العسري: السينما الوطنية يحكمها “سماسرة”.. والاختلاف يمنح المغرب “صك الديمقراطية” أمام العالم
يعد هشام العسري من بين الأسماء التي تحظى بحضور لافت داخل المشهد السينمائي المغربي، حيث ارتبط اسمه بأعمال أثارت نقاشا واسعا بين المتابعين والنقاد، خاصة مع اختياراته الفنية التي تخرج عن القوالب السائدة.
ويأتي فيلمه الأخير “المطرود من رحمة الله” ليعيد الجدل حول طبيعة المواضيع التي تطرحها السينما وحدود تناولها، في سياق تتقاطع فيه أسئلة الإبداع مع اعتبارات السوق والقيم المجتمعية.
في هذا الحوار، يتحدث العسري عن تجربته في هذا العمل، ورؤيته للسينما بوصفها مجالا للتعبير الفني، كما يتطرق إلى الجدل الذي يرافق بعض أعماله، وإلى نظرته لواقع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في المغرب، في ظل تنامي النقاش حول أدوار الفن وحدود تأثيره داخل المجتمع.
كيف تنظر إلى واقع الأفلام المعروضة حاليا في القاعات السينمائية المغربية؟
أنا أؤمن بفكرة أساسية، وهي أننا في حاجة إلى “سينماءات” وليس إلى نموذج واحد، معروف عني أنني أشتغل في إطار ما يسمى بـ”سينما المؤلف”، وهي سينما لا تخاطب بالضرورة الجمهور الواسع أو العائلي، بل تتطلب نوعا من الخلفية الفنية لدى المتلقي.
هذا لا يعني أن هذا النوع يجب أن يكون هو السائد، بالعكس، القاعات السينمائية تحتاج أيضا إلى أفلام تجارية وكوميدية وأعمال موجهة للعائلة، لأن كل متفرج في النهاية له اختياراته، وهناك من يبحث عن الترفيه السريع، وآخرون يفضلون أفلاما تطرح الأسئلة وتفكك ظواهر المجتمع وتحسن “الذوق العام” الذي تضرر كثيرا، وهذا ما ما أطمح إليه ويصنع توازنا صحيا في المشهد السينمائي.
يتهمك البعض بأنك تتعمد إثارة الجدل من خلال أعمالك، خاصة عند الاقتراب من مواضيع حساسة، كيف ترد؟
هذا توصيف أراه مبالغا فيه، بالنسبة لي، السينما ليست فقط ترفيها، بل هي فن ولغة تحتاج إلى اشتغال عميق.
أنا لا أتعمد إثارة الجدل بقدر ما أحاول معالجة ظواهر موجودة داخل المجتمع، حين تختار مواضيع معينة بشكل واع، فمن الطبيعي أن تخلق نقاشا، لكن هدفي ليس الاستفزاز في حد ذاته، بل فتح باب التفكير والحوار، أنا أشتغل لجمهور يشبهني في الاهتمامات، ولا أبحث عن مخاطبة الجميع، لأن السينما ليست ممارسة ديمقراطية بالمعنى العددي.
هل ترى أن الجدل الذي تثيره أفلامك أمر إيجابي؟
إذا كان هذا الجدل يؤدي إلى حوار حقيقي، فأنا أعتبر أن مهمتي قد انتهت بنجاح، لا مشكلة لدي أن ينقسم الجمهور بين من يعجبه العمل ومن يرفضه ويقول “اللهم إن هذا منكر” هذا يعني أن الفيلم أحدث رجة في البركة الراكدة وسيساهم في رفع مستوى الوعي، المشكلة أننا في كثير من الأحيان نرفض ما لا نفهمه، بدل أن نحاول استيعابه أو مساءلته.
أثار فيلمك الأخير “المطرود من رحمة الله” جدلا بسبب بعض المشاهد والعنوان، كيف تعاملت مع هذه الانتقادات؟
هناك سوء فهم كبير، كثير من الأحكام صدرت بناء على الإعلان الترويجي فقط، دون مشاهدة الفيلم والعمل لا يتضمن ما يتم تداوله من تأويلات مبالغ فيها، أنا لا أتعامل مع الاتهامات المجانية، وإذا كان هناك من يرى أنه تضرر، فالقانون موجود، لكن من غير المقبول أن يتم إصدار أحكام جاهزة دون الاطلاع على العمل كاملا.
هل تعتبر أن أعمالك تمارس نوعا من الاستفزاز؟
نعم، لكن ليس بالمعنى السلبي، أنا أستفز ما هو هش فقط، أي عمل فني لا يمكن أن يزعزع قناعة راسخة أو إيمانا قويا.
إذا كان هناك من يشعر بالانزعاج، فربما عليه أن يطرح السؤال حول سبب ذلك، الفن يطرح الأسئلة ولا يقدم دروسا جاهزة، وأنا لست فقيها ولا سياسيا، بل مخرج أحاول التعبير عن رؤيتي وتفكيك الظواهر، الإيمان الحقيقي لا يزحزحه فيلم، ومن كان إيمانه ضعيفا فتلك مشكلته وليست مشكلة السينما.
اشتغلت على هذا الفيلم لسنوات طويلة، ما الذي يميزه على مستوى الكتابة والمعالجة؟
“المطرود من رحمة الله” هو فيلمي الطويل الثامن، واستغرق حوالي عشر سنوات من العمل، حاولت فيه تغيير طريقة الكتابة والتعامل مع اللغة، واخترت أن تكون الشخصية الرئيسية فرنسية، رغم أن الفيلم مغربي بالكامل، الهدف كان تقديم وجهة نظر مختلفة حول قضايا مثل التطرف والعنف، بعيدا عن الصور النمطية التي يقدمها الغرب عنا.
الفيلم ينتمي أيضا إلى نوع “الفيلم نوار”، لماذا هذا الاختيار؟
لأنه نوع سينمائي له قواعده الخاصة، وكان التحدي هو الاشتغال على هذه القواعد ومنحها رؤية مغربية، كيف يمكن أن نصنع “فيلم نوار” انطلاقا من الدار البيضاء، وبشخصيات تعكس واقعنا؟ هذا ما حاولت الاشتغال عليه، إلى جانب إعطاء العمل بعدا فنيا واضحا يميزه عن الطرح السطحي.
هناك من يرى أن السينما يجب أن تحترم خطوطا معينة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدين، ما رأيك؟
لا أحد يملك الحق في فرض وصاية على الإبداع، نحن في بلد يضمن حرية التعبير، والعمل الفني يجب أن يكون حرا.
سأقولها لك بوضوح: أنا أخدم بلدي، السينما المختلفة تعطي صورة إيجابية عن المغرب كبلد ديمقراطي أمام العالم.
في المهرجانات الدولية، يسألني الأجانب بدهشة: “كيف سمحوا لك بتصوير هذه الأفلام في المغرب؟”، وجوابي دائما: “لأننا بلد يحترم حرية التعبير”.
نحن في “حرب ثقافية” عالمية، وبينما يحاول البعض تقزيمنا، تأتي الأفلام ذات القيمة الفنية العالية لتقول إن لدينا “قوة ناعمة” وعقولا مبدعة، حين أقدم فيلما “نوار” (Film Noir) مغربي خالص، أثبت أننا قادرون على التحكم في “أكواد” السينما العالمية من قلب الدار البيضاء، الاستفزاز الحقيقي ليس في أفلامي، بل في أولئك الذين يحاولون “قمع” المبدع ومحاكمته قبل أن يشاهدوا أعماله أو يقرؤوا كتبه.
كيف تنظر إلى منطق السوق وهيمنة الجانب التجاري على السينما؟
بكل صراحة، تشعر في كثير من الأحيان أن القائمين على “السينما التجارية” في المغرب، سواء كانوا منتجين أو موزعين، ليسوا سوى “سماسرة” لا علاقة لهم بالفن. حين تحاور هؤلاء، تجد أنهم لا يملكون أدنى رغبة في تطوير السينما المغربية أو الارتقاء بها، بل ينحصر اهتمامهم ولغتهم في “لغة الأرقام” و”الإيرادات” فقط.
لقد أصبحنا نحاكي النموذج المصري أو الأمريكي في أسوأ تجلياته، حيث يتم تقييم العمل الفني بناء على ما يدرّه من أموال، متناسين أن “الشعبية” لا تعني بالضرورة “القيمة”، انظروا إلى ما يحدث في الفضاء الرقمي، قد تجد محتوى يحصد ملايين المشاهدات لكنه يفتقر لأدنى مستويات الجودة أو الفائدة، بل وقد يكون مستفزا بتفاهته.
نحن بحاجة إلى التحرر من هذه الحسابات الضيقة، لأن دورنا كمجتمع هو تحسين الذوق العام وليس الانبطاح لمنطق السوق الذي يحكمه السماسرة.
ما موقفك من موجة اقتباس المسلسلات التركية واللبنانية وتحويلها إلى نسخة مغربية؟
هذا يسمى “عقما فكريا” ونقصا في الرؤية. كيف لنا أن نقتبس أعمالا من ثقافات أخرى ونحن لم نشبع بعد من ذواتنا؟ المجتمع المغربي متحول، لغته تتغير، وقصصه لا تنتهي.
الاقتباس الحقيقي يكون من الأدب العالمي (البؤساء، دوستويفسكي) لإسقاطه على واقعنا، أما “تعريب” المسلسلات التركية فهو مجرد ملء لـ “خانات” برامجية بمواد لا قيمة فنية لها، نحن بحاجة لأن نعبر عن أنفسنا، وبأصواتنا، قبل أن نستعير أصوات الآخرين.
كيف تنظر إلى وضع النقاش الثقافي اليوم؟
هناك مشكلة حقيقية، وهي أن الفضاء العام أصبح تحت سيطرة أشخاص غير مؤهلين للنقاش، مما يدفع المثقفين الحقيقيين إلى الصمت بسبب “الحياء” أو الرغبة في تجنب الصراعات العقيمة، لكنني سأستمر في المشاكسة، لأن السينما بالنسبة لي هي حلقة حوار.
إذا استطاع الفيلم أن يجعل شخصا “فاهما” يشرح لشخص “غير فاهم”، فنحن هنا نخرج من دائرة السفاهة إلى دائرة الوعي. علينا أن نملأ “رؤوسنا” بالجمال والفلسفة، تماما كما نهتم بملء “بطوننا”.
اترك تعليقاً