منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في أواخر الشهر الماضي، ردت إيران باستهداف السفن التجارية في مضيق هرمز، ما أدى فعليًا إلى إغلاق هذا الممر المائي الضيق. وقد تسبب ذلك في أزمة وقود عالمية، على الرغم من تمكّن بعض السفن من عبور المضيق.
ووجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنذارًا نهائيًا لإيران لإعادة فتح الممر المائي بالكامل أمام شحنات النفط والغاز، ودعا الحلفاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى تقديم المساعدة في هذا الاتجاه.
وفي هذا الإطار، استطلع موقع “ذا كونفرزيشن” الإخباري الأسترالي، رأي الخبيرة البحرية جينيفر باركر، التي خدمت لمدة 20 عامًا في البحرية الملكية الأسترالية، لتوضيح نوع القوة العسكرية المطلوبة لإعادة فتح المضيق أمام الملاحة التجارية، ولماذا لم تتخذ الولايات المتحدة هذه الخطوة حتى الآن؟
- لماذا يصعب منع الهجمات على السفن؟
للموقع الجغرافي بالمنطقة دور كبير في ذلك، حيث تسيطر إيران بشكل واضح على الجزء الشمالي من الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان. وهذا القرب الجغرافي يُمكنها من استخدام أسلحتها الأقل تكلفة، كالطائرات من دون طيار “الدرونز”، لاستهداف السفن.
وتتطلب تهيئة الظروف لجعل الملاحة التجارية آمنة أو على الأقل تقليل المخاطر، حملة من مرحلتين:
المرحلة الأولى هي تجريد إيران من قدرتها على استهداف السفن، وهناك طريقتان لتحقيق ذلك:
- إقناع إيران أو إجبارها على التوقف عن مهاجمة السفن.
- تدمير قدرة إيران على مهاجمة السفن من خلال تدمير مرافق الرادار وهياكل القيادة والسيطرة ومخابئ الأسلحة على طول الساحل.
تمتلك الولايات المتحدة قدرات جوية واستخباراتية ومراقبة واستطلاع تمكنها من تحديد وتدمير معظم هذه الأهداف. أما تحديد مواقع أسراب طائرات الدرونز الإيرانية وتدميرها فسيكون أكثر صعوبة، إذ يمكن تخزينها في أي مكان تقريبًا، لذا ستكون المعلومات الاستخباراتية بالغة الأهمية في هذه الحالة.
وبعد تقليل المخاطر من خلال حملة قصف، يأتي العنصر الثاني لإعادة السفن إلى المضيق، وهو حملة طمأنة. ويتطلب ذلك طائرات إنذار مبكر محمولة جوًا وطائرات دوريات بحرية لمراقبة المضيق وخليج عُمان والخليج العربي وعلى طول الساحل الإيراني.
كما يجب نشر طائرات مقاتلة فوق المضيق والخليج، حيث يجب أن تكون طائرات الدوريات الجوية القتالية والمروحيات جاهزة للانتشار في حال وقوع هجمات. وفي المياه، ستحتاج الولايات المتحدة إلى نشر سفن حربية لتوفير الحماية عند الحاجة.
وإذا تأكد وجود ألغام في المضيق، أو حتى مجرد الاشتباه بوجودها، فإن ذلك يُعقد الأمور، حيث ستحتاج الولايات المتحدة إلى عملية واسعة النطاق لإزالة الألغام، وتستغرق وقتًا طويلًا.
- لماذا لا تحاول الولايات المتحدة تأمين المضيق عسكريًا؟
هناك أربعة أسباب رئيسية لعدم محاولة الولايات المتحدة تأمين المضيق عسكريًا قبل تحقيق المرحلة الأولى المتمثلة في القضاء على قدرة إيران على استهداف السفن:
أولًا: سيؤدي ذلك إلى تحويل موارد عسكرية مثل الطائرات مطلوبة في أماكن أخرى لتنفيذ أهداف ترامب الحربية. ثانيًا: لجعل المضيق آمنًا للملاحة، لا بد من تأمين ليس فقط المياه، بل الأرض على جانبيه أيضًا. وهذا يتطلب على الأرجح قوات برية – أو ربما فرق مداهمة على الساحل الإيراني – وهو أمر معقد ومحفوف بالمخاطر بالنسبة للجيش الأمريكي.
ثالثًا: يتطلب تأمين الملاحة عددًا كبيرًا من السفن الحربية. فعمليًا، ستحتاج إلى سفينة أو سفينتين حربيتين لكل عملية مرافقة. أي قافلة أكبر من ذلك ستكون أكثر عُرضة للهجوم، ما لم تُقلص الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل كبير قدرة إيران على استهداف السفن.
رابعًا: على الجيش الأمريكي أن يوازن بين المخاطر التي تهدد أصوله وفوائد فتح المضيق.
تضم السفينة الحربية الأمريكية طاقمًا يزيد على 200 فرد. ونظرًا لقدرة إيران على ضرب السفن بسفن سطحية غير مأهولة وطائرات درونز وصواريخ كروز، فهل يستحق الأمر تعريض هؤلاء الأفراد للخطر قبل الحد من التهديدات القادمة من سواحل إيران؟
- ماذا عن الألغام في المضيق؟
سيمثل هذا تحديًا كبيرًا. لكن قبل ذلك، لا تحتاج إيران فعليًا إلى زرع الألغام، بل يكفيها إقناع الولايات المتحدة وغيرها بأنها فعلت ذلك. وهذا كافٍ لمنع السفن المدنية من عبور المضيق.
أحيانًا تطفو الألغام على سطح الماء ما يجعلها مرئية. لكن في كثير من الأحيان، تكون الألغام مغمورة أو مثبتة في الماء. وفي تلك الحالة ستحتاج الولايات المتحدة إلى إرسال غواصين أو مركبات يتم التحكم فيها عن بُعد تُطلق من السفن لإزالتها، وقد يستغرق هذا أسابيع أو حتى شهورًا.
على الرغم من عدم تأكيد ذلك رسميًا، من غير المرجح أن تقوم إيران بزرع الألغام على نطاق واسع، لسببين:
أولًا: يعتمد اقتصاد إيران على قدرتها على شحن نفطها من جزيرة خرج في الخليج العربي عبر مضيق هرمز. وفي حين تمتلك إيران موانئ أخرى خارج المضيق، لكنها لا تستوعب سفنًا كبيرة، لذا فإن زرع الألغام سيعيق تجارتها.
ثانيًا، أشارت بعض التقارير إلى أن إيران استخدمت ألغامًا صوتية، وهي نوع من الألغام المؤثرة التي تنفجر بناءً على “بصمة” صوتية، أي ما يشبه صوت السفينة أثناء تحركها في الماء.
ومع أن هذه التقنية موجودة بالفعل، فمن غير المرجح أن تكون هذه الألغام مصممة للتمييز بدقة بين السفن التجارية التي ترفع العلم الإيراني وتلك التي ترفع أعلام دول أخرى. ويُعد الحفاظ على بيانات دقيقة وشاملة لبصمات عدد كبير من السفن التجارية، لا سيما في بيئة ملاحية كثيفة وديناميكية كالمضيق، تحديًا بالغ الصعوبة.
عمليًا، تُشكل هذه الألغام مخاطر على طيف واسع من الملاحة. كما تمتلك الولايات المتحدة أصولًا استخباراتية وأنظمة مراقبة واستطلاع متطورة على طول الساحل الإيراني، ما يُرجح قدرتها على رصد عمليات زرع الألغام، مع العلم أن هذه العمليات قد تحدث من أي سفينة، بما فيها قوارب الصيد.
- ماذا عن قدرة إيران على استهداف السفن بطائرات الدرونز؟
استخدمت إيران أنواعًا مختلفة من طائرات الدرونز في الحرب حتى الآن. وتُسير هذه الطائرات، سواءً كانت طائرات أو سفنًا سطحية من دون طاقم، عن بُعد، وقد استُخدمت لاستهداف ناقلات النفط التجارية.
بالمقارنة مع أسلحة أخرى كالصواريخ، يصعب على الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف طائرات الدرونز الإيرانية على الأرض، لأنها تُطلق من أي مكان تقريبًا. ورغم استحالة تصنيعها في أي مكان، فإن طائرات الدرونز لا تتطلب نفس منشآت التصنيع المتقدمة التي تتطلبها الصواريخ.
باختصار، يصعب رصدها وتدميرها. لكن بإمكان الولايات المتحدة قصف بعض مواقع إطلاق طائرات الدرونز الإيرانية ومخازنها على طول الساحل لمنع بعض الهجمات على السفن.
- ما الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة في إيران حاليًا؟
على الرغم من كثرة النقاشات حول تغيير النظام، فقد أوضحت إدارة ترامب أهدافها العسكرية الأربعة الرئيسية، وهي تدمير:
- قدرة إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية
- قدرتها النووية
- قواتها البحرية (التي تحققت إلى حد كبير)
- شبكاتها الوكيلة، بما في ذلك حزب الله في لبنان، الذي يتعرض لهجوم من إسرائيل منذ عدة أسابيع.
وأخيرًا، يتطلب تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية أعدادًا كبيرة من الطائرات والأسلحة، كما أوضحت حملات القصف الأمريكية والإسرائيلية. وقد يؤدي تحويل هذه الموارد لتأمين مضيق هرمز إلى تقويض تحقيق هذه الأهداف العسكرية.



