بعد فشل المحادثات الأمريكية الإيرانية المباشرة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد التي امتدت لنحو 21 ساعة دون التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل نهائي، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن فرض حصار بحري على مضيق هرمز، حيث ستبدأ القوات البحرية الأمريكية عملية وقف جميع السفن التي تحاول دخول المضيق أو مغادرته وإزالة الألغام من المضيق، في خطوة تعطي مؤشرا على احتمالية انهيار الهدنة المؤقتة التي من المقرر أن تنتهي في 21 أبريل الجاري.
وفي هذا الإطار، نستعرض خلال التقرير التالي أهداف ترامب من فرض الحصار والتداعيات المتوقعة من الخطوة والتحديات أمام عملية تطهير المضيق من الألغام.
- الموقع الاستراتيجي للمضيق وأهميته الاقتصادية
يحد المضيق من الشمال إيران ومن الجنوب سلطنة عُمان والإمارات. ويبلغ عرضه حوالي 50 كيلومترًا عند مدخله ومخرجه، وحوالي 33 كيلومترًا عند أضيق نقطة فيه، ويربط الخليج العربي ببحر العرب.
ويتمتع المضيق بعمق كاف لمرور أكبر ناقلات النفط الخام في العالم، ويستخدمه كبار منتجي النفط والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى عملائهم.
وفي العام الماضي، بلغ حجم النفط ومشتقاته التي تعبر مضيق هرمز يوميًا نحو 20 مليون برميل، وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ويمثل هذا حجمًا تجاريًا للطاقة يقارب 600 مليار دولار سنويًا. ولا يقتصر مصدر النفط على إيران فحسب، بل يشمل أيضًا دولًا خليجية أخرى كالعراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
كما يتم شحن نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال العالمي عبر مضيق هرمز، معظمها من قطر. ففي عام 2024، صدرت قطر نحو 9.3 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، بينما صدرت الإمارات نحو 700 مليون قدم مكعبة يوميًا، وفقًا لبيانات الحكومة الأمريكية.
ويُعد مضيق هرمز أيضًا ممرًا حيويًا لصادرات الأسمدة من الشرق الأوسط، حيث يُستخدم الغاز الطبيعي بكثافة في عملية الإنتاج. ويمر عبر هرمز نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية. كما يُعتبر قناةً حيويةً لواردات الشرق الأوسط، بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات التكنولوجية.
- تداعيات الحصار والإغلاق الكامل للمضيق
كما يتضح من العرض السابق، يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية. ومن ثم فإن أي حصار بحري أو تعطيل لحركة الملاحة فيه ستكون له تداعيات واسعة على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية على المستويين الإقليمي والدولي.
عادةً ما تعبر المضيق حوالي 3 آلاف سفينة شهريًا، لكن هذا العدد انخفض بشكل حاد خلال الحرب، ويُتوقع أن يؤدي الحصار إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، مع قفزات كبيرة في أسعار النفط والغاز نتيجة نقص الإمدادات وارتفاع مخاطر النقل. وستنعكس هذه الزيادات بدورها على معدلات التضخم عالميًا، ما يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.
كما ستتأثر سلاسل الإمداد الدولية، خصوصًا في الدول الآسيوية التي تعتمد بشكل رئيسي على واردات الطاقة من الخليج العربي، ما قد يدفع بعضها إلى البحث عن بدائل أكثر تكلفة وأقل استقرارًا.
وقد أثرت الاضطرابات في مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير الماضي بشدة على آسيا، حيث تشير التقديرات إلى أن الصين وحدها تستورد نحو 90% من النفط الذي تصدره إيران إلى السوق العالمية. ولا تزال أزمة الوقود تؤثر على الحياة اليومية في المجتمعات الآسيوية. فقد أمرت الحكومات موظفيها بالعمل من المنزل، وقلصت ساعات العمل الأسبوعية، وأعلنت عطلات رسمية، وأغلقت الجامعات أبوابها مبكرًا لترشيد استهلاكها.
وفي إفريقيا، أعلن كل من مصر وجنوب السودان وموريشيوس عن إجراءات لتقييد استهلاك الكهرباء. وفي أوروبا، أصبحت سلوفينيا أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تطبق نظام تقنين الوقود.
وعلى الصعيد العسكري، يفتح الحصار الباب أمام احتمالات تصعيد واسع، خاصة في ظل مؤشرات متزايدة على قرب انهيار الهدنة المؤقتة القائمة بين إيران والولايات المتحدة. فقد تلجأ القوى الدولية إلى تشكيل تحالفات بحرية لتأمين حرية الملاحة – وهو هدف سعى إليه ترامب صراحة منذ بداية الحرب ولم يتمكن من تحقيقه حتى الآن-، ما يزيد من احتمالات الصدام المباشر مع إيران في ظل تحذير الحرس الثوري الإيراني من أن أي خطوة خاطئة في المضيق ستؤدي إلى دوامة مميتة.
أما على الجانب السياسي، يمثل إعلان ترامب عن حصار المضيق حلقة جديدة من الضغوط التي يمارسها على طهران عبر تقييد الموارد الإيرانية بتعطيل صادراتها من الطاقة ومنع تحصيلها لرسوم عبور غير قانونية من السفن الراغبة في المرور بالمضيق، كما أنه خطوة لتدويل الضغوط على طهران من خلال الإضرار بمصالح الدول المرتبطة بالمضيق للتدخل من أجل تليين الموقف الإيراني التفاوضي.
- بدائل مضيق هرمز أمام مُصدري الطاقة
لقد دفع التهديد الإيراني المستمر على مدى سنوات بإغلاق هرمز، الدول المصدرة للنفط في منطقة الخليج العربي إلى تطوير طرق برية بديلة، وتبرز هنا المملكة العربية السعودية كنموذج يحتذى للتخطيط الاستراتيجي في مواجهة الأزمات المستقبلية، إذ تمتلك خط أنابيب للنفط الخام يبلغ طوله 1200 كيلومتر ويمتد من الشرق إلى الغرب، وهو قادر على نقل ما يصل إلى خمسة ملايين برميل من النفط الخام يوميًا. كما قامت المملكة أيضًا بتحويل خط أنابيب للغاز الطبيعي مؤقتًا لنقل النفط الخام.
أما الإمارات فربطت حقولها النفطية الداخلية بميناء الفجيرة على خليج عُمان عبر خط أنابيب تبلغ طاقته الاستيعابية اليومية 1.5 مليون برميل على الأقل. ويمكن تحويل مسار النفط عبر البنية التحتية البديلة لتجاوز مضيق هرمز، إلا أن وكالة رويترز للأنباء أفادت بأن ذلك سيؤدي إلى انخفاض في الإمدادات يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا. بالإضافة إلى ذلك، تعطلت عمليات تحميل النفط في الفجيرة بسبب هجمات طائرات “الدرونز”.
- تحدي إزالة الألغام
على الرغم من سهولة زرع الألغام البحرية، فإن اكتشافها وإزالتها عملية طويلة وشاقة، وقد صرح مسؤولون أمريكيون لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، بأن إيران عاجزة عن تحديد مواقع الألغام التي زرعتها في مضيق هرمز، ولا تملك القدرة على إزالة المتفجرات، مما يحول دون السماح بمرور المزيد من السفن عبر المضيق.
وأوضح المسؤولون الأمريكيون أن إيران زرعت ألغاما في المضيق بشكل عشوائي، وربما لم تحدد مواقعها بدقة. كما أشاروا إلى أن بعض الألغام انجرفت أو تحركت من مواقعها الأصلية.
وألقت إيران ألغامًا في جميع أنحاء المضيق باستخدام زوارق صغيرة، وعجزت الولايات المتحدة في معظم الأحيان عن مراقبة الزوارق الصغيرة التي كانت تزرع الألغام في المضيق، مما جعلها في حيرة بشأن مواقع الألغام وعددها.
وبحسب الخبراء، فإن الألغام البحرية يصعب اكتشافها نظرًا لقدرتها على الانتشار في أعماق مختلفة وانخفاض بصمتها الصوتية والمغناطيسية، وقدرتها على البقاء كامنة. ويمكن أن تستقر “ألغام التأثير” الحديثة في قاع البحر، وأحياناً تكون مدفونة، ولا يتم تفعيلها إلا بواسطة البصمة المغناطيسية أو الضغطية أو الصوتية المحددة لسفينة عابرة.
وتأسيسًا على ما سبق، على الأرجح سيكون للحصار البحري الأمريكي تداعيات واسعة المدى تعيد تشكيل معادلات الأمن والطاقة عالميًا، وتتوقف درجة خطورته على مداه الزمني وحدود التصعيد المصاحب له، ما بين اضطراب مؤقت يمكن احتواؤه والتعافي منه، أو أزمة ممتدة قد تقود إلى مواجهة أوسع ذات تداعيات عميقة على النظامين الإقليمي والدولي.



