نحو محاسبة مبنية على الأداء والنتائج
في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول إصلاح الإدارة العمومية، يعود إلى الواجهة مبدأ دستوري أساسي: ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن هذا المبدأ، على أهميته، ظل في كثير من الأحيان محصورًا في بعده النظري، دون أن يتحول إلى ممارسة مؤسساتية فعالة قادرة على إحداث الأثر المطلوب في الواقع.
لقد آن الأوان للانتقال من مجرد المحاسبة التقليدية إلى مستوى أكثر تقدمًا، يقوم على قياس الأداء الفعلي للمسؤولين وربط التعويضات بالنتائج المحققة. فالمشكل الحقيقي الذي تعاني منه العديد من الإدارات والمؤسسات ليس غياب القوانين أو ضعف النصوص، بل غياب آليات دقيقة وواضحة لتقييم المردودية وربطها بالمسؤولية.
إن عدداً من المسؤولين، سواء كانوا منتخبين أو معينين، يزاولون مهامهم لسنوات دون تقييم موضوعي لأدائهم، ودون مساءلة حقيقية عن حصيلة إنجازاتهم. فتُصرف الميزانيات، وتُعلن البرامج، وتُقدم الوعود، لكن دون أن يكون هناك قياس دقيق للأثر الفعلي على حياة المواطن. وهنا يكمن جوهر الإشكال: الدولة تؤدي، لكن لا تُقيّم بما يكفي، والمواطن ينتظر دون أن يرى النتائج الملموسة.
وفي خضم هذا النقاش، يطرح البعض تساؤلاً مشروعاً:
أليس في المغرب مؤسسات قائمة تقوم بدور المراقبة؟
الجواب هو نعم، فالمغرب يتوفر على مؤسسات رقابية مهمة، من بينها المجلس الأعلى للحسابات، الذي يضطلع بدور محوري في مراقبة صرف المال العام وضمان احترام القوانين، إلى جانب المفتشية العامة لوزارة الداخلية، التي تقوم بتفتيش الجماعات الترابية والإدارات التابعة لوزارة الداخلية، وتتبع الاختلالات والتجاوزات.
غير أن تدخل هذه الأجهزة، على أهميته، يظل في الغالب مرتبطًا بالكشف عن المخالفات أو التحقيق في التجاوزات، أكثر من كونه تقييمًا منهجيًا ومستمرًا للأداء والنتائج. فهي تسأل أساسًا: هل تم احترام القانون؟ وهل هناك اختلال أو تجاوز؟
لكنها لا تجيب بشكل كافٍ عن سؤال لا يقل أهمية: هل تم تحقيق النتائج؟ وهل كانت السياسات ناجعة فعلاً؟
وهنا يظهر الفرق الجوهري الذي يبرر الحاجة إلى آلية جديدة ومكملة، لا منافسة.
فإذا كان المجلس الأعلى للحسابات يطرح سؤال: هل صُرف المال بشكل قانوني؟
فإن المرحلة المقبلة تفرض طرح سؤال موازٍ: هل صُرف المال بشكل مفيد وفعّال؟
إن الانتقال إلى حكامة قائمة على النتائج يقتضي إحداث تحول عميق في طريقة تدبير الشأن العام، وذلك عبر اعتماد منظومة متكاملة لتقييم الأداء، تقوم على مؤشرات دقيقة وقابلة للقياس، مثل نسبة إنجاز المشاريع، واحترام الآجال، وجودة الخدمات، ومدى رضا المواطنين. فالمسؤولية لا يجب أن تُقاس بالنوايا أو بالخطابات، بل بالنتائج المحققة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إحداث هيئة وطنية مستقلة لتقييم الأداء العمومي، تكون مهمتها تتبع أعمال المسؤولين، وقياس مردوديتهم، وإصدار تقارير موضوعية وعلنية تعكس مستوى الإنجاز الحقيقي. مثل هذه الهيئة من شأنها أن تعزز الشفافية، وترسخ ثقافة التقييم، وتعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.
غير أن جوهر هذا التحول لا يكتمل إلا بإدخال عنصر حاسم يتمثل في ربط التعويض بالأداء. فالأجر العمومي ليس امتيازًا مطلقًا، بل هو مقابل خدمة يجب أن تُؤدى بكفاءة وفعالية. ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع التفكير في آلية تُلزم المسؤول الذي لم يحقق النتائج المطلوبة بإرجاع جزء من التعويضات التي تقاضاها، باعتبارها لم تقابل بخدمة حقيقية.
قد تبدو هذه الفكرة جريئة، لكنها في العمق تعكس مبدأ بسيطًا وعادلاً:
من يتقاضى من المال العام، يجب أن يكون مستعدًا للمساءلة عن كل درهم، بل ولإرجاعه إذا لم يستحقه.
فالأمر لا يتعلق بعقوبة بقدر ما هو تكريس لعدالة مالية وأخلاقية، تضع المسؤول أمام التزام واضح: إما الأداء أو المحاسبة.
إن التجارب الدولية تُظهر أن الدول التي نجحت في تحسين أداء إداراتها لم تعتمد فقط على القوانين، بل على أنظمة دقيقة للتقييم والمساءلة، قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالنتائج.
وهو ما يؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يمر عبر الخطاب، بل عبر بناء مؤسسات فعالة وآليات عملية.
اليوم، يقف المغرب أمام فرصة حقيقية لإحداث هذا التحول، خاصة في ظل التحديات التنموية المتزايدة، والحاجة إلى تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين جودة الخدمات العمومية. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال ترسيخ ثقافة جديدة قوامها: المسؤولية مقابل النتائج، والتعويض مقابل المردودية، والمحاسبة مقابل التقصير.
في النهاية، لا يمكن بناء دولة قوية بمؤسسات فعالة دون وجود نظام صارم وعادل لتقييم الأداء. فالمسؤولية ليست امتيازًا، بل التزام. والمواطن لم يعد يكتفي بالوعود، بل ينتظر نتائج ملموسة تعكس حسن تدبير الشأن العام.
إنها دعوة إلى ثورة هادئة… لا تقوم على الشعارات، بل على الأرقام، ولا تُبنى على النوايا، بل على النتائج.
اترك تعليقاً