في تطور ملحوظ بالموقف الصيني من الصراع الدائر حاليًا في الشرق الأوسط، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة رباعية النقاط لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة تركز على احترام السيادة، والتنمية المشتركة، والتعايش السلمي، والتوازن بين الأمن والتنمية، وبموازاة ذلك وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جيا كون الحصار الأمريكي المفروض على موانئ إيران بأنه خطير وغير مسؤول، مشيراً إلى أن الصين تحث الأطراف كافة على الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، ومواصلة الحوار ومحادثات السلام، واتخاذ إجراءات عملية لتخفيف التوترات الإقليمية، واستعادة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن.
وفي هذا الإطار، نشرت مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكية مقالًا لريتشارد ويتز مدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هدسون، تحت عنوان “كيف تؤثر الحرب الإيرانية على العلاقات الأمريكية الصينية؟” نستعرض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:
- تجنب الرئيس الصيني لانتقاد ترامب
بذل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جهودًا حثيثة لتحسين العلاقات مع بكين استعدادًا لاجتماعه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت لاحق من هذا العام. وتأمل الإدارة الأمريكية في استقرار العلاقات الاقتصادية والتعاون في قضايا الأمن الإقليمي. وفي الأيام الأخيرة، أشاد ترامب بالدبلوماسية الصينية لمساهمتها في إقناع إيران بقبول وقف إطلاق النار والانخراط في محادثات سلام مع الولايات المتحدة.
وبينما تجنب الرئيس شي توجيه انتقادات علنية لترامب أو للولايات المتحدة، أدان الدبلوماسيون الصينيون مرارًا وتكرارًا الولايات المتحدة وإسرائيل.
فعلى سبيل المثال، قال الوفد الصيني لدى الأمم المتحدة إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي “يفتقر إلى المبررات والشرعية”. وقد أثبت دعم الصين لإيران ثباتًا ملحوظًا على مر السنين. ففي عام 2021، وقع وزيرا خارجية الصين وإيران اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة لمدة 25 عامًا لدعم التعاون الاقتصادي والطاقي طويل الأمد.
لقد ساعدت الصين لسنوات الحكومة الإيرانية في الحصول على طائرات من دون طيار “درونز” عسكرية ووقود صواريخ، والالتفاف على العقوبات الأمريكية. وتشير تقارير إعلامية إلى أن الصين تستعد لتزويد إيران بصواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف، وهي الأسلحة نفسها التي استخدمها الإيرانيون مؤخرًا لإسقاط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز “إف-15”. وتسهم واردات النفط الإيراني المخفضة في إبقاء تكاليف الإنتاج الصينية منخفضة، مع الحفاظ على القوة العسكرية الإيرانية، حيث تذهب معظم العائدات إلى الحكومة والحرس الثوري.
مع ذلك، ورغم أهمية إيران كشريك اقتصادي، فإن حجم التجارة والاستثمار الصيني مع السعودية والعراق والإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى يفوقها بكثير. ويُشكل استمرار الحرب مخاطر جسيمة على بكين، إذ تُهدد استراتيجية إيران في التصعيد الأفقي مصالح الصين الاقتصادية الضخمة في دول الخليج الأخرى. ولم تكن جهود بكين للحد من القتال بمثابة خدمة لواشنطن، بل عكست اعتبارات أمن الطاقة الصينية ومصالحها الوطنية الأخرى.
- مكاسب صينية من الصراع
وتستغل الصين الصراع لتحقيق مكاسب أخرى، إذ ترحب بكين بتورط الولايات المتحدة عسكريًا في الشرق الأوسط، ما يُضعف قدراتها الدفاعية في آسيا. ويُجري المحللون الصينيون تقييمًا لفاعلية الجيش الأمريكي وكيفية إضعافه. علاوة على ذلك، تُوظف بكين التوترات عبر الأطلسي بشأن الحرب وقضايا أخرى لتسريع المصالحة مع الحكومات الأوروبية التي تتحفظ على العداء مع روسيا، وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة. كما تسعى الصين إلى مواجهة قوة الولايات المتحدة في مجال الهيدروكربونات من خلال تسويق تقنيات الطاقة النظيفة للدول التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
إن سلوك بكين تجاه الحرب ليس مفاجئًا. فقد سعت الصين إلى إضعاف الولايات المتحدة في مجالات كثيرة. ويستهدف التجسس الصيني الملكية الفكرية للشركات الأمريكية وأسرار الدولة الأمريكية. ووفقًا لأحد خبراء الشؤون الصينية، فإن التجسس الصيني “يُعد، من حيث النطاق والشمول والجرأة، أكبر عملية تجسس ضد الولايات المتحدة في تاريخها”.
- تحدي ترامب لاستراتيجية الصين للأمن الدولي
مع ذلك، شكلت سياسات إدارة ترامب تجاه إيران تحديًا لأركان أساسية في استراتيجية الصين للأمن الدولي، بما في ذلك وصولها إلى الأسواق العالمية، ومواردها النفطية الرخيصة، واستفادتها المجانية من المنافع العامة العالمية التي تدعمها الولايات المتحدة.
وقد حذّر ترامب صراحة من أن الصين ستواجه “مشاكل كبيرة” إذا ما زودت إيران بالأسلحة خلال النزاع الحالي. علاوة على ذلك، فإن عودة القوة العسكرية الأمريكية تُضعف مصداقية روايات الدعاية الصينية حول ما يُزعم من تراجع أمريكا عالميًا.
كما تصدت إدارة ترامب لهجوم بكين التكنولوجي المتقدم. وحافظت الولايات المتحدة على شراكاتها مع شركاء أوروبيين وآسيويين رئيسيين لتعزيز ضوابط التصدير العالمية ودعم سلاسل التوريد الدولية في مواجهة التغلغل الصيني. لمواجهة شركة هواوي، وافقت الإدارة الأمريكية مؤخرًا على اندماج شركتين أمريكيتين، هما “هيوليت-باكارد إنتربرايز” و”جونيبر نتوركس”، مما أدى إلى إنشاء قوة تكنولوجية جديدة تتمتع بموقع قوي لمنافسة العملاق الصيني.
كما أطلق الكونجرس ووزارة الحرب الأمريكية “البنتاجون” مبادرات جديدة لتشجيع مزيد من الشركات الأمريكية الصغيرة على المشاركة في عملية شراء المعدات الدفاعية الأمريكية التي لطالما كانت معقدة. وستوضح زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين طبيعة العلاقة المتغيرة بين الصين والولايات المتحدة في أعقاب الحرب الإيرانية. وقد تُؤثر هذه الزيارة بشكل كبير على مستقبل التنافس بينهما في الشرق الأوسط ومناطق أخرى.



