ترجمات

هل تحسم واشنطن الحرب بالحصار على إيران؟

يُعد تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية، عبر فرضه حصارًا على سفن وموانئ إيران، محاولة لإنهاء الصراع دون هجوم أمريكي إسرائيلي جديد، حيث يستند منطق هذه العملية إلى أنه إذا لم تتمكن إيران من تصدير نفطها واستيراد سلعها الأساسية، فستتكبد عواقب مالية وإنسانية وخيمة، ما سيجبرها على قبول الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب، وقد يكون هذا رهانًا صائبًا، وفقا لتحليل نشرته شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية لكبير مراسليها للشؤون الدولية ستيفن كولينسون، والذي نستعرضه على النحو التالي:

  • وضع الاقتصاد الإيراني

الاقتصاد الإيراني، المُنهك أصلًا بالعقوبات، مُعرض سريعًا لنقص حاد في الغذاء، وتضخم مفرط، وأزمة مصرفية. وسيكون حلًا مثاليًا لو رد ترامب على محاولة إيران خنق الاقتصاد العالمي بإغلاق جزئي لمضيق هرمز، بمناورة بحرية حاسمة.

لكن الآمال المتزايدة لدى المسؤولين الأمريكيين والصحف المحافظة والمحللين، بأن الحصار سيُجبر إيران على الرضوخ، تستند إلى افتراض لطالما أضل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وتفترض هذه الاستراتيجية أن إيران ستستجيب للضغوط بطريقة تراها واشنطن منطقية.

مع ذلك، يُشير التاريخ الحديث إلى أن خصوم الولايات المتحدة – كالعراق وأفغانستان وروسيا وليبيا – غالبًا ما لا يتصرفون وفقًا لحسابات الغرب لمصالحهم الوطنية.

كما تُلمح الخطة إلى أمل ضمني في أن يُؤدي تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى اندلاع معارضة سياسية داخلية جديدة واختبار قبضة النظام الإيراني. وعلى المدى البعيد، تُلبي هذه الخطة حاجة القادة الإيرانيين المُلحة إلى تحقيق نمو اقتصادي لإعادة البناء بعد حملة القصف الأمريكية الإسرائيلية المتواصلة. لكن فكرة أن ينظر القادة الإيرانيون إلى المخاطر بهذه الطريقة قد تكون مُبالغة.

وأظهرت السلطات الإيرانية بالفعل لامبالاة تجاه معاناة شعبها من خلال حملات قمع سياسي متتالية أودت بحياة الآلاف، وفقًا لمنظمات حقوق الإنسان وتقديرات خارجية. وقد أظهر بقاء النظام رغم مقتل العديد من قادته البارزين خلال الحرب مدى تحمله للألم.

ومن المحتمل أن الولايات المتحدة تُقلل من شأن قدرة إيران على الصمود مجددًا فيما يعتبره القادة الإيرانيون معركة وجودية. وتشير تقارير شبكة “سي إن إن” وغيرها من وسائل الإعلام إلى أن ترامب كان يعتقد أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي سينهي الحرب سريعًا، قبل وقت طويل من تمكّن إيران من اتخاذ إجراءات مثل إغلاق المضيق.

لذلك قد يتوقف مصير الحصار الأمريكي على عامل التوقيت. هل سيزداد الضغط على إيران ويُغيّر سلوكها قبل أن يُفاقم الحصار الضرر الاقتصادي العالمي الناجم عن إغلاق طهران لمضيق هرمز، والذي قضى على جزء كبير من إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية؟ إذا لم يحدث ذلك، فقد يتحول نهج ترامب الجديد إلى فخ سياسي آخر، ويُعمق تداعيات حرب تُهدد آمال الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

  • كيف يمكن للحصار أن يلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإيراني؟

كما هي الحال مع معظم سياسات ترامب خلال الحرب، بدا الحصار مرتجلًا وغير مبرر للشعب الأمريكي. لكنه في الواقع مشروع عسكري واقعي. فالبحرية الأمريكية تمتلك موارد كافية في المنطقة، ولديها خبرة طويلة في فرض الحصار الأمريكي والدولي، بما في ذلك في يوغوسلافيا السابقة، وهايتي، ومؤخرًا ضد ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات في فنزويلا قبل الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.

ويشير تحليل أجرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والذي تم الاستشهاد به على نطاق واسع في واشنطن في الأيام الأخيرة، أن الحصار – الذي تحافظ عليه السفن الأمريكية خارج مضيق هرمز، بدعم من الطائرات والقوات – يمكن أن يكون فعالًا.

ويرى مياد مالكي، الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن الحصار قد يُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإيراني، ويقطع معظم تجارته، ويوقف صادراته النفطية، ويُؤدي إلى التضخم وضغوط على العملة في غضون أيام.

وتُعد إيران عرضة بشكل خاص لمثل هذه الخطة، إذ يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 90% من تجارتها السنوية البالغة 109.7 مليار دولار، وفقًا للتحليل. وقد يُضطر الإيرانيون إلى إيقاف إنتاج النفط في غضون أسابيع، لعدم وجود أماكن لتخزينه إذا تعذر شحنه بحرًا. لذا، ثمة احتمال أن تُضيق هذه الخطة الخيارات المتاحة أمام إيران، بشكل لم يفلح معه الهجوم العسكري الجوي.

وبحسب الأدميرال الأمريكي المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكاسي هانت، تلقت إيران ضربة قوية ومباشرة، لكننا لم نخنق اقتصادهم فعليًا. ولهذا السبب ما زال قادة إيران يعتقدون أن لديهم بعض الأوراق الرابحة.

ويمثل الحصار معضلة استراتيجية جديدة لإيران. فخياراتها للتصعيد محفوفة بالمخاطر، إذ قد تؤدي إلى استئناف القتال وانهيار وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد يرد الحرس الثوري على حصار الموانئ الإيرانية بشن هجمات مجددًا على دول الجوار.

ثمة خيار آخر يتمثل في قيام الحوثيين في اليمن بإغلاق طريق بديل لتمرير النفط عبر البحر الأحمر. ستكون هذه الخطوة بمثابة ضربة قاصمة للاقتصاد العالمي، ومن المؤكد أنها ستزيد الضغط السياسي على ترامب، إذ سيهدد الصراع بالخروج عن السيطرة.

ويُشكل الحصار مخاطرة أيضًا بالنسبة للولايات المتحدة. فمن بين الأهداف الضمنية للعملية الضغط على الدول الأجنبية التي تشتري النفط الإيراني، كالصين والهند، لمحاولة إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات. ولكن إذا اعترضت القوات الأمريكية سفينة صينية متجهة نحو إيران، فإنها ستخاطر أيضًا بإشعال أزمة دبلوماسية قبل أسابيع من موعد لقاء ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينج في بكين، وهو لقاء يتطلع إليه الرئيس الأمريكي منذ فترة طويلة.

  • تفاؤل أمريكي بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريبًا

البيت الأبيض متفائل بأن الحصار قد يؤدي إلى جولة جديدة من المحادثات مع إيران، بعد فشل الجلسة الأولى التي عُقدت الأسبوع الماضي في باكستان.

وقد صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت للصحفيين قائلة: “لا يوجد شيء رسمي حتى تسمعوه منا هنا في البيت الأبيض. لكننا متفائلون بشأن فرص التوصل إلى اتفاق”.

وحتى الآن، بدت أسطورة الرئيس ترامب عن فن التفاوض، التي تفترض أن كل أزمة هي فرصة سانحة للتوصل إلى اتفاق، سطحية أمام أعقد المشاكل الجيوسياسية في العالم.

ففي تعاملاتها مع أوكرانيا وكوريا الشمالية وإيران، لطالما لوحت الإدارة الأمريكية بإغراء الإثراء الاقتصادي، متجاهلة الدوافع الثقافية والتاريخية والقومية لخصومها. وكان واضحًا في باكستان مطلع الأسبوع أن المواقف الأمريكية والإيرانية متضاربة، حيث تريد واشنطن منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، والحد من قدراتها الصاروخية، وإنهاء دعمها لوكلائها مثل حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، بينما تطالب إيران بتعويضات عن الحرب وستقاتل من أجل الاحتفاظ بمخزونها من الصواريخ وعلى الأقل الحق نظريًا في تخصيب اليورانيوم.

لكن ملامح اتفاق محتمل تلوح في الأفق وسط ضباب الحرب. وقد صرح مسؤول أمريكي لشبكة “سي إن إن” بأن واشنطن عرضت اتفاقًا يقضي بتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عامًا، بينما طالبت إيران بـ 5 أعوام.

وأخيرا، يتطلب صنع السلام الناجح من كل طرف العمل على خلق مساحة من الفرص المشتركة التي تُلبي المصالح والأهداف، وعرضها على مختلف الجهات في كل دولة على أنها انتصار. ومن المرجح أن يستغرق هذا العمل شهورًا عديدة، بما في ذلك مناقشات معمقة حول مسائل معقدة كالفيزياء النووية وتخصيب اليورانيوم. وسيتطلب من الإدارة الأمريكية إظهار عمق ودقة وصبر افتقرت إليها دبلوماسيتها حتى الآن، لذلك فإن السؤال الأهم بشأن الحصار الجديد الذي فرضه ترامب على إيران هو ما الذي سيحدث لاحقًا في حال نجاحه.

زر الذهاب إلى الأعلى