ترجمات

إلى أين تمضي الحرب على إيران؟

مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الخامس، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة تحذير  لطهران بأن مهلة الـ 10 أيام التي منحها لها للتوصل لاتفاق وفتح مضيق هرمز بدأت تنفد ولم يتبق منها سوى 48 ساعة فقط، بينما تتسابق الولايات المتحدة وإيران للعثور على أحد الطيارَين الأمريكيين اللذين تحطمت طائرتهما داخل الأراضي الإيرانية بعدما قامت قوات أمريكية خاصة بإنقاذ زميله، فيما رصدت السلطات الإيرانية مكافأة مالية قدرها 60  ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تقود للعثور عليه، أملا في أسره وامتلاك ورقة جديدة على طاولة التفاوض المرتقبة.

وتدفع تلك التطورات المتسارعة إلى التساؤل حول المسار الذي ستسلكه حرب إيران خلال الأيام المقبلة، حيث نشرت مؤسسة راند للأبحاث تقريرا يتناول تلك المسألة نستعرضه على النحو التالي:

  • مسار الحرب الراهن

لم يمض على الحرب الإيرانية سوى شهر واحد وبضعة أيام، والرأي السائد بين المعلقين أنها أصبحت بالفعل “مستنقعًا”، إن لم تكن “كارثة”. وقد شبه النقاد هذا الصراع بغزو الولايات المتحدة لكل من العراق وأفغانستان، وتدخلها في الحرب الكورية وبالطبع بأكبر إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية إيلامًا، وهي حرب فيتنام. لكن الحرب مع إيران ليست كارثة، بل هي معضلة.

من الناحية العملياتية، تسير الحرب بشكل جيد نسبيًا: إذ تُدمر الولايات المتحدة وإسرائيل معظم ما كانتا تستهدفانه في البداية. وإذا واجهت العملية صعوبات، فليس ذلك بسبب نقص الخيارات لدى الولايات المتحدة، بل لأن لكل مسار ثمنه.

ففي إعلانه عن الهجوم على إيران، حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أربعة أهداف للحرب: “تدمير صواريخ إيران وتدمير صناعتها الصاروخية”، و”إبادة أسطولها البحري”، و”ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي”، وإضعاف شبكة وكلاء إيران حتى لا تتمكن من زعزعة استقرار المنطقة.

وبعد مرور شهر على بدء الحرب، أحرزت الولايات المتحدة وإسرائيل تقدمًا ملحوظًا نحو تحقيق ثلاثة من هذه الأهداف. لنبدأ بالصواريخ: انخفضت عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية بنسبة 90% خلال الأسبوع الأول من الحملة. ففي اليوم الأول من الحرب، أطلقت إيران أكثر من 400 صاروخ، لكن ذلك كان ذروة ما أطلقته.  وشهدت الأسابيع القليلة الماضية إطلاق ما بين 20 و 40 صاروخًا إيرانيًا يوميًا.

ولتوضيح هذه الأرقام، دخلت إيران الحرب بمخزون يُقدر بما بين 2500 و6000 صاروخ. وقد أُطلق أكثر من 1500 صاروخ، بالإضافة إلى عدد غير معروف دُمر في غارات جوية أمريكية وإسرائيلية.

علاوة على ذلك، ادعت إسرائيل أنها دمرت أو عطلت نحو 70% من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، بينما صرحت الولايات المتحدة بأنها دمرت نحو ثلثي قدرة إيران على تصنيع الأسلحة. وفي 30 مارس الماضي، أعلنت إسرائيل أنها قصفت عشرات المواقع الإضافية للصناعات الدفاعية الإيرانية.

ومن المرجح أن يكون لهذا التدهور أثران مهمان. فإذا لم تتمكن إيران من استعادة قدرتها التصنيعية في المدى القريب، فستواجه صعوبة في نهاية المطاف في الحفاظ على معدل إطلاق الصواريخ الحالي. ويمكنها الاعتماد بشكل أكبر على الطائرات المسيرة – المتوفرة لديها بكثرة والتي يسهل إنتاجها – لكنها أبطأ وأسهل اعتراضًا.

وبعد انتهاء الحرب، ستظل إيران قادرة على بناء طائرات مسيرة وصواريخ هجومية – فالقصف لا يستطيع تدمير الخبرة التقنية الأساسية – لكنها ستحتاج إلى وقت لإعادة بناء المنشآت، واستبدال الأفراد، واستعادة سلاسل الإمداد للعمل مجددًا.

أما عن القدرات البحرية فهي في وضع مشابه. فقد ادعت الولايات المتحدة أنها دمرت أكثر من 140 سفينة حربية إيرانية – أي 92% من أسطولها بالكامل – كما استهدفت أحواض بناء السفن الإيرانية.

وقد لا يكون لهذا الأمر أهمية كبيرة في المعركة الدائرة في مضيق هرمز. ففي نهاية المطاف، هناك طرق متعددة لاستهداف ناقلات النفط الكبيرة والبطيئة الحركة في هذا الشريط البحري الضيق قبالة سواحل إيران.

لكن هذا يحد من قدرة إيران على بسط نفوذها إلى ما هو أبعد من ذلك. ورغم أن إيران قادرة على إعادة بناء أسطولها في نهاية المطاف، فإن ذلك يستغرق وقتًا.

وينطبق الأمر نفسه على برنامج إيران النووي. فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نوفمبر الماضي أن بلاده لم تعد قادرة على تخصيب اليورانيوم بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو الماضي. وفيما يتعلق بالحرب الحالية، صرح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، قائلاً: “لا يمكن إنكار أن هذا قد أدى إلى تراجع البرنامج بشكل كبير”. لكن غروسي أشار أيضًا إلى أن إيران لا تزال تمتلك الخبرة التقنية، وبالتالي يمكنها إعادة بناء برنامجها مع مرور الوقت، كما هي الحال مع الصواريخ والسفن.

في المقابل، جرى إحراز تقدم أقل في تفكيك شبكة وكلاء إيران، لكن هذا قد يتغير. فحزب الله في لبنان، والميليشيات المدعومة من إيران في العراق، والحوثيون في اليمن، ما زالوا يتمتعون بنفوذ كبير. بل إن “حزب الله” كثّف ضرباته على إسرائيل خلال الحرب. كما استهدفت الميليشيات المدعومة من إيران المناطق الكردية والمواقع الأمريكية في جميع أنحاء العراق.

لكن حتى في هذه الحالة، النتائج متفاوتة. كما أن إسرائيل تُصعد تدخلها العسكري في لبنان، لذا قد يتغير وضع “حزب الله” بشكل كبير خلال أسابيع قليلة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، حققت الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل بعض المكاسب المهمة. فقد ازدادت حدة موقف مجموعة من دول الخليج – البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات- بالإضافة إلى الأردن، في إدانة وكلاء إيران. وحمل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام حزب الله مسؤولية الصراع الحالي، وجدد دعوته لنزع سلاحه، وطرد السفير الإيراني من البلاد.

على النقيض من ذلك، فإن استراتيجية إيران التصعيدية – المتمثلة في قصف الحلفاء الإقليميين لواشنطن على أمل الضغط على ترامب لإنهاء الحرب – قد أتت بنتائج عكسية إلى حد كبير. مع ذلك، أثبت إغلاق مضيق هرمز نجاحًا نسبيًا لإيران. فقد ألحق ضررًا بالغًا بأسواق الطاقة العالمية، وعقد مسار الحرب، وسيُلحق المزيد من الضرر الاقتصادي كلما طال أمده.

لكنه لم يدفع إدارة ترامب إلى التراجع. وحتى حلفاء الولايات المتحدة المتشككين بدأوا يميلون تدريجيًا إلى ضرورة إعادة فتح المضيق، وإن كان الشكل الذي سيتم به ذلك لا يزال غير واضح.

  • تحدي إنهاء الحرب

لكن التحدي الأكبر الذي واجهته الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب يكمن في إنهاء الحرب. يبدو أن كلا البلدين كان يأمل أنه مع تراجع النظام الإيراني، سينتفض الشعب الإيراني ويطيح بالحكومة. لكن هذا لم يحدث حتى الآن. وهذا ليس بالأمر المفاجئ. فالحروب الجوية نادرًا ما تُفضي إلى تغيير الأنظمة.

صحيح أن الحرب الجوية على كوسوفو أدت بشكل غير مباشر إلى سقوط الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، لكن ذلك استغرق أكثر من عام بعد انتهاء الحرب.  وبالمثل، ساهمت الحرب الجوية على ليبيا في الإطاحة بمعمر القذافي، ولكن بعد تدخل القوات البرية.

  • خيارات أمام الولايات المتحدة

 وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجرد عدم حدوث تغيير جذري في النظام لا يعني أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الخيارات.

أولاً، يمكن للولايات المتحدة الانسحاب ببساطة. وهذا من شأنه أن يُبقي إيران عمليًا مسيطرة على مضيق هرمز، ويُمكنها من فرض رسوم على حركة الملاحة البحرية، كما بدأت تفعل مع ناقلات النفط القليلة التي سمحت لها بالمرور دون عوائق. وهذا من شأنه أن يوفر للنظام مصدرًا إضافيًا للدخل يُمكنه استخدامه لأغراض تدميرية.

ومع مرور الوقت، ستُعيد إيران بناء ترسانتها، وسيكون السؤال حينها متى – وليس ما إذا – تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم في نفس الموقف الذي كانوا فيه قبل الحرب؟ وسيُرسخ هذا سابقة خطيرة لدول أخرى تُطالب بممرات مائية متنازع عليها، كما فعلت الصين بمضيق تايوان.

مع ذلك، قد تُقرر واشنطن أن المخاطر الكامنة في المزيد من العمل العسكري تفوق تلك التكاليف. علاوة على ذلك، إذا كانت رسوم الشحن الجديدة التي فرضتها إيران باهظة للغاية، فمن المرجح أن تُضاعف دول الخليج جهودها في البحث عن طرق أخرى – مثل مد خطوط أنابيب برية إضافية تُحيط بمضيق هرمز – لإيصال نفطها إلى الأسواق.

ثانيًا، يمكن للولايات المتحدة مواصلة حملتها الجوية على افتراض أن القيادة الإيرانية ستجلس في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات. هذه النظرية ليست بعيدة عن المنطق. فبينما يصعب الحصول على تقييم شامل للأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني، إلا أنها بلا شك جسيمة، وتتزايد التكاليف التي تتحملها إيران مع استمرار الحرب.

علاوة على ذلك، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل عدد كبير من كبار قادة إيران، مما يمنح القادة الحاليين دافعًا شخصيًا قويًا لعقد صفقة. وإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض مثل هذه الصفقة، فسيكون من المرجح أن تتمكن من ترسيخ بعض المكاسب التي حققتها خلال الحرب. أما الجانب السلبي لإطالة أمد الحرب في انتظار تغيير إيران لموقفها فهو التكلفة الباهظة.

فمن الناحية العملياتية، يتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل القلق بشأن إمداداتهما من الذخيرة، وكذلك الإيرانيون. ثم هناك أيضًا تكلفة اقتصادية عالمية، على الرغم من أن التداعيات الاقتصادية ستزيد الضغط على الدول الأوروبية والآسيوية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ولو من باب المصلحة الاقتصادية الذاتية. وستكون هناك خسائر في الأرواح أيضًا، على الرغم من أن الخسائر الأمريكية كانت محدودة حتى الآن.

وأخيرًا، يمكن للولايات المتحدة تصعيد الموقف. ويمكنها مهاجمة فئات جديدة من الأهداف، مثل شبكة الكهرباء الإيرانية، أو استخدام قوات برية للاستيلاء على أراضٍ إيرانية. قد يدفع هذا إيران إلى التفاوض على اتفاق أو حتى إسقاط النظام.

قد تُقصر هذه التحركات أمد الصراع، أو في حال أدت إلى تغيير النظام، قد تُحقق نتيجة حاسمة. لكنها تنطوي على مخاطر أكبر من حيث الخسائر في الأرواح والأموال والعواقب غير المقصودة.

وضمن هذه الخيارات الثلاثة الأساسية، توجد العديد من التفاصيل الدقيقة المحتملة. لكن بيت القصيد هو أن الحرب ليست الكارثة التي يصورها البعض، كما أن الولايات المتحدة ليست عالقة في مستنقع.

لقد نجحت الحرب بالفعل في صد التهديد الإيراني، ولا تزال أمام الولايات المتحدة مسارات متعددة للمضي قدمًا. السؤال الحقيقي هو: ما مقدار المخاطر الإضافية التي يجب على واشنطن قبولها، وعلى أي مدى زمني؟ بإمكانها السعي إلى انسحاب سريع والاعتراف بأن مشكلة إيران ستعود مع مرور الوقت، أو بإمكانها السعي إلى حل أكثر استدامة ولكنها تقبل بحرب أكثر تكلفة وربما أطول أمداً اليوم. لا شك أن هذه معضلة، ولكن جميع الحروب تدور حول المعضلات.

زر الذهاب إلى الأعلى