدماج المغرب في طرق التجارة البحرية العالمية ويعزز تنافسيته.

وبالتوازي مع هذا التوسع المتوسطي الكثيف، يتجه المغرب بقوة وتصميم نحو عمقه الإفريقي عبر واجهته الأطلسية، حيث يمثل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي تجاوزت نسبة إنجازه 50% بحلول أواخر عام 2025 والمقرر تسليمه في أواخر عام 2028، حجر الزاوية في النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. بتكلفة تقدر بمليار دولار أمريكي، لا يقتصر دور هذا الميناء العميق على تلبية الاحتياجات المحلية لمدينة الداخلة، بل تم تصميمه ليكون محورا لوجستيا وصناعيا متعدد الهويات يمتد على مساحة 1650 هكتارا، يضم أرصفة تجارية بطول 675 مترا، ومحطة نفطية، ومركزا ضخما للصيد البحري، ومنطقة لوجستية وصناعية بمساحة 650 هكتارا.

إن الهدف الجيوسياسي لميناء الداخلة الأطلسي هو إعادة موازنة الممرات اللوجستية وربط المغرب بأسواق إفريقيا جنوب الصحراء والأمريكيتين، وتوفير منصة ثانية للصادرات على المحيط الأطلسي، علاوة على كونه بنية تحتية حاسمة لتطوير صناعة الهيدروجين الأخضر، مما يضع المغرب في صلب تحولات الطاقة النظيفة المستقبلية ويدعم خلق أكثر من 20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

  • المبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب: هندسة الاندماج القاري

تتجاوز الرؤية المغربية بناء الموانئ المعزولة لتركز على هندسة اندماج إقليمي وقاري شامل. ففي نونبر 2023، وفي الذكرى الثامنة والأربعين للمسيرة الخضراء، أطلق الملك محمد السادس المبادرة الأطلسية الهادفة إلى توفير وصول بحري استراتيجي لدول الساحل غير الساحلية (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية من طرق وموانئ وسكك حديدية. تأتي هذه المبادرة في ظل سياق إقليمي بالغ التعقيد يتسم بعدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية والعقوبات الدولية المفروضة على بعض دول الساحل، مما أثر سلبا على اقتصاداتها وأضعف مستوى تنميتها بنسبة 20% مقارنة بما يجب أن تكون عليه كدول ساحلية.

وتتبنى المبادرة الأطلسية المغربية مقاربة تنموية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية البحتة لتركز على “التنمية المشتركة” والتضامن الإقليمي. فهي تهدف إلى تخفيف العبء اللوجستي الثقيل على دول الساحل، حيث تمثل تكاليف الخدمات اللوجستية حاليا بين 30% إلى 40% من قيمة وارداتها، وتسعى إلى تحويل طرق التجارة الإقليمية من قنوات غير رسمية وعرضة للتهريب إلى قنوات رسمية عبر بنية تحتية رقمية ومادية متطورة. هذه الاستراتيجية الجيو-اقتصادية تقدم بديلا تنمويا حقيقيا يساهم في إرساء الاستقرار الإقليمي وتقليص الاعتماد على الفاعلين الأمنيين غير التابعين للدول (مثل مرتزقة فاغنر) في المنطقة، معتمدة على دمج أنظمة الطاقة وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة مستفيدة من الإمكانات الشمسية الهائلة للساحل وخبرة المغرب المتراكمة.

ويتعزز هذا الاندماج الإقليمي بالمشروع السيادي الضخم لأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب (NMGP) بتكلفة تصل إلى 25 مليار دولار أمريكي وبطول يبلغ 5660 كيلومترا، يهدف الأنبوب إلى نقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا من حقول الإنتاج في نيجيريا والسنغال وموريتانيا عبر 13 دولة في غرب إفريقيا وصولا إلى الشبكة المغربية ومنها إلى الأسواق الأوروبية. وبحلول عام 2025، شهد المشروع تقدما مؤسساتيا حاسما مع إعلان الانتقال من مرحلة الدراسات إلى تأسيس “شركة المشروع” المخصصة لتعبئة التمويل اللازم ومركزة الحكامة، بمشاركة مؤسسات مانحة رئيسية مثل البنك الإسلامي للتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، وصندوق الأوبك للتنمية، إلى جانب التزام تمويلي من دولة الإمارات العربية المتحدة، تمهيدا لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID) بحلول نهاية عام 2025.

هذا المشروع الاستراتيجي لا يضمن فقط أمن الطاقة للمغرب ولحوالي 400 مليون نسمة في غرب إفريقيا، بل يعزز من مكانة المغرب كعقدة ربط جيوسياسية لا غنى عنها بالنسبة لأوروبا، التي لا تزال تبحث باستماتة عن طرق إمداد طاقية مستقرة وبديلة في ظل أزمات الشرق الأوسط المتفجرة.

التنزيل الدستوري والمؤسساتي لمقترح الحكم الذاتي: تحدي السيادة المتقدمة

إن هذه الطفرة الجيوسياسية والاقتصادية للمغرب لا يمكن أن تتعزز وتستدام دون الحسم النهائي لملف الصحراء المغربية وتنزيل مقترح الحكم الذاتي، وهي طفرة تضافرت بشأنها عوامل مادية ولامادية، داخلية وخارجية، ساهمت الدولة المغربية في التخطيط والاستعداد لها إلى حد بعيد.

لقد حظي هذا المقترح بدعم دولي متزايد ولا رجعة فيه، توجه الإعلان الرئاسي الأمريكي في دجنبر 2020 تحت إدارة دونالد ترامب بالاعتراف الكامل بالسيادة المغربية على كافة أراضي الصحراء، واعتبار الحكم الذاتي الأساس الواقعي والوحيد الممكن لحل النزاع، إضافة لقرار مجلس 2797 الداعم للمقترح وما تبعه من اجتماعات في مدريد وواشنطن، مع التأكيد على أن قيام دولة صحراوية مستقلة ليس خيارا واقعيا برأي دول وازنة في المجتمع الدولي، خاصة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. غير أن تنزيل هذا المقترح على أرض الواقع يفرض تحديات هيكلية دقيقة تقتضي مراجعة دستورية وتنظيمية وقانونية عميقة لضمان انسيابيته داخل البنية المؤسساتية لبلادنا وتأمين ديمومته واستشراف آثاره على عموم جهات البلاد.

ووفقا للتسريبات والنقاشات الدائرة حول وثيقة الحكم الذاتي، يجب إدماج “نظام الحكم الذاتي” في صلب الدستور المغربي لضمان مكانته الخاصة في الهندسة القانونية الوطنية وحمايته من التقلبات السياسية. ويتطلب هذا بناء هندسة مؤسساتية معقدة وشاملة تتضمن العناصر التالية:

أولا، تأسيس سلطة تشريعية جهوية منتخبة ديمقراطيا تعكس التمثيلية السياسية الفعلية لساكنة الأقاليم، وتتمتع بصلاحيات تشريعية حقيقية في المجالات المحددة لها دون التعدي على الاختصاصات الحصرية للدولة.

ثانيا، تشكيل سلطة تنفيذية جهوية قوية تدير الشؤون المحلية وتشرف على تنفيذ السياسات العامة في الإقليم، مع ضرورة تحديد آليات دقيقة لتنظيم علاقتها التراتبية والتنسيقية مع السلطة المركزية في العاصمة.

ثالثا، إرساء تنظيم قضائي مستقل جهويا يشمل محاكم تعمل تحت مظلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخضع للقوانين الوطنية، مع منح حق الاحتكام المباشر للمحكمة الدستورية لفض أي نزاعات محتملة حول الاختصاصات. رابعا، وضع نظام مالي واقتصادي وضريبي مستقل يمكن الجهة من تحصيل الإيرادات المحلية الضرورية لتمويل مشاريع التنمية، في تكامل تام مع آليات التضامن الوطني التي توفرها الدولة.

إن التحدي الأكبر والمفصلي في هذا التنزيل يكمن في ترسيخ وتطبيق “مبدأ الولاء الدستوري” (Constitutional Loyalty)، حيث يفرض هذا المبدأ كمعيار قانوني وسياسي أساسي أن تعمل كافة السلطات الجهوية المتمتعة بالحكم الذاتي في التزام تام ومطلق بوحدة الدولة، والتضامن الوطني، وتماسك السياسات العامة الوطنية. ويترافق ذلك بالضرورة مع صياغة بند “ضمانة دستورية” حازم يتيح للدولة المركزية، بشكل استثنائي ومؤقت ووفق إجراءات قانونية صارمة، تعليق بعض الصلاحيات الجهوية في حال حدوث انتهاكات جسيمة للنظام الدستوري أو الوحدة الترابية لبلادنا.

إن هذا التنزيل المعقد يتطلب نخبة سياسية وقانونية ذات كفاءة عالية، قادرة على إدارة هذا التحول الدقيق، وصياغة قوانين تنظيمية توازن ببراعة بين الاستقلالية الجهوية الواسعة والسيادة الوطنية المطلقة، مع تفعيل آليات المصالحة الوطنية وتأمين العودة الكريمة للساكنة المحتجزة في المخيمات لدمجهم في النسيج الوطني.

الديناميات الداخلية: أزمة التمثيلية، الاحتجاجات الشبابية، وسيناريوهات 2026

رغم الإنجازات الجيوسياسية والدبلوماسية المهمة التي يحققها المغرب على الصعيد الخارجي، تواجه الدولة مفارقة داخلية حادة ومعقدة. فالنجاح الملحوظ في بناء “دولة البنية التحتية” لم يواكبه حتى الآن نجاح مماثل في إرساء دعائم “الدولة الاجتماعية” المأمولة والتي نص عليها صراحة تقرير النموذج التنموي الجديد (NMD)، والذي يهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية بحلول عام 2035. وقد تجلت هذه المفارقة المجتمعية بوضوح مقلق في سلسلة الاحتجاجات غير المسبوقة التي اندلعت في خريف 2025 (بين 27 شتنبر و18 أكتوبر)، والتي قادها بامتياز الجيل الجديد (Gen Z) بتنظيم لا مركزي وعبر شبكات التواصل الاجتماعي بعيدا عن الأطر الحزبية التقليدية.

ويتزامن هذا الاحتقان الاجتماعي العميق مع اقتراب موعد الانتخابات العامة التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، إلا أن الساحة السياسية المغربية تعاني قبيل هذه الاستحقاقات من أزمة ثقة مستفحلة وفقدان للمصداقية في جل الفاعلين السياسيين. وقد أظهرت نتائج الدورة العاشرة لاستطلاعات “أفروباروميتر” في المغرب (المنشورة في مايو 2025) انهيارا في شعبية الحكومة الحالية، حيث عبر 37.9% من المستجوبين عن انعدام ثقتهم إطلاقا برئيس الحكومة عزيز أخنوش، بينما أعرب 27.7% عن ثقة ضعيفة جدا، وبلغت نسبة الرفض التام لسياساته أكثر من 61%.

هذا الضغط الشعبي المتزايد كان وراء إلى إعلان عزيز أخنوش بشكل مفاجئ، وبعيدا عن إرادته، في يناير 2026 عن عدم نيته الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، ما أحدث زلزالا سياسيا أربك المشهد الحزبي الذي يتجه نحو استحقاقات ساخنة، وربما سيضعف مركز هذا الحزب في الاستحقاقات القادمة بسبب الارتباك الداخلي وطبيعة القيادة الجديدة، إلى جانب غريمه حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعاني، هو الآخر، من صراعات داخلية وتشتت قيادته الثلاثية وغلبة الهرولة من أجل التزكيات الانتخابية بين الأعيان المهاجرين بين الأحزاب عند كل استحقاق، إضافة لجيل جديد حديث الخبرة السياسية وضعيف في التواصل الاجتماعي.

في الضفة المقابلة، تعاني جل أطراف المعارضة السياسية من تشرذم غائر وفقدان للبوصلة الاستراتيجية بسبب صراع الزعامات بينها. فحزب العدالة والتنمية (PJD) لم يتعافَ تماما من هزيمته الانتخابية الساحقة في 2021، رغم محاولات أمينه العام عبد الإله بنكيران إعادة بناء الحزب واستقطاب القاعدة المحافظة عبر استدعاء سياسات الهوية الخطابية ومغازلة الحس الديني لدى المغاربة بالرغم من آثار توقيع العثماني للاتفاقية الإبراهيمية على قاعدة الحزب وجمهور الناخبين، وتوظيفه للقضية الفلسطينية في حملته، إلا أن التحدي يظل في القدرة على تقديم نموذج تنموي حقيقي وأجوبة لمشاكل المغاربة الاجتماعية والاقتصادية.

أما أحزاب اليسار (مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية) فتعيش حالة ركود وضعف في اجتذاب الأجيال الشابة. وفي خضم هذا الفراغ، بدأت تتبلور تحالفات سياسية جديدة للبحث عن موطئ قدم، مثل “التحالف الشعبي” الذي يجمع حزب الحركة الشعبية والحزب الليبرالي المغربي والحزب الوطني الديمقراطي، غير أن قدرة هذا التحالف، بقيادة الحركة الشعبية، على تقديم بديل حكومي مقنع وقوي أمام أزمات حكومة أخنوش، وفي هذه الظرفية الوطنية والدولية المعقدة، وإقناع الملكية، في إطار المتن والنص الدستوري، على استعداد الحركة لتحمل أو الانخراط في تحمل المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة المتعددة الانتظارات محليا ودوليا، يجب أن تكشف عنه الحركة الشعبية، باسم حلفائها وقوى حزبية أخرى، في مقبل الأيام بإدارة محكمة ومقنعة، وفريق عمل سياسي خبير وملم بالملفات الوطنية والدولية وبالمرحلة الراهنة والقادمة.

معادلة الحكامة الجيدة: إعادة هندسة الحقل السياسي والاستراتيجية الملكية

على امتداد العقدين الماضيين، اعتمدت الدولة المغربية، كآلية للحفاظ على الاستقرار، استراتيجية مستمرة لاستقطاب وتدوير النخب السياسية والاقتصادية (Elite Co-optation and Rotation)، مستفيدة من الإصلاحات النيوليبرالية الكبرى لتوطيد التحالف بين المؤسسة الملكية والنخب المحلية الوطنية الجديدة. وقد تجلى هذا التوجه في تكليف التكنوقراط بالملفات الاستراتيجية والاقتصادية الكبرى للحفاظ على مسافة آمنة من التقلبات الحزبية وضعف كفاءة جل الفاعلين السياسيين المنتخبين، غير أن هذه الاستراتيجية، التي ترافقت مع غياب ديمقراطية تشاركية حقيقية وضعف قنوات التوزيع الريعي التقليدية، بدأت تستنفد أغراضها، فكان عنوانها الأبرز إخراج عزيز أخنوش بقرار خارج عن إرادته من المشهد السياسي نهائيا.

إدراكا لهذه الاختلالات البنيوية، وتفاعلا مع احتجاجات الشباب وتآكل الثقة، تدخلت الدولة بتوجيهات ملكية صارمة عبر وزارة الداخلية لهندسة إصلاحات انتخابية وسياسية واسعة النطاق لعام 2026، فيما يُعرف بـ “المعادلة الجديدة للحكامة الجيدة” New Formula for Good Governance))، حيث تسعى هذه الإصلاحات لكسر الحلقة المفرغة بين السلطة والمال السياسي، وتكريس شفافية غير مسبوقة استعدادا لاستحقاقات شتنبر القادم.

وتتضمن مسودة القوانين الانتخابية الجديدة إرساء آليات رقابة مالية وتقنية صارمة لتتبع التدفقات المالية غير المشروعة للمرشحين، ومراقبة الحسابات البنكية والنفقات المشبوهة، مع تنفيذ خطة وطنية لمنع استغلال العمل الخيري والاجتماعي (كالقفة الرمضانية والمساعدات العينية) لشراء الأصوات، وهي ممارسات طالما رصدها المجلس الأعلى للحسابات. كما وجهت وزارة الداخلية إشارات حازمة وقاطعة للأحزاب السياسية بضرورة الامتناع التام عن تزكية أي مرشحين تحوم حولهم شبهات الفساد أو المتابعين في جرائم انتخابية، مع إشراك المواطنين في الرقابة عبر خطوط اتصال مباشرة للتبليغ عن الرشوة.

كما تتوازى هذه الإجراءات التقنية مع تحول نوعي ومنهجي في فكر الدولة الموجه للنخب، وهو ما تجلى بوضوح في الخطابات الملكية الأخيرة لعامي 2024 و2025. فقد انتقل الملك محمد السادس من مجرد التوجيه الاستراتيجي إلى إرساء مفهوم “المسؤولية المشتركة” (Shared Responsibility) في تدبير الشأن العام.

وفي خطابه بافتتاح السنة التشريعية الخامسة للبرلمان في أكتوبر 2025، أكد الملك بوضوح لا لبس فيه أن الإخفاقات والتعثرات في تنزيل السياسات العامة لا تتحملها الحكومة المركزية وحدها، بل هي مسؤولية هيكلية تشترك فيها الأحزاب السياسية، والبرلمان، والمجالس المنتخبة محليا وجهويا، وفعاليات المجتمع المدني. هذا الخطاب يتناغم مع تشخيص محكمة الحسابات وتقرير النموذج التنموي الجديد اللذين يحذران من أن العمل العام في المغرب يعاني من التفتت وتداخل الصلاحيات وضعف التنسيق المؤسساتي.

التوجهات المطلوبة للمرحلة: أدوار النخبة والمؤسسة الملكية في المنعطف الجيوسياسي

لضمان نجاح الدولة المغربية في استثمار ميزاتها التنافسية الجغرافية واللوجستية، ولتجنب الارتداد نحو الأزمات البنيوية التي تعيق مسار النهضة، يجب أن تتأسس قواعد جديدة للعمل السياسي تتضافر فيها جهود النخبة الحزبية والاقتراحية وتوجهات المؤسسة الملكية.

أولا: أولوية التجديد والفعالية لدى النخبة المحلية والحزبية

تتحمل الأحزاب السياسية المسؤولية التاريخية عن تردي جودة الوساطة المجتمعية. وللوقوف مع الدولة في هذا المنعطف الجيوسياسي الحرج، يجب على النخبة الحزبية الجادة والنخبة الوطنية الجديدة القيام بخطوات جذرية:

  • إنهاء مرحلة الزبونية والتجديد العميق للقيادات: على الأحزاب التخلي الفوري عن سياسة “إعادة تدوير” نفس الوجوه والقيادات المستهلكة أو الاعتماد الحصري على الأعيان ذوي النفوذ المالي. لقد بينت استطلاعات الرأي والاحتجاجات أن الجيل الجديد يبحث عن الكفاءة والنزاهة الإنجازية، لذا، يجب فتح الآليات الحزبية الداخلية لاستيعاب الطاقات الشبابية الأكاديمية والميدانية التي برزت في الحركات الاحتجاجية وحركات المجتمع المدني، ودمجهم كصناع قرار لا كأدوات تأثيث، وإجراء تغيير كبير في قيادات هذه الأحزاب يناسب المرحلة السياسية القادمة.
  • التموضع كقوة اقتراحية فكرية وليس كآلة انتخابية فقط: على النخبة السياسية والفكرية مغادرة مربع ردود الأفعال لإنتاج أوراق سياسات ومقترحات (White Papers)، عملية ترسم معالم السياسات العامة بدقة، على غرار المبادرات التي تنتجها مراكز التفكير المغربية. هذا الجهد الفكري ضروري لترجمة طموحات النموذج التنموي الجديد إلى برامج حكومية قابلة للقياس والتنفيذ.
  • مواكبة الدينامية الجيوسياسية ودعم الدبلوماسية الموازية: يقع على عاتق النخبة البرلمانية والحزبية والاقتراحية تأطير الرأي العام وطنيا ليفهم الكلفة الاقتصادية للتحولات الخارجية، والانخراط بفعالية في الدبلوماسية الموازية للتسويق الدولي لمقترح الحكم الذاتي للصحراء المغربية وللمشاريع القارية (المبادرة الأطلسية)، وذلك عبر لغة حديثة ترتكز على المصالح الاقتصادية المشتركة والتنمية المندمجة بعيدا عن الشعارات المستهلكة.
  • تأهيل الكفاءات لتدبير الحكم الذاتي: نظرا للأهمية الاستراتيجية للتنظيم الجهوي المنتظر في الأقاليم الجنوبية، يفرض على الأحزاب والنخبة الوطنية الجديدة مسؤولية عاجلة في تكوين وتدريب كوادر سياسية قادرة على فهم الحكامة الترابية المعقدة، وإدارة الميزانيات الجهوية باستقلالية وكفاءة، بما يضمن التوازن الدقيق بين الاستقلالية الإدارية ومبدأ الولاء الدستوري للدولة المركزية.

ثانيا: دور المؤسسة الملكية في تحصين الخيار الديمقراطي وتمكين النخب

إن المؤسسة الملكية، بصفتها حامية الدستور وضامنة دوام الدولة واستمرارها، مطالبة في هذه المرحلة الدقيقة بتبني مقاربة وازنة ومزدوجة تجاه الحقل السياسي:

  • حماية الخيار الديمقراطي واستقلالية الفعل الحزبي: لكي تتمكن النخبة الوطنية الجادة والجديدة، حزبية وغير حزبية، من البروز وقيادة المرحلة، ينبغي على أجهزة الدولة توفير مسافة آمنة تضمن حرية المنافسة السياسية الشريفة. كما يجب أن يترجم تطبيق القوانين الانتخابية الصارمة ضد الرشوة واستعمال المال السياسي والترحال السياسي بصرامة متساوية وحياد تام تجاه جميع الأطياف الحزبية، لمنع هيمنة لوبيات المال على القرار السياسي وإعادة بناء الثقة في صناديق الاقتراع كمحدد وحيد للمسار الحكومي بعد فشل الحكومة الحالية في تحقيق ذلك.
  • التمكين السياسي للحكومة وتجنب الحماية المفرطة للتكنوقراط: رغم الحاجة الماسة والموضوعية إلى كفاءات تكنوقراطية لتسيير القطاعات الاقتصادية والسيادية الحساسة، ينبغي على المؤسسة الملكية دعم تشكيل حكومة يقودها سياسيون حقيقيون يمتلكون شرعية شعبية وقدرة على التواصل الجماهيري. هذا التوجه سيمكن الحكومة من تحمل الكلفة السياسية للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة (كإصلاح صندوق المقاصة وأنظمة التقاعد) وامتصاص الصدمات، بدلا من تركيز الغضب الشعبي وجها لوجه مع المؤسسة الملكية جراء اختباء الأحزاب الضعيفة خلف التوجيهات الملكية.
  • مأسسة الحوار المباشر مع جيل Gen Z: إدراكا لقصور جل الأحزاب كقنوات وساطة، لا ينبغي الاكتفاء بالهندسة الانتخابية، بل يجب التفكير في خلق آليات ومجالس تشاورية مبتكرة تتيح للدولة الاستماع المباشر والدائم لنبض الجيل الجديد وطموحاته، لفك العزلة وتجاوز النخب الوسيطة الهشة.
  • الإشراف الاستراتيجي على حكامة تنزيل الحكم الذاتي: نظرا للحساسية السيادية البالغة لملف الصحراء، يجب أن تمارس المؤسسة الملكية دورها الدستوري الاستراتيجي في الإشراف، مباشرة وعبر حكومة سياسية وطنية مسؤولة، على مرحلة الهندسة الدستورية لمقترح الحكم الذاتي وبناء الدولة الاجتماعية والتموقعات الجيوسياسية الجديدة للدولة المغربية وانطلاق المشاريع الاقتصادية الكبرى. ويمكن تفعيل ذلك عبر تشكيل لجان خبراء وحكماء خارج منطق المحاصصة الحزبية الضيقة، لضمان صياغة قوانين تنظيمية رصينة تحصن وحدة الدولة وترسخ الاندماج الوطني بعيدا عن المزايدات السياسوية.

السيناريو الأمثل لعام 2026: هوية الأحزاب وتشكيلة الحكومة القادمة

بناء على التقاطع الحرج بين الضرورات الجيوسياسية الصارمة (إدارة الموانئ الكبرى، إنجاز خط أنبوب الغاز الأطلسي، تنزيل مقترح الحكم الذاتي والجهوية الموسعة، ضمان أمن مضيق جبل طارق ) والاحتقان الداخلي البنيوي المتفاقم (انهيار الثقة، بطالة الشباب، تراجع جودة الخدمات العامة)، فإن السيناريو الأمثل والحتمي لطبيعة الحكومة التي يجب أن تقود المغرب في مرحلة ما بعد انتخابات شتنبر 2026 يتلخص في تشكيل “حكومة إنقاذ اجتماعي وتنمية سيادية بمرجعية سياسية-تكنوقراطية هجينة”، أو “حكومة تعايش سياسي-تكنوقراطي” قائمة على تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة لا على المناكفات الحزبية والإيديولوجية العقيمة.

إنه لا يمكن لنموذج حكومة رجال الأعمال والتكنوقراط الخالص، الذي هيمن على التجربة السابقة، 2021-2026، بل وخلال حكومات سابقة، أن يستمر بأمان، لأن شرعيته السياسية تآكلت تماما أمام الشارع الغاضب الذي يطالب بالإنصاف والمساواة، وأمام المتغيرات الجيوسياسي الكبرى إقليميا ودوليا، وفي الوقت ذاته، لا يمكن المغامرة بتسليم إدارة دولة مقبلة على التزامات دولية مصيرية ومشاريع ضخمة بمليارات الدولارات، إلى حكومة حزبية شعبوية تفتقر بشدة للكفاءة التقنية والرؤية الاستراتيجية.

لذلك، يجب أن تُبنى الهيكلة الحكومية المثلى على المرتكزات التالية:

– أولا، أن يتولى رئاسة الحكومة حزب ذو امتداد تاريخي، وعمق اجتماعي ومؤسساتي قوي، ويفضل أن تقود هذه المرحلة شخصية سياسية ذات جذور في أحد الأحزاب الوطنية العريقة مع الحاجة لتجديد قياداته وتقديم وجوه شابة ومخضرمة تقطع مع الإرث الريعي، كما يشترط في رئيس الحكومة القادم أن يكون شخصية مشهودا لها بنظافة اليد سياسيا واقتصاديا، ويمتلك قدرة استثنائية على الخطابة والتواصل المقنع مع الشباب والطبقات العاملة في القرى والمدن كرجل دولة لا كزعيم حزب، ليكون صمام أمان اجتماعي، وليس مجرد امتداد مصلحي للشركات الكبرى أو قطاع المال والأعمال.

– ثانيا، يجب إدماج أحزاب يمين الوسط الليبرالي التي تملك كفاءات مالية، ليس في صدارة المشهد السياسي القيادي، بل كأجنحة داعمة وخزانات للكفاءات التقنية لإدارة الحقائب ذات الطابع المالي والصناعي والفلاحي التي تتطلب تفاوضا دوليا دقيقا.

– ثالثا، الإبقاء على الأقطاب التكنوقراطية للمهام السيادية الحساسة، حيث يجب أن تسند الوزارات المرتبطة مباشرة بالأمن الاستراتيجي للدولة والدبلوماسية والتحولات الكبرى (كوزارة الخارجية لتدبير ملف الصحراء وتأمين التحالفات، وزارة الداخلية لهندسة الحكم الذاتي والإصلاحات الانتخابية، وقطاعات الاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة) إلى شخصيات تكنوقراطية من كفاءات الدولة العليا أو الحزبية أو النخبة الوطنية الجديدةالموثوقة من قبل الجهات العليا ذات مسار مهني مجرب وناجح، لضمان استمرارية سياسة “السيادة الوطنية” دون تشويش سياسي.

– وفي الأخير، يجب أن تتخذ الحكومة القادمة من “العقيدة الإنجازية” (Delivery-Oriented) مذهبا وحيدا لعملها، التزاما بالتوجيهات الملكية ومخرجات النموذج التنموي الجديد، بعد تكييفه وتعديله وفق المتغيرات الوطنية والجيوسياسية، حيث تتمثل مهمتها الجوهرية في إرساء “الدولة الاجتماعية” المأمولة عبر تحويل العوائد المالية الجيو-اقتصادية (من عائدات ميناء طنجة، والناظور، ومحطات الغاز، والتصدير الصناعي) إلى استثمارات مباشرة وفورية في الرأسمال البشري لتطوير منظومة الصحة والتعليم وخلق فرص شغل مستدامة.

إن هذه التركيبة الحكومية والتشريعية الهجينة والقوية ستوفر للمؤسسة الملكية الدرع السياسي الواقي لامتصاص الأزمات الاجتماعية، وتضمن في الوقت ذاته استمرارية آلة التنمية الجيوسياسية بأقصى درجات الكفاءة، مما يمكّن الدولة المغربية من ترسيخ نهضتها واستعادة نفوذها القاري والإقليمي في عالم يعاد تشكيله اليوم عبر ميزان قوة تحكمه استراتيجية ترتكز على الوسائل العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية والدبلوماسية لا على المناكفات الحزبية والميركانتيلية الضيقة.

لقد تعاملت الملكية مع جل الأحزاب من مختلف ألوان الطيف الفكري والإيديولوجي عبر التاريخ السياسي الوطني مند فجر الاستقلال، أحزاب قادت حكومات في سياقات دقيقة وحساسة، من اليساريين إلى الإسلاميين، ومن الاستقلاليين إلى التكنوقراطيين، فمن هو الحزب الذي سيكلف برئاسة الحكومة القادمة، حكومة الاستحقاقات الكبرى الاستراتيجية، في سياق أربع أهداف حيوية تعمل بلادنا على تحقيقها:

الأول؛ التموقعات الجيوسياسية الجديدة لدولتنا في محيطها الإقليمي والقاري لتنتقل من موضوع العلاقات الدولية إلى فاعل في العلاقات الدولية، وتستعيد سيادة الجغرافية التاريخية على كافة أراضيها، عبر المشاريع الكبرى التي أطلقتها ولازالت منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش.

ثانيا؛ إرساء أركان وبرنامج الدولة الاجتماعية لتقوية وتعزيز التعاقد الجديد بين الدولة، الملكية في جوهرها، والشعب، ومكافأة الإنسان المغربي على صبره على المحن والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية لعقود،  وإعادة الاعتبار له رفاهية وكرامة وتعليما وصحة.

ثالثا؛ تنزيل مقترح الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية، وفق دستور جديد أو مراجع، يعكس المرحلة والمتغيرات المحلية والإقليمية، وإعادة ترتيب بيتنا الداخلي على أساس جهوية موسعة متكافئة وعادلة وحكم المؤسسات والقانون.

رابعا؛ وهذا هو الهدف الاستراتيجي، انتقال الحكم لولي العهد الأمير الحسن لاستكمال ما بدأه والده الملك محمد السادس في إطار الاستمرارية البناءة، والحكم الراشد، بالشراكة مع النخبة الجديدة والأحزاب الوطنية الجادة، ومشروع دولة مغربية تمتلك اليوم شرعية التحرك خارج حدودها التقليدية لضمان وتعزيز مصالحها القومية الاستراتيجية في عمقها الجيوسياسي المغاربي ومجالها الحيوي في الساحل جنوب الصحراء، وهناك في امتداداتها الاستراتيجية الاقتصادية والأمنية والعسكرية والدينية في منطقتي الخليج والقرن الإفريقي.

أمام هذه الأهداف الاستراتيجية الأربعة لدولة مغربية جديدة مؤثرة، ومجتمع شاب طموح ومتطلع لمستقبل أفضل، تحت قيادة ملكية جديدة، ودعم نخبة وطنية جديدة، حزبية وتكنوقراطية مسيسة ومخضرمة، أمام كل هذا، يبقى هناك سؤال، ما هي طبيعة وهوية هذه الحكومة التاريخية القادمة، ومن سيكون على رأسها بعيدا عن إعادة تدوير وجوه مستهلكة ومستعملة، وما هي تركيبتها الحزبية ومهامها إلى جنب العاهل الجديد الملك الحسن الثالث، قائد هذه المشاريع الأربعة الكبرى؟

* دبلوماسي سابق / باحث في العلوم السياسية والجغرافية السياسية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *