شكلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فرصة لكشف الدوافع الاستراتيجية العميقة للقوى الخارجية التي دخلت بدرجات متفاوتة على خط الصراع المشتعل حاليًا في منطقة الشرق الأوسط، ويبرز هنا على نحو خاص موقف كل من الصين وروسيا اللتين تعارضان الهيمنة الغربية، وتنتقدان العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتحافظان على علاقات وثيقة مع طهران.
وفي هذا الإطار، نشرت مجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية، مقالاً للدكتور جاغاناث باندا رئيس مركز استوكهولم لشؤون جنوب آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ في معهد الأمن وسياسة التنمية في السويد، سعى فيه إلى الإجابة عن سؤالين رئيسيين: هل الصين وروسيا متفقتان في نهجهما تجاه الحرب الإيرانية أم أنهما تتقاربان تكتيكيًّا فقط بينما تتباعدان استراتيجيًّا؟ وماذا تكشف اختلافاتهما عن الطبيعة المتطورة لتنافس القوى العظمى في نظام عالمي مجزأ؟ وهو ما نستعرضه على النحو التالي:
- موازنة الصين وتحالف روسيا في الشرق الأوسط
يكمن التباين بين موقف بكين وموسكو في اختلاف جوهري: فالصين تسعى إلى تحقيق التوازن، بينما تنحاز روسيا في هذه الحرب في الشرق الأوسط.
يتشكل نهج الصين تجاه إيران وفقًا لحسابات اقتصادية طويلة الأمد. فطهران مورد للطاقة، ومركز لوجيستي في مشاريع الربط، وشريك ضمن إطار أوسع لدول الجنوب العالمي. ومع ذلك، لا تنظر الصين إلى إيران كحليف حصري، حيث تتمثل استراتيجيتها في الحفاظ على انخراط متزامن مع إيران وإسرائيل ودول الخليج العربي، وهو توازن دقيق يسمح لبكين بالبقاء راسخة اقتصاديًّا عبر التكتلات المتنافسة.
لكن الحرب الإيرانية تُخل بهذا التوازن. فالتصعيد يُهدد بتعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وزعزعة استقرار خطوط الشحن، وحدوث تقلبات في الأسواق العالمية التي تعتمد عليها الصين، ونتيجة لذلك، فإن غريزة بكين هي تهدئة الصراع، لا تأجيجه.
في المقابل، تتعامل روسيا مع إيران من منظور جيوسياسي أكثر وضوحًا، فقد تعمقت علاقة روسيا بطهران لتتحول إلى تحالف استراتيجي قائم على معارضة مشتركة للضغوط الغربية. وأصبح التعاون العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق في الرسائل السياسية سمات أساسية لهذه العلاقة.
وبينما تتجنب موسكو تقديم ضمانات أمنية غير مشروطة لإيران، فإن موقفها أقل غموضًا بكثير من موقف الصين. فروسيا مستعدة لأن يُنظر إليها على أنها حليفة سياسيًّا لإيران لأن هذا التحالف يُعزّز مواجهتها الأوسع مع الغرب. ويُعد هذا الاختلاف جوهريًّا، إذ تسعى الصين إلى المرونة، بينما تقبل روسيا بالقيود مقابل الحصول على نفوذ.
وفي حين تحاول الصين التحوط عبر علاقات متعددة في أزمة الشرق الأوسط، تعطي روسيا الأولوية لمحور أضيق نطاقًا لكنه أكثر حزمًا. والنتيجة هي أنه حتى عندما تنتقدان إسرائيل أو الولايات المتحدة، فإنهما تفعلان ذلك من منطلقات استراتيجية مختلفة.
- الصين الوسيطة في مواجهة روسيا المُزعزعة
يُعد اختلاف وجهات نظر البلدين وتفسيراتهما لهذه الحرب جانبًا آخر لافتًا للنظر. فمن منظور موضوعي، تُفضل الصين دور الوسيط في هذه الأزمة، إذ تُشدد بياناتها الرسمية على وقف إطلاق النار والحوار والتسوية السياسية.
ومن وجهة نظر بكين، لا يُعد هذا مجرد استعراض دبلوماسي، بل يعكس طموحها في ترسيخ مكانتها كقوة استقرار في السياسة العالمية. ومن خلال دعوتها للمفاوضات، تُرسل الصين إشارة إلى دول الجنوب العالمي وأجزاء من أوروبا، بأنها تُقدم بديلًا لما تُصوره على أنه نزعة عسكرية غربية. وتُمثل الحرب الإيرانية فرصة لتعزيز صورة الصين كقوة مسؤولة قادرة على إدارة الأزمات دون تصعيدها، وهي صورة فقدتها في الحرب الأوكرانية بسبب دعمها المطلق لروسيا.
أما دور روسيا فهو أكثر تعقيدًا، فهي أيضًا تدعو إلى ضبط النفس، لكن فعلها وخطابها يكشفان عن نية مختلفة. إذ تستغل موسكو الصراع لتعزيز روايتها حول الزعزعة الغربية للاستقرار، مُصورة الحرب كنتيجة لسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبذلك، لا تُصور روسيا نفسها كوسيط محايد، بل كقوة موازنة استراتيجية. وتُصبح الحرب مسرحًا تستطيع روسيا من خلاله إظهار حدود النفوذ الغربي وإبراز هشاشة النظام الدولي القائم.
أما الاختلاف المهم الآخر فيكمن في الجغرافيا والطاقة. فبالنسبة لبكين، تُمثل الحرب الإيرانية في المقام الأول خطرًا اقتصاديًّا، لأن اعتمادها على واردات الطاقة من الشرق الأوسط يجعل الاستقرار في الخليج ضرورة استراتيجية. وأي اضطراب في مضيق هرمز سيُؤدي إلى عواقب وخيمة على الصناعة الصينية والتضخم والنمو.
إلى جانب الطاقة، تُهدد الحرب طرق التجارة وسلاسل الإمداد على نطاق أوسع، مما يُعقد طموحات بكين الاقتصادية العالمية. لذلك ليس من المستغرب أن يُركز رد الصين على خفض التصعيد، فهذه الحرب ليست فرصة بل هي عبء على الصين.
على النقيض من ذلك، تنظر روسيا إلى الأزمة نفسها بنظرة أكثر تفاؤلًا، فبينما لا تتجاهل عدم الاستقرار، إلا أنها أقل عُرضة للاضطرابات في الشرق الأوسط من الناحية الهيكلية. بل إن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الصراع قد يفيد اقتصاد روسيا المنتج للطاقة. والأهم من ذلك، أن الحرب تحول انتباه وموارد الغرب بعيدًا عن أوكرانيا، مما يخلق مساحة استراتيجية لموسكو.
- مقاربتا روسيا والصين المختلفتان تجاه إسرائيل
يكمن الاختلاف الأهم بين النظرتين الصينية والروسية في تباين مواقفهما السياسية تجاه إسرائيل. فلا تزال الصين تتبنى نهجًا حذرًا ومحسوبًا تجاه تل أبيب، ورغم انتقادها للعمليات العسكرية الإسرائيلية، فإن بكين مترددة في قطع العلاقات.
وترى الصين في إسرائيل مصدرًا للقدرات التكنولوجية، وفرصًا للتبادل الاقتصادي، ونقطة ارتكاز ضمن المنظومة الغربية الأوسع. وتتمثل استراتيجية الصين في الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف، بما يضمن قدرتها على العمل عبر التكتلات المتنافسة. وهذا يخلق قيدًا طبيعيًا، إذ لا تستطيع بكين التوافق التام مع إيران دون تعريض علاقتها بإسرائيل للخطر وبالتالي أجزاء من الغرب.
أما روسيا، فتواجه قيودًا أقل. فقد تدهورت علاقتها بإسرائيل بمرور الوقت، لا سيما بسبب الخلافات في سوريا (في ظل النظام السابق “نظام بشار الأسد”) وتداعيات الحرب الأوكرانية. وبينما لا تسعى موسكو إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، إلا أنها أقل ترددًا في انتقاد العمليات الإسرائيلية والتقارب الخطابي مع إيران.
- إدارة النظام الصينية مقابل الانتهازية الاستراتيجية الروسية
في نهاية المطاف، يعكس التباين بين الصين وروسيا فلسفتين متباينتين للقوة في عالم متعدد الأقطاب. تتصرف الصين بنهج حذر لإدارة النظام، ساعية إلى الحفاظ على الاستقرار قدر الإمكان، وتخفيف المخاطر التي تهدد مصالحها الاقتصادية، وترسيخ مكانتها كبديل موثوق للقيادة الغربية. ويتماشى نهجها في الحرب الإيرانية مع هذا المنطق: خفض التصعيد، والوساطة، وتجنب التورط.
أما روسيا، فتتصرف كفاعل انتهازي استراتيجي. فهي لا تسعى إلى الفوضى لذاتها، بل هي أكثر استعدادًا لاستغلال عدم الاستقرار لخدمة مصالحها. وتتيح الحرب فرصًا لتحدي الروايات الغربية، وتعميق العلاقات مع إيران، وتغيير موازين القوى في السياسة العالمية. ولذلك، فإن انخراط روسيا أكثر حزمًا، حتى مع تجنبها التدخل العسكري المباشر.
ولا يُعد هذا تناقضًا ضمن تحالف مشترك، بل هو تباين ضمن تقارب أوسع. قد تتفق الصين وروسيا في جوانب متضاربة من النظام العالمي الذي يقوده الغرب، لكنهما لا تتشاركان رؤى متطابقة لما ينبغي أن يحل محله.
وتُظهر الحرب الإيرانية هذا بوضوح، إذ تكشف عن شراكة براغماتية وليست موحدة، واستراتيجية وليست أيديولوجية. إن ضبط النفس الصيني وحزم روسيا ليسا ردود فعل مؤقتة، بل هما تعبيران عن ثقافات استراتيجية أعمق. ومع تطور الحرب، ستستمر هذه الاختلافات في تشكيل سياساتهما تجاه إيران وإسرائيل، فضلًا عن أدوارهما الأوسع في نظام عالمي يزداد تشرذمًا.



