معالم تأسيس الشرعية السياسية في دولة النبوة والخلافة الراشدة (5)
من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية: مقاربة مقاصدية لإشكالية السلطة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
تدرجت التجربة النبوية السياسية في الارتقاء بالاجتماع السياسي العربي من الولاء لإطار ضيق إلى الولاء لحيز أوسع، ماتت فيه قيم سياسية معينة، وولدت أخرى أكثر رحابة واستعابا، وينفرد النموذج الإسلامي عن باقي النماذج الأخرى في ممارسة السلطة وتدبيرها، بأن جمع بين المقدس والنسبي بطريقة ظهرت معالمها جلية من خلال تجربة النبوة والخلافة الراشدة، مما أضفى على هذه التجربة النموذج المعياري الذي تتطلع إليه باقي التجارب الأخرى.
أولا: شرعية بناء السلطة وتأسيسها:
تعتبر بيعة العقبة الأولى والثانية على الخصوص المحطة الكبرى الأولى التي انتقل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من القبيلة إلى الجماعة، ثم كانت الهجرة إلى المدينة وكتابة الصحيفة تأسيسا للمحطة المفصلية الثانية المتمثلة في الانتقال من الجماعة إلى الأمة. فقد كانت القبيلة تمثل الوحدة السياسية والاجتماعية الوحيدة للتعايش في شبه الجزيرة العربية زمن الجاهلية، ثم انبرى الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ رسالته ويؤسس جماعة المؤمنين التي كانت تلتقي سرا في دار الأرقم، هذه الجماعة التي ستكون النواة الصلبة للأمة، والتي ستتوسع في ما بعد ليكون جامعها ورابطها هو الإيمان الطوعي والاقتناع بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما مثلت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم منعطفا في تكوين المجتمع السياسي للمسلمين، ذلك أن الجماعة العقدية الأولى، جماعة المؤمنين التي توسعت بدخول العديد من الأنصار للإسلام، لم تكن المكون الوحيد في يثرب، لقد كانت يثرب مهيأة لتقبل فكرة السلطة داخل تجمع سياسي قبلي، وهذا يحيلنا على أهمية الظروف السياسية المهيأة لاستقبال الدولة الوليدة، فكان تحرير صحيفة المدينة الإعلان الرسمي للدولة، والمنعطف الأساسي في تاريخ الأمة السياسي، حيث ستنصهر الجماعة المؤمنة الخالصة في جماعة سياسية متنوعة الانتماء والولاء العقدي والفكري، وهذا كان أول امتحان سياسي نجحت فيه الأمة على أن ظروف المدينة ساعدت على تحقيق هذا الاستحقاق.
فالمطلع على بنود صحيفة المدينة يلاحظ أنها تجاوزت الحديث عن المؤمنين لتشمل من تبعهم ولحق بهم ليكونوا جميعا أمة واحدة من دون الناس، فقد ذكر اليهود في حوالي ثلث المواد المكونة للصحيفة، مع تنظيم حقوقهم وواجباتهم كمكون من مكونات هذه الأمة المنتظمة في اجتماع سياسي جديد،ولم يتجه عليه الصلاة والسلام إلى إنكار البنى الاجتماعية القائمة باعتبار رسوخها وأهميتها، بل ذلل القبيلة وصهرها ضمن الأمة لتكون رافدا من روافدها، كما أنكر السلوك الملازم للقبيلة من عصبية ونعرة فأسس الولاء للأمة بمرجعيتها، واستبدل نصرة الدم بنصرة الحق، فعالج المضمون من دون أن ينكر وجود الإطار القبلي كإطار اجتماعي” . فكانت صحيفة المدينة أول وثيقة سياسية تعاقدية بمثابة دستور تأسيسي ينظم علاقة المسلمين داخل الجماعة السياسية، بعدما كانوا جماعة دينية، كما ينظم علاقتهم بغير المسلمين داخل وحدة الكيان الجديد بناء على حقوق وواجبات واضحة المعالم تؤسس لمواطنة مبكرة في المجتمع الإسلامي الوليد،
إن بناء الأمة على عقيدة التوحيد وتوسعها تعاقديا بعد ذلك هو الذي سيسرّع الحاجة للسلطة التي تأسست على اعتبار شرعي، أي على اعتبار إقامة الدين والدنيا، وتنزيل مهمة الاستخلاف التي أوكلت لها، وبالتالي ستنتقل إليها العصمة بعد آخر الأنبياء والرسل وانقطاع الوحي، وهكذا ستصبح المسؤولة الأولى على إقامة الشرع.
وعندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى برزت الحاجة لسد الفراغ السياسي “حيث لم يوصي صلى الله عليه وسلم لشخص معين ليتصدى لشأن الإمامة نيابة عنه، وإنما ترك الأمر شورى بين المسلمين “فإعراضه عليه الصلاة والسلام عن العهد لمن يخلفه في الإمامة كان إيذانا بأن هذا الشأن هو تدبير جماعي، يرجع اختياره لصاحب السلطة الأصلي، وهو الأمة الموكل لها بالخلافة في الأرض” ، فلم يستخلف الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا من بعده رغم أفضلية أبي بكر حيث قال: “لو كنت مستخلفا لاستخلفت ابن أم عبد” . فتصرفه صلى الله عليه وسلم يؤسس لمبدإ الشورى عمليا، وإقرار منه صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر من اختصاص عموم الأمة، فهي من تختار الأنسب والأصلح، ولا يجوز أن يسلب منها هذا الحق والاختصاص، بهذا أعطى عليه السلام نموذجا في تأسيس السلطة السياسية وإدارة شؤون الأمة وضرورة مشاركتها الفعالة في اتخاذ القرارات المهمة.
والرسول صلى الله عليه وسلم أسس لمبدإ البيعة كآلية للتعاقد في غير محطة من سيرته، نذكر منهم بيعة العقبة الأولى والثانية، وبيعة الرضوان وغيرها، فقد أرسى الإسلام الشرعية التعاقدية للسلطة السياسية، حيث تنبثق هذه السلطة عن الأمة تفويضا، بذلك تتميز السلطة في الإسلام عن السلطة في الدولة الدينية.
ثانيا: شرعية ممارسة السلطة وتدبيرها.
إن النموذج الإسلامي تفرد كما تمت الإشارة إلى ذلك عن باقي النماذج الأخرى في ممارسة السلطة وتدبيرها، بأن تمكّن من الجمع بين المقدس والنسبي فالمتأمل في تجربة النبوة والخلافة الراشدة “يبدو له تمايز السياسة عن الشرع دون استقلالها عنه، ويظهر ذلك جليا في ممارسة الرسول صلى الله عليه وسلم لتصرفات الإمامة من جهة، وتصرفات الخلفاء باعتبارهم أئمة من جهة أخرى…كما إن شرعية السلطة تتأثر تعزيزا أو ضعفا بدرجة تصديها لوظائفها، والحال أن الوظيفة السياسية هي محصلة لتطبيق المبادئ والقيم على الوضع الاجتماعي المتغير. فشرعية السلطة الوظيفية تمتحن عند انتقالها من النص نحو الواقع… أي عند تنزيل المقدس على الواقع، بتحري مصالح العباد في الدارين، في إطار من النص و المقاصد العامة، وهو سعي يبقى بشريا.
فطبيعة العلاقة بين السياسة والشريعة علاقة تمايز دون استقلالية لاشتمالها على بعدي البشري النسبي والنصي المطلق. وأن شرعية السلطة تتعزز بدرجة قيامها بوظيفتها. وأن شرعية السلطة تختبر وظيفيا عند تنزيل النص على الواقع. ناهيك أن المجال السياسي منشؤه الاجتهاد البشري، ومصدره الإنسان الذي قد يختلف في تقدير وتدبير قضاياه كما اختلف الرعيل الأول. كما أن وحدة الأمة عقديا لا يلغي إمكانية اختلافها سياسيا.
فقد تنوعت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان منها ماهو على سبيل التشريع الواجب الاتباع وغير المقيد بالمكان والزمان، وكان منها ما هو على سبيل الفتيا المتعلقة بحال المستفتي، وكان منها ما هو على سبيل القضاء الذي يكون وفق ظاهر الحال ومنطق المحاججة بين الخصوم، وكان منها كذلك ما هو على سبيل الإمامة والسياسة، وهو ما عرّفه القرافي (ت684هـ) بقوله “وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء” ، ينظر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم نظر الحاكم الذي يتحرى المصلحة العامة، فتكون تصرفاته هذه مرتبطة بتدبير الواقع. فالتمييز في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بين ما هو على سبيل النبوة والرسالة والفتيا والقضاء والإمامة والسياسة مدخل أساسي في فهم وبناء المنهج والنموذج، منهج التعامل مع القضايا السياسية، ونموذج بناء السلطة وتدبيرها، حيث تميزت تصرفاته صلى الله عليه وسلم بتحري المصلحة العامة والمقاصد الشرعية في واقع متغير ومتحول باستمرار، وهو نفسه المنهج الذي اعتمده الخلفاء الراشدون حيث تميزت فترتهم “بتكريس النموذج النبوي في السياسة، فكانت تحرّيا للمقاصد الشرعية، وعملا بالمصالح المرسلة، وتخليقا للسياسة” .
وتجدر الإشارة إلى أن فبقدر ما استطاعت تجربة الخلافة الراشدة أن تتشبت بالمنهج والنموذج النبوي ومثله العليا في الاجتماع السياسي وبناء السلطة وتدبيرها، بإعلاء شأن القيم والمبادئ الشرعية، لم تستطع بلورة أطر تنظيمية وقواعد واضحة تؤسس لأعراف سياسية ثابتة تضمن استقرار السلطة واستمراريتها. غير أن تجربة الخلافة الراشدة لما كان الرصيد السياسي لها قد حظي باتفاق الصحابة، فقد اعتبرها الفقهاء سوابق تاريخية تثبت لها صفة الشرعية بمقتضى الإجماع . أما المراحل اللاحقة فإن كانت قد نجحت “بوضع حد لهذه الممارسة التعاقدية التي اختفت تاريخيا من واقع التدافعات السياسية، فإنها لم تستطع بالمقابل أن تسقط شرعيتها من الناحية المبدئية والنظرية” ، فبقيت قيم ومبادئ مترسخة في وجدان الأمة وعقلها السياسي إلى حين نضج الظروف المناسبة لتفعيلها وتنزيلها.
1 – وردت بنود صحيفة المدينة في مؤلف محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ، ص:57.
2 – راجع في ذلك مثلا أيمن إبراهيم، الإسلام والسلطان والملك، ، ص: 21.
3 – لؤي صافي، العقيدة والسياسة، ، ص: 114.
4 – ابن ماجه، سنن ابن ماجه، المقدمة باب في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ر.ح: 137.
5 – شهاب الدين القرافي، الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص: 30.
6 – ابن القيم، الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية، ص: 27.
7 – محمد أمزيان، في الفقه السياسي الإسلامي، ص: 68.
8 – محمد أمزيان، المرجع نفسه، ص: 66.
اترك تعليقاً