تقارير

حرب إيران تعيد صدام ترامب مع الإعلام الأمريكي إلى الواجهة

منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران نهاية الشهر الماضي، عاد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووسائل الإعلام إلى الواجهة، في مشهد يعيد إحياء أحد أبرز ملامح المشهد السياسي خلال ولايته الرئاسية الأولى.

ومع انطلاق الموجة الأولى من الضربات الأمريكية، لعبت الصحف والشبكات الإخبارية ووسائل الإعلام التقليدية دورًا مزدوجًا. فمن جهة، نشطت غرف الأخبار ووحدات التحقق التابعة لها في كشف عمليات التضليل والمعلومات الزائفة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي بشأن الحرب. ومن جهة أخرى، كثفت المؤسسات الإعلامية تقاريرها وتحليلاتها حول مسار العمليات العسكرية وكواليس صنع القرار داخل الإدارة الأمريكية.

غير أن هذا الدور أعاد إشعال الصدام القديم بين ترامب والإعلام الأمريكي، إذ دفعت التغطيات الناقدة لمسار الحرب ونتائجها الرئيس الأمريكي إلى مهاجمة ما يصفه بـ”الإعلام المضلل”. في المقابل، ترى مؤسسات إعلامية أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى فرض “رواية انتصار” لا تعكس تعقيدات الواقع العسكري والسياسي للحرب، ما يعمق أزمة الثقة بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام.

وفي مواجهة ذلك، اعتمد ترامب استراتيجية متعددة المسارات للتعامل مع المشهد الإعلامي؛ تمثلت أولًا في الهجوم المباشر على وسائل الإعلام عبر سلسلة تدوينات مكثفة على حساباته في منصات التواصل الاجتماعي، يفند فيها ما تنشره المؤسسات الإعلامية أو يشكك في مصداقيتها. كما سعى إلى تكثيف حضوره الإعلامي عبر مؤتمرات صحفية ولقاءات مع وسائل إعلام مختارة، بالتوازي مع الاستشهاد بتقارير وتحليلات تصدر عن منصات إعلامية محافظة معروفة بدعمها لسياساته.

  • صدام مع وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى

عبر تدوينات متعددة خلال اليومين الماضيين على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال”، صعّد ترامب هجومه على عدد من أبرز المؤسسات الإعلامية الأمريكية، بينها صحيفتا “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” وشبكة “سي إن إن”، واصفًا إياها تارة بـ”وسائل الإعلام الكاذبة”، وتارة أخرى بـ”الدنيئة”، واتهمها بأنها تريد خسارة الولايات المتحدة الحرب.

 

وامتدت حالة التوتر إلى المسؤولين في الإدارة الأمريكية، إذ وبّخ وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الصحفيين خلال إحاطة إعلامية حول الحرب، موجهًا انتقادات حادة لشبكة “سي إن إن”، في إشارة إلى تقرير استند إلى مصادر متعددة قال إن الإدارة الأمريكية قللت من شأن استعداد إيران لإغلاق مضيق هرمز الحيوي.

كما هدد رئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية بريندان كار جهات البث في الولايات المتحدة بإمكانية سحب تراخيصها إذا لم “تصحح مسارها” في تغطية الحرب مع إيران، وذلك ردًا على شكوى  ترامب من التغطية الإعلامية.

ويعيد هذا التصعيد إلى الأذهان الصدامات المتكررة بين ترامب والمؤسسات الإعلامية خلال ولايته الرئاسية الأولى، حين اعتاد وصف وسائل الإعلام الكبرى بأنها تبث “أخبارًا كاذبة”، كما لجأ في أكثر من حالة إلى رفع دعاوى قضائية ضد مؤسسات إعلامية يتهمها بتقديم تغطية غير منصفة.

  • إعادة تشكيل المشهد الإعلامي الأمريكي

وفي سياق معركته مع الإعلام، نشر ترامب عبر “تروث سوشيال” إنفوجرافًا يلخص ما عده جهودا لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي في الولايات المتحدة.

ويقسم التصميم تلك الجهود إلى ثلاثة مستويات؛ الأول يشير إلى ما وصفه بتراجع نفوذ بعض وسائل الإعلام التقليدية، مستشهدًا بوقف تمويل شبكات إذاعية وإخبارية ومغادرة عدد من الصحفيين المعارضين له مؤسسات إعلامية بارزة، فضلًا عن التراجع الملحوظ في نسب مشاهدة الإعلام التقليدي.

أما المستوى الثاني فيتعلق بما وصفه بـ”الإصلاحات الإعلامية”، والتي شملت تشديد الرقابة التنظيمية على البث الإعلامي، وتعزيز حرية التعبير على منصة “إكس”، إلى جانب ازدهار منصته الخاصة “تروث سوشيال”.

وعرض ترامب في المستوى الثالث ما عده “انتصارًا” في معركته مع الإعلام، مستشهدًا باقتباس من صحيفة “ذا غارديان” البريطانية جاء فيه: “ترامب يخوض حربًا ضد الإعلام ويفوز”.

  • المنصات الإخبارية المحافظة

لم يقتصر توظيف ترامب لحساباته على منصات التواصل الاجتماعي على نشر تدوينات تهاجم التغطية الإعلامية الأمريكية للحرب، بل لجأ إلى نشر رؤية بديلة هي رؤية الإعلام اليميني ممثلة في مقال نشره موقع “نيوز ماكس” المحافظ يشير إلى تأييد شعبي أمريكي للحرب.

 

استعرض كاتبا المقال – جون ماكلولين الخبير في استطلاعات الرأي وجيم ماكلولين المستشار الاستراتيجي – نتائج استطلاع للرأي جديد أظهرت تأييدا قويا بنسبة  51% لقرار ترامب استخدام القوة العسكرية لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية.

وأوضح الكاتبان أنه عند تذكير الناخبين بتاريخ إيران الطويل من العداء للولايات المتحدة، يزداد التأييد بشكل ملحوظ، حيث أيد 57% منهم العمل العسكري.

وبحسب النتائج، تعتقد أغلبية واضحة أن العمل الحاسم مُبرر، بل إن أغلبية أكبر بلغت 59% قالت إن على الرئيس ترامب إتمام المهمة لضمان عدم حصول إيران على أسلحة نووية.

وتكشف النتائج أيضًا عن فجوة كبيرة بين آراء الناخبين الأمريكيين ونبرة معظم التغطية الإعلامية ذات التوجه اليساري، والتي صوّرت الرأي العام في الغالب على أنه متشكك أو معارض للعمل العسكري.

وشمل هذا الاستطلاع الذي أجري على المستوى الوطني في الفترة ما بين 2 و9 مارس الحالي، عينة تتألف من 1000 ناخب محتمل، فيما بلغ هامش الخطأ 3.1%.

وعدّ الكاتبان أن هذه النتائج تكشف عن استنتاجين مهمين؛ الأول هو تأييد أغلبية الناخبين الأمريكيين استخدام القوة العسكرية الأمريكية لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية. أما عن الثاني فيتمثل في أن أغلبية أكبر تعتقد أنه بمجرد اتخاذ الولايات المتحدة إجراء، ينبغي عليها المضي قدما في هذا المسعى والقضاء على التهديد نهائيا بدلا من مواجهة صراعات متكررة في المستقبل.

وتابع الكاتبان: “باختصار، لا يدعو الناخبون الأمريكيون إلى التردد بل إلى الحسم. ويدرك الرأي العام خطورة امتلاك إيران أسلحة نووية، ويبدو أنه على استعداد لدعم قيادة حاسمة لمنع ذلك”.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن الحرب على إيران لم تفتح جبهة عسكرية فحسب، بل أعادت أيضًا إحياء معركة سياسية وإعلامية داخل الولايات المتحدة حول حدود دور الصحافة واعتبارات الأمن القومي.

فمع مواصلة المؤسسات الإعلامية التدقيق في تكلفة الحرب ونتائجها وتعقيداتها، يتجدد الصدام الذي طالما طبع علاقة ترامب بالإعلام الأمريكي. ومع استمرار العمليات العسكرية وتداعياتها السياسية والاقتصادية ودخول الجهات التنظيمية على خط تلك الأزمة، يرجح أن تتخذ تلك المعركة أبعادًا قانونية وتنتقل إلى ساحات القضاء، بما يعكس تصاعد حدة الاستقطاب العميق في المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي.

زر الذهاب إلى الأعلى