ترجمات

الحرب الدعائية بالذكاء الاصطناعي بين أمريكا وإيران

في أوائل الشهر الماضي وتحديدًا بعد مرور أسبوع من أولى الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو لهجمات أمريكية حقيقية ممزوجًا بمقاطع من أفلام ومسلسلات تلفزيونية وألعاب فيديو ورسوم متحركة شهيرة.

وردت إيران على هذه الضربات بنشر كميات هائلة من لقطات حرب قديمة على مواقع التواصل الاجتماعي، بزعم أنها من الصراع الدائر، إلى جانب محتوى مُولد بالذكاء الاصطناعي يُصور هجمات على تل أبيب وقواعد أمريكية في المنطقة.

وفي الآونة الأخيرة، انتشرت مقاطع فيديو على نطاق واسع، يُقال إن فريقًا من الإيرانيين أنشأها، تُصور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورجل الأعمال الراحل المدان بالاتجار الجنسي بالقاصرات جيفري إبستين، والشيطان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث والمرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي وغيرهم على هيئة مجسمات ليغو، مما يجسد عالما جديدا للدعاية المغرضة، سلط عليه الضوء تقرير نشره موقع “ذا كونفرزيشن” الأسترالي، نستعرضه على النحو التالي:

  • صعود الدعاية المبتذلة

في ورقة بحثية نُشرت في مجلة “Filisofiska Notiser”، أواخر العام الماضي، صاغ الباحثان مارك ألفانو الأستاذ المشارك في الفلسفة بجامعة ماكواري في أستراليا، وميخال كلينسيفيتش أستاذ مساعد علوم الإدراك الحاسوبية في جامعة تيلبورغ بهولندا، مصطلح “الدعاية المبتذلة” للإشارة إلى المحتوى المُولد بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي يخدم أغراضًا دعائية.

ويقصد بالدعاية هنا التواصل الذي يهدف إلى التلاعب بالمعتقدات والمشاعر والانتباه والذاكرة وغيرها من العمليات المعرفية والعاطفية لتحقيق غايات سياسية. وبإضافة الذكاء الاصطناعي التوليدي، تصبح الدعاية المبتذلة.

وقد تفاقم وضع الدعاية المبتذلة منذ ذلك الحين أكثر مما توقع الباحثان. ففي أكتوبر الماضي، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقطع فيديو مُولدًا بواسطة الذكاء الاصطناعي يُظهره وهو يقود طائرة مقاتلة مرتديًا تاجًا ويلقي برازًا على متظاهرين أمريكيين. ومؤخرًا، نشر مقطع فيديو آخر مُولدًا بواسطة الذكاء الاصطناعي يتخيل فيه مكتبته الرئاسية كناطحة سحاب ضخمة مبهرجة، مزودة بمصعد ذهبي.

ولهذا فإن الدعاية الإيرانية ذات الطابع الليغو ليست سوى أحدث مثال على ذلك. ولا تقتصر هذه المواد على مقاطع الفيديو فحسب، بل قد تشمل أيضًا الصور والنصوص وأي شيء آخر يمكن للذكاء الاصطناعي توليده.

  • كيف تتسلل الدعاية المضللة عبر دفاعاتنا؟

أولًا: من خلال التعرض المتكرر لها في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، تستطيع الدعاية المضللة اختراق دفاعاتنا الذهنية المعتادة.

وتنجح هذه الدعاية عندما تجذب الانتباه، وتؤثر عاطفيًا – عادةً بطريقة سلبية – وتُقدم لجمهور مشتت، مثل الأشخاص الذين يتصفحون وسائل التواصل الاجتماعي أو ينتقلون بين علامات تبويب المتصفح.

ثانيًا: تُعد الدعاية المضللة وسيلة فعالة للغاية لتلويث البيئة المعرفية – عالم ما نعتقد أننا نعرفه – بالأكاذيب وأنصاف الحقائق. وكما جادل الفلاسفة، يمكن أن تكون برامج مثل “شات جي بي تي” وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية آلاتٍ لإنتاج الهراء، بمعنى المحتوى الذي لا يكترث للحقيقة.

ويمكن فهم الدعاية المضللة على أنها نوع خاص من الهراء الناتج عن الذكاء الاصطناعي، لكن خصائصها الفريدة تتضح أكثر عند النظر إلى استخدامها في حملات مثل فيديوهات ليغو الإيرانية.

وهذا ليس مجرد هراء. لا أحد يُضلل ليظن أن ترامب قادر على قيادة طائرة إف-16 وإلقاء فضلات منها. ولا أحد يصدق أن مجسمات ترامب البلاستيكية المصنوعة من الليغو متواطئة مع مجسم بلاستيكي للشيطان. فبدلًا من السعي إلى الدقة، تُعبر هذه الدعاية المغرضة عن المشاعر والأحاسيس وتُجسدها، وتهدف إلى خلق ارتباطات. ومن هذه الارتباطات: ربط الشيطان بترامب، وربط الولايات المتحدة بالشر، وهكذا.

ثالثًا: بعض هذه الدعاية مُضللة بالفعل. قد يكون ذلك مقصودًا، أو لأن مزحة أو استفزازاً ما يخرج عن سياقه المقصود ويُفهم خطأ على أنه جدي – وهي ظاهرة يُطلق عليها الباحثون “انهيار السياق”.

ويمكن توليد الدعاية المغرضة المُضللة، بما في ذلك التزييف العميق، بسرعة أثناء النزاعات والأزمات وحالات الطوارئ، عندما يرغب الناس في الحصول على معلومات ولكن المصادر الموثوقة نادرة.

وبمجرد أن تترسخ معلومة مُضللة أو ارتباط معين في ذهن شخص ما، يصعب التخلص منه. كما أنه نظرًا لقدرة الدعاية المضللة على الوصول إلى جماهير غفيرة، فإن حتى أدنى تأثير مُضلل على عامة الناس قد تكون له عواقب وخيمة. فبإمكان الجهات الحكومية والشركات والأفراد التأثير على معتقدات الجماعات وقراراتها، بما في ذلك نتائج الانتخابات، وحركات الاحتجاج، أو الرأي العام تجاه حرب غير شعبية.

رابعًا: قد يدفعنا انتشار الدعاية المضللة إلى التشكيك في كل شيء آخر. لا شك أن الناس سيصبحون أكثر قدرة على تمييز هذا النوع من المحتوى، لكنهم سيصبحون أيضًا أكثر عرضة لتصنيف المحتوى الأصيل على أنه مضلل. ونتيجة لذلك، قد تتراجع ثقة الجمهور في الأفراد والمؤسسات الجديرة بالثقة.

وعندما يحدث هذا، يُرجح أن يكون التأثير العام هو انخفاض ثقة الجمهور في الأفراد والمؤسسات الجديرة بالثقة، مما يؤدي إلى نوع من الشك العدمي في إمكانية معرفة أي شيء حقًا. وعندما يصعب أو يستحيل تحديد المصادر الموثوقة، يُمكنك اختيار تصديق ما تجده رابحًا أو مُحفزًا أو مُثيرًا للغضب. وفي المجتمعات التي تشهد استقطابًا متزايدًا وتكافح مع أزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية وبيئية متشابكة، فإن انهيار مصادر الحقيقة المشتركة لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور.

  • طرق لتجنب كارثة الدعاية المضللة

ناقشت الورقة البحثية 3 طرق لتجنب كارثة الدعاية المضللة على النحو التالي:

أولًا: تعزيز المعرفة الرقمية للأفراد، على سبيل المثال من خلال البحث عن مؤشرات الذكاء الاصطناعي في النصوص والصور والفيديوهات. كما يمكنهم تعلم التحقق من المصادر بدلًا من مجرد إلقاء نظرة سريعة على العناوين والمحتوى الآخر، بالإضافة إلى حظر المصادر التي تنشر الدعاية المضللة بشكل روتيني، بدلًا من محاولة تقييم كل محتوى بمعزل عن غيره.

وسيساعدهم هذا على تجنب الوقوع ضحية للدعاية المضللة مع الحفاظ على ثقتهم في المصادر الموثوقة للأخبار والمعلومات الأخرى.

ثانيًا: تطبيق الهيئات التنظيمية حلولًا تقنية كوضع علامات مائية على المحتوى المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي. قد يتطلب الأمر إزالة بعض المحتوى من المنصات التي يشاهد عليها الناس الأخبار والمعلومات المهمة الأخرى.

ثالثًا:  محاسبة شركات التكنولوجيا الكبرى مثل “أوبن إيه آي” وجوجل وإكس على ما أنتجته، بحيث يتم ذلك من خلال الضرائب وغيرها من التدخلات لتمويل الجهود التنظيمية والتعليم في مجال الثقافة الرقمية.

وأخيرًا، من المرجح أن تبقى الدعاية المغرضة قائمة. ولكن مع ما يكفي من التبصر والشجاعة، قد نتمكن من التكيف معها، بل وحتى السيطرة عليها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى