سياسة

وسيط المملكة: الولوج الرقمي الحصري للدعم الاجتماعي قد يمس بالإنصاف

حذر وسيط المملكة، حسن طارق، من أن اعتماد الولوج الرقمي الحصري للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي يطرح إشكالات حقيقية من زاوية العدالة والإنصاف، خاصة بالنسبة للفئات الهشة التي قد تجد نفسها في وضعية إقصاء غير مباشر بسبب محدودية قدرتها على استخدام الوسائط الرقمية، في سياق يتسم بتوسع ورش الدولة الاجتماعية وتعدد آلياته.

وأوضح طارق، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق”، أن مؤسسة الوسيط سجلت، من خلال تتبعها لتظلمات المواطنين، أن هذا النمط من الولوج قد يعمق الفوارق بدل تقليصها، بالنظر إلى تداخل الهشاشة الاجتماعية مع الهشاشة الرقمية، ما يستدعي، بحسبه، إعادة النظر في شروط الاستفادة وضمان بدائل تتيح تكافؤ الفرص، بما ينسجم مع مبادئ العدالة المجالية والمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية.

واعتبر وسيط المملكة أن هندسة البرامج والسياسات الاجتماعية التي أطلقتها الدولة المغربية في إطار ورش الدولة الاجتماعية كشفت عن عدد من الإشكالات المتداخلة، التي لا تقف عند حدود التنفيذ أو التعثر الإداري، بل تمتد إلى مستويات أعمق تتعلق بالتصميم الأولي لهذه البرامج، وبطريقة بناء تصورها العام، وبكيفية تحديد أهدافها وآليات تنزيلها ومرافقتها المؤسساتية.

وأوضح طارق أن مؤسسة الوسيط رصدت، من خلال التظلمات والشكايات الواردة عليها، أن جزءاً مهماً من الإشكالات المرتبطة بالسياسات الاجتماعية الجديدة لا يظهر فقط في مرحلة التطبيق، بل يبدأ من لحظة “التصميم الأولي” لبعض البرامج، حيث تُطرح تساؤلات مرتبطة بالهندسة العامة للسياسات، وبمدى وضوح أهدافها، وبمدى انسجام مكوناتها المؤسساتية والتنظيمية.

وأضاف أن هذه الإشكالات تتجلى كذلك في ما سماه إشكالات “الاستهداف”، إلى جانب اختلالات تتعلق بآليات التواصل مع الفئات المعنية، وصعوبات مرتبطة بالولوج الفعلي إلى الخدمات والبرامج العمومية، مبرزاً أن هذه العناصر مجتمعة تجعل من تنزيل السياسات الاجتماعية ورشاً معقداً، يُنتج في كثير من الأحيان توترات اجتماعية وإدارية تتعامل معها مؤسسة الوسيط باعتبارها جزءاً من دينامية أوسع مرتبطة بتحديث الدولة ووظائفها.

وفي هذا السياق، توقف طارق عند نموذج برنامج “فرصة”، موضحاً أن هذا البرنامج وحده عرف توصل المؤسسة بما يقارب 590 شكاية، وهو رقم اعتبره دالاً على وجود إشكال لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد حالات فردية معزولة، بل باعتباره مؤشراً على خلل يرتبط بطبيعة البرنامج نفسه. وأوضح أن هذا المعطى يعكس أن البرنامج، رغم أهدافه المعلنة، كان محاطاً منذ البداية بدرجة من الغموض لدى فئات من المستفيدين، سواء على مستوى فهم طبيعته: هل هو برنامج دعم ومواكبة أم برنامج للتمويل، أو على مستوى كيفية تنزيله عملياً.

وأشار المتحدث إلى أن هذا الغموض يرتبط أيضاً بالتصميم والهندسة الأساسية للبرنامج، وبالتركيبة المؤسساتية للجهات التي يفترض أن تواكبه، حيث إن تعدد المتدخلين وتداخل الأدوار بين المؤسسات المعنية، إلى جانب غياب وضوح كافٍ في بعض المراحل، أسهم في إنتاج سوء فهم لدى جزء من الفئات المستهدفة، وهو ما انعكس في حجم التظلمات المسجلة.

وأوضح طارق أن الإشكالات لا تقف عند حدود “التصميم”، بل تمتد إلى مستويات أخرى مرتبطة بالاستهداف، وبالتواصل المؤسساتي، وبالولوج إلى الخدمات، مبرزاً أن هذه العناصر الثلاثة تشكل في مجموعها مفاتيح أساسية لفهم التوترات التي ترافق تنزيل البرامج الاجتماعية الكبرى في المغرب.

وأضاف أن مؤسسة الوسيط تتعامل مع هذه الوضعية باعتبارها تدبيراً يومياً لتوترات ناتجة عن تنزيل حزمة من السياسات العمومية الاجتماعية، التي وصفها بأنها “مهمة وأساسية”، لكنها في الوقت ذاته معقدة في بنيتها ومركبة في تفاعلاتها، خاصة في ظل تعدد المؤسسات المتدخلة، وتنوع الفاعلين، وتعدد المعايير المعتمدة، وارتفاع حجم الانتظارات الاجتماعية، إلى جانب وجود تفاوتات اقتصادية ومجالية تغذي بدورها هذه الانتظارات.

وفي تحليله لطبيعة المرحلة، اعتبر طارق أن الأمر لا يتعلق فقط بتنفيذ برامج اجتماعية، بل بإعادة تعريف أوسع لدور الدولة ووظائفها وتدخلاتها، مبرزاً أن المغرب يوجد اليوم أمام تحول عميق في علاقة المواطن بالإدارة وبالدولة وبالسياسات العمومية، وهو تحول يجعل من تدبير التوقعات والانتظارات الاجتماعية جزءاً أساسياً من عمل المؤسسات.

وفي هذا الإطار، أوضح أن مؤسسة الوسيط تتدخل عبر مسارين رئيسيين؛ يتمثل الأول في تدبير الحالات الفردية، حيث يتم التفاعل مع التظلمات التي يُعتبر فيها أن هناك خرقاً لمبادئ العدالة والإنصاف، ويتم في هذا السياق إصدار توصيات أو السعي إلى إيجاد تسويات بين الأطراف، وقد تم، بحسبه، معالجة عدد مهم من الملفات ضمن هذا الإطار.

أما المسار الثاني، فيرتبط بوظيفة الاقتراح والرفع المؤسساتي، حيث أشار إلى أن المؤسسة رفعت في نهاية سنة 2024 تقريراً خاصاً إلى رئيس الحكومة، يتناول إشكالية الولوج الرقمي الحصري إلى منصات الدعم الاجتماعي، معتبرة أن هذا الاختيار، رغم طابعه التحديثي، قد يطرح إشكالات من زاوية العدالة الاجتماعية.

وأوضح أن مبرر هذا الموقف يكمن في كون الفئات الهشة اجتماعياً هي في كثير من الأحيان فئات تعاني أيضاً من هشاشة رقمية، ما يجعل اعتماد الولوج الرقمي الحصري إلى الخدمات الاجتماعية عاملاً قد يحد من مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، ويخلق في المقابل عوائق غير مباشرة أمام الاستفادة من البرامج الاجتماعية.

وفي سياق آخر، تطرق طارق إلى ما تم رصده أيضاً من إشكالات مرتبطة بتدبير الصفقات العمومية في القطاعات الاجتماعية، معتبراً أن هذه الإشكالات، حين تقترن بظواهر الفساد الإداري، فإنها تمثل تهديداً مباشراً لنجاح ورش الدولة الاجتماعية، ليس فقط من زاوية مالية أو تقنية، بل أساساً من زاوية المساس بمصداقية السياسات العمومية، وبالثقة بين المواطن والمؤسسات، وهي الثقة التي وصفها بأنها رأس المال الاجتماعي الأساسي لأي مشروع إصلاحي.

وأضاف أن الفساد الإداري يعرقل مختلف السياسات العمومية، سواء تعلق الأمر بالدولة الاجتماعية أو بالدولة الاقتصادية، لأنه يؤثر على فعالية التدبير العمومي وعلى جودة الخدمات، ويضعف الإحساس العام بالإنصاف، وهو ما يجعل التعامل معه ضرورة مؤسساتية مستمرة، إلى جانب باقي الفاعلين المعنيين.

وتوقف طارق عند سؤال العدالة الاجتماعية في بعدها المجالي، متسائلاً عن مدى إمكانية الحديث عنها في ظل وجود تفاوت في سرعة الخدمات بين الإدارة المركزية في الرباط وباقي المناطق، خاصة في ما وصفه بـ”المغرب العميق”، مبرزاً أن هذا الإشكال يعكس أحد التحديات الكبرى التي لا تزال مطروحة في مسار تحديث الإدارة.

وأوضح أن هذا الورش يحتاج إلى زمن وإلى نفس طويل وإلى عمل جماعي، مشيراً إلى أن المغرب، في ظل التوجيهات العامة المرتبطة بسرعة التنمية، يتوفر على أرضية تشخيص قوية وجريئة، غير أن الانتقال إلى مستويات أعلى من الإنصاف المجالي ما يزال يتطلب مزيداً من الجهود في مجال اللامركزية واللاتمركز الإداري.

واستحضر طارق في هذا السياق أن الدستور المغربي يكرس مبادئ الحكامة المرفقية، التي ترتبط بالمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، وباستمرارية المرفق العام، وبجودة الخدمات، وبتكافؤ الفرص، مشيراً إلى أن ميثاق المرافق العمومية أعاد بدوره التأكيد على هذه المبادئ، غير أن تنزيلها العملي ما يزال يواجه تحديات بنيوية ومؤسساتية.

وفي تقييمه العام للتحولات الجارية، اعتبر وسيط المملكة أن الدولة الاجتماعية في المغرب لا تمثل مجرد إعادة صياغة لنموذج دولة الرعاية التقليدية، بل تعكس نموذجاً جديداً يتسم بالكثافة والتعقيد، ويقوم على تعدد البرامج والسياسات العمومية، وعلى إعادة تشكيل العلاقة بين المرتفق والدولة، بما يجعل هذه العلاقة قائمة على منطق الحق والولوج الفعلي إلى الخدمات بدل منطق التلقي التقليدي.

وأضاف أن تقرير المؤسسة السنوي خلص إلى وجود تحول واضح في طبيعة النزاعات التي تتعامل معها، حيث انتقل جزء مهم منها من نزاعات فردية مرتبطة بالخدمات الإدارية المباشرة إلى نزاعات تتعلق بالسياسات العمومية في حد ذاتها، وهو ما يعكس تغيراً في مستوى الوعي الاجتماعي، وفي طبيعة الطلب الاجتماعي على الخدمات العمومية.

وأوضح أن هذا التحول يرتبط أيضاً بتغير في تمثلات المواطن للدولة والإدارة، حيث لم تعد الإدارة تُرى فقط كامتداد للسلطة، بل كمقدمة للإجابات العمومية، وكفاعل مسؤول عن تقديم حلول للانتظارات الاجتماعية المتزايدة، وهو ما يخلق في بعض الأحيان توتراً بين حجم التوقعات وطبيعة التنزيل العملي للسياسات.

وختم طارق بالإشارة إلى أن هذا التوتر الماكرو-اجتماعي بين الانتظارات التي تغذيها الخطابات حول الدولة الاجتماعية وبين حدود الإمكانيات المرتبطة بالتنزيل والتدبير، أصبح اليوم أحد أهم مصادر إنتاج التوترات الاجتماعية، سواء التي تظهر في شكل احتجاجات، أو التي تتخذ طريقها نحو مؤسسة الوسيط في شكل طلبات وساطة وتظلمات فردية وجماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *