برؤية إنسانية عابرة للحدود.. “أفريكا بلانكا” يكرس حضور السينما المغربية بالمحافل الدولية
يحجز فيلم “أفريكا بلانكا: لون المنفى” للمخرج عز العرب العلوي مكانه داخل المشهد السينمائي المغربي كتجربة اشتغلت بصمت على بناء مسار متماسك، بعيدا عن منطق الظهور السريع أو الرهان على الانتشار الآني.
ولم يتشكل هذا الحضور بشكل اعتباطي، بل جاء نتيجة تراكم واع يجمع بين رؤية فنية دقيقة واختيارات جمالية مدروسة، ما أتاح للعمل أن يشق طريقه نحو عدد كبير من المهرجانات الدولية، دون أن يفقد ارتباطه بسياقه الأصلي أو يتحول إلى منتج معزول عن بيئته الثقافية.
ومنذ تقديمه الأول ضمن سوق الفيلم في مهرجان “كان”، بدا واضحا أن العمل لا يكتفي بسرد حكاية تقليدية، بل يشتغل على إعادة صياغة التجربة الإنسانية داخل الزمن السينمائي.
وتتمحور أحداث الفيلم حول شاب سنغالي يدعى “عصمان”، مصاب بالمهق، ويرافق والدته “عيشاتا” في رحلة محفوفة بالمخاطر، هربا من تهديدات مرتبطة بمعتقدات خرافية وسلوكيات تستهدف الأشخاص ذوي هذه الحالة في بعض مناطق إفريقيا.
وتنطلق رحلتهما من السنغال، عابرة امتدادات الصحراء القاسية، في اتجاه المغرب، ضمن مسار بصري يجمع بين الحس الشعري والواقعية. ويستند هذا التناول إلى خبرة المخرج في المجال الوثائقي، حيث يوظفها في تصوير الهشاشة المحيطة بالشخصيات، وتسليط الضوء على سعيها المستمر نحو الحفاظ على الكرامة الإنسانية.
ويتتبع الفيلم مسار شاب إفريقي مصاب بالمهق، غير أن هذه المتابعة لا تنبني على تطور درامي مباشر، بل على بناء تراكمي يمنح الإحساس مساحة للنمو التدريجي، إذ تتحرك الشخصية داخل محيط مشحون بنظرة الآخر، حيث يتحول هذا الاحتكاك المستمر إلى عنصر أساسي في تشكيل وعيها بذاتها، بينما يبرز حضور الأم كقوة موازنة تضبط هذا التوتر وتمنحه امتدادا إنسانيا يتجاوز البعد الفردي.
وانعكس هذا الاختيار الفني على مستوى اللغة البصرية، إذ يراهن الفيلم على قوة الصورة بدل اللجوء إلى التفسير المباشر من خلال تنظيم الكادر، التحكم في الضوء، وتحديد المسافات بين الشخصيات، وهي كلها عناصر تشتغل في انسجام لتوليد دلالات ضمنية، تتيح للمتلقي الانخراط في التجربة دون الحاجة إلى خطاب شارح.
كما يحتل الإيقاع موقعا مركزيا، حيث يمنح الزمن امتدادا كافيا لالتقاط التحولات الدقيقة، بعيدا عن الاختزال أو القفز نحو لحظات جاهزة.

وفي هذا السياق، ينسجم الأداء التمثيلي مع روح العمل، حيث يتجنب المبالغة أو فرض قراءة واحدة للشخصيات، إذ أن حضور عبد العزيز صال في دور “أوصمان” يقوم على اقتصاد واضح في التعبير، ما منح الشخصية عمقا مفتوحا على تأويلات متعددة توج بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان “نظرة على إفريقيا” بكندا، في تتويج يعكس رهانا على الصدق الداخلي بدل الاستعراض.
أما على مستوى الانتشار الدولي، فيكشف مسار الفيلم عن حضور واسع داخل خريطة المهرجانات العالمية، حيث شارك في ما يقارب ثلاثا وعشرين تظاهرة سينمائية، وتمكن من حصد مجموعة من الجوائز. فقد توج في جوائز السويد السينمائية (Sweden Film Awards)، ومهرجان أمستردام للسينما الجديدة بهولندا، ومهرجان مونبلييه الدولي للسينما المستقلة بفرنسا، ومهرجان والاشيا الدولي للفيلم برومانيا.
بالإضافة إلى مهرجان بيغ سين الدولي للفيلم بلندن، ومهرجان بويرتو أفينتوراس الدولي للفيلم بالمكسيك، ومهرجان دورانغو للسينما المستقلة بالولايات المتحدة، حيث حاز جائزة أفضل فيلم روائي طويل من لجنة التحكيم، إلى جانب مهرجان مانهايم للفنون والسينما بألمانيا.

كما حظي العمل بتنويهات خاصة في عدد من التظاهرات، من بينها المهرجان السينمائي الأوروبي، ومهرجان اليونان الدولي للفيلم، ومهرجان رامسغيت الدولي للفيلم والتلفزيون بالمملكة المتحدة، ومهرجان بافالو روتس السينمائي بالولايات المتحدة.
ولم يقتصر الحضور على التتويجات، بل امتد إلى مشاركات رسمية في عدة مهرجانات، مثل المهرجان الروسي الدولي للفيلم بجنوب إفريقيا، والمهرجان الدولي للفيلم الألبي بفرنسا، ومهرجان جانكبور الدولي للفيلم في نيبال، ومهرجان إزمير الدولي لأفلام اللاجئين ومهرجان الأناضول الدولي للفيلم بتركيا، ومهرجان بوينس آيرس الدولي للفيلم بالأرجنتين.
كما شارك الفيلم في مهرجان الأيام المستقلة الدولي بألمانيا، ومهرجان جنوب شرق آسيا الدولي للفيلم، وجوائز ريد السينمائية، ومهرجان سنودانس للسينما المستقلة بألمانيا، فضلا عن مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية بمصر ومهرجان “نظرة على إفريقيا” بكندا.

ويعكس هذا التعدد في فضاءات العرض قدرة الفيلم على التكيف مع برمجات تهتم بقضايا الهجرة والهوية والتمثلات الإنسانية، دون أن يفقد انسجامه الداخلي، كما يكشف عن مرونة في البناء تتيح له الاندماج داخل سياقات ثقافية مختلفة، مع الحفاظ على خصوصيته الفنية.
وإلى جانب ذلك، يبرز وعي تقني واضح في إعداد العمل، حيث جرى الاشتغال على نسخة تستجيب لمعايير العرض الدولي من حيث جودة الصورة والصوت ودقة الترجمة، وهو عنصر أساسي ساهم في تسهيل تداوله خارج الحدود، وضمان نقل التجربة كما صيغت دون اختلال.
ويكتسب المشروع بعدا إضافيا من خلال طبيعته الإنتاجية، إذ جاء في إطار تعاون مشترك بين المغرب وفرنسا، بدعم من قنوات مرجعية مثل Canal+ وTV5 Monde، ما يعكس قدرة الفيلم على إقناع شركاء دوليين برؤيته ونضج مقاربته.
ولا يرتبط هذا الانخراط فقط بالتمويل، بل يؤشر على حضور العمل داخل دوائر إنتاجية تتطلب مستويات عالية من الثقة والمعايير.
في المقابل، لا يقتصر مسار “أفريكا بلانكا: لون المنفى” على الفضاءات الدولية، بل يمتد إلى القاعات السينمائية الوطنية، حيث يعرض منذ أسبوعين في عدد من المدن المغربية، من بينها الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة ومراكش، بمعدل ثلاثة عروض يوميا.
ويمنح هذا الحضور للفيلم بعدا تداوليا داخل بيئته الأصلية، ويضعه في تفاعل مباشر مع الجمهور المحلي، بعيدا عن حصره في دائرة المهرجانات.

ويفتح العمل أفقا للتفكير في موقع السينما المغربية داخل الحقل الدولي، انطلاقا من تجربة توازن بين الانطلاق من واقع محدد والانفتاح على أسئلة كونية، حيث تتحول الحكاية الفردية إلى مدخل لإعادة طرح قضايا الانتماء والاختلاف، وكيفية تمثل الإنسان داخل المجتمع، دون تقديم أجوبة جاهزة، بل عبر بناء يترك المجال للتأمل والتفاعل.
وبهذا المعنى، يقدم الفيلم نموذجا لسينما قادرة على بناء علاقة مختلفة مع المتلقي، سواء داخل الفضاء المحلي أو عبر دوائر العرض العالمية، من خلال لغة تحافظ على خصوصيتها، وتظل في الوقت نفسه منفتحة على إمكانات أوسع للتلقي والاعتراف.
اترك تعليقاً