وجهة نظر

المغرب وإسبانيا من التنسيق الأمني إلى التحالف الاستراتيجي

لم يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا مجرد آلية تقنية لتدبير بعض التحديات المشتركة، بل أضحى، بصورة متزايدة تعبيرًا عن تحول بنيوي عميق في طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين.

ذلك أن المعطيات المرتبطة بإعلان المكتب المركزي للأبحاث القضائية عن تفكيك خلية إرهابية مكونة من ثلاثة عناصر تنشط بين مدينة طنجة ومدينة مايوركا الإسبانية، في إطار عملية أمنية مشتركة مع الشرطة الإسبانية، لا يمكن قراءتها باعتبارها واقعة معزولة أو نجاحًا ظرفيًا محدود الأثر، وإنما ينبغي إدراجها ضمن مسار تراكمي أوسع يعكس انتقال الشراكة الأمنية المغربية الإسبانية من مستوى التنسيق الظرفي إلى مستوى التكامل العملياتي والاستراتيجي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وتتأكد أهمية هذا التحول أكثر إذا ما استُحضر أن البلدين عملا منذ سنة 2014، على تفكيك أزيد من ثلاثين خلية إرهابية، وهو معطى ذو دلالة بالغة، ليس فقط من حيث عدد العمليات، بل من حيث ما يعكسه من انتظام في التعاون، وتراكم في الثقة المتبادلة، وفعالية في تبادل المعلومات وتنسيق التدخلات.

فالأمر لا يتعلق بمجرد نجاحات أمنية متفرقة، بل ببناء نموذج ثنائي في إنتاج الأمن المشترك، أسهم في إجهاض تهديدات كبرى وإحباط مخططات خطيرة كانت تستهدف أمن البلدين معًا. ومن ثم، فإن هذه الشراكة لم تُبنَ على منطق الاستجابة الظرفية، بل على منطق التراكم الاستراتيجي الذي يجعل من الأمن مجالًا للتكامل المؤسسي داخل الفضاء المتوسطي.

وفي هذا السياق، تكشف الشراكة الأمنية المغربية الإسبانية عن إعادة تموقع واضحة للمغرب داخل المعادلة الأمنية الإقليمية والدولية، إذ لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره بلد عبور أو مجالًا جغرافيًا لتدفقات التهديد، بل باعتباره فاعلًا أمنيًا موثوقًا يساهم عمليًا في إنتاج الأمن والاستقرار في غرب المتوسط.

وتتجلى هذه المكانة من خلال انخراط المغرب الفعال في مكافحة الإرهاب والتطرف، وتدبير ومحاربة الهجرة غير النظامية، ومواجهة الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، فضلًا عن تطوير آليات تبادل الخبرات وتعزيز التنسيق الاستخباراتي.

وبهذا المعنى، لم يعد التعاون الأمني بين الرباط ومدريد محصورًا في المجال الإجرائي الضيق، بل أضحى إطارًا استراتيجيًا للتكامل الأمني تتقاطع داخله الأبعاد الوقائية والاستخباراتية والعملياتية، بما يسمح بصياغة استجابة مشتركة أكثر نجاعة ومرونة في التعامل مع المخاطر المركبة.

والواقع أن هذا التحول يتيح تسجيل ثلاث دلالات مركزية:
تتمثل الأولى في أن إسبانيا باتت تنظر إلى الفعالية الأمنية المغربية بوصفها امتدادًا مباشرًا لأمنها الوطني الداخلي، بما يعكس منطق الاعتماد المتبادل في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

أما الثانية فتتجلى في أن النجاحات التي راكمها المغرب في العمل الاستباقي والاستخباراتي، وفي تفكيك الشبكات الإرهابية والإجرامية، قد أسهمت في ترسيخ صورته كشريك قادر على تقديم قيمة أمنية مضافة داخل المجال الأوروبي-المتوسطي.

في حين ترتبط الدلالة الثالثة بكون الأمن تحول، بالنسبة للمغرب، إلى رأسمال استراتيجي يُوظَّف في تعزيز موقعه التفاوضي والدبلوماسي والسياسي إزاء مدريد والاتحاد الأوروبي، بما يجعل الاعتراف بالكفاءة الأمنية مدخلًا إلى الاعتراف بالدور الإقليمي والجدارة المؤسساتية للأجهزة الأمنية المغربية.

غير أن القراءة الموضوعية لهذا المسار تقتضي التأكيد على أن قوة هذه الشراكة لا تُقاس فقط بحجم العمليات المشتركة أو بعدد الخلايا المفككة، بل بقدرتها على الاستمرار والتكيف مع طبيعة التهديدات المتغيرة. فالتحديات الأمنية المعاصرة أصبحت مركبة ومتشابكة، حيث يتقاطع الإرهاب مع الجريمة المنظمة، وتتداخل الهجرة غير النظامية مع شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، وهو ما يفرض
أنماطًا متقدمة من التنسيق العابر للحدود.

وهنا تحديدًا تتجلى أهمية النموذج المغربي الإسباني، بوصفه نموذجًا انتقل من منطق التعاون التقليدي إلى منطق التحالف الاستراتيجي القائم على الثقة وتقاسم المسؤولية ووحدة الإدراك الأمني.

وخلاصة القول، إن الشراكة الأمنية بين المغرب وإسبانيا لم تعد مجرد ملف ضمن ملفات التعاون الثنائي، بل أصبحت أحد أعمدة العلاقة بين البلدين، ومؤشرًا دالًا على التحول في موقع المغرب داخل البيئة الأمنية المتوسطية. فهي شراكة تعكس انتقال المغرب من موقع المتلقي للتهديدات إلى موقع المساهم في إعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي، بما يؤكد أن الكفاءة الأمنية تحولت إلى مورد ورأسمال استراتيجي يعزز الشرعية الإقليمية والدور الدولي للمملكة.

* باحث في العلوم السياسية والدراسات الأمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *