منتدى العمق

لماذا يرى الفن كترف في النظام التعليمي المغربي؟

حين نتأمل في بنية المدرسة المغربية الحديثة، نلاحظ مفارقة لافتة لا يمكن أن نغفل عنها، فالمؤسسات التعليمية التي يُفترض أن تُكوِّن الإنسان في كليته، تميل في كثير من الأحيان إلى تضييق مفهوم المعرفة في حدود ما هو تقني ونفعي. وفي هذا السياق غالبا ما يُنظر إلى الفن والتربية الجمالية بوصفهما ترفًا تربويا، أو نشاطا ثانويا يمكن الاستغناء عنه دون أن يتأثر جوهر التعليم أو روح المجتمع. لكن هذا التصور يخفي سوء فهم عميق لطبيعة الفن ودوره في تشكيل الوعي الإنساني.

إن الفن ليس مجرد مهارة يدوية أو هواية للتسلية، بل هو في جوهره طريقة لفهم العالم. فالإنسان لا يدرك الواقع فقط عبر المفاهيم العلمية أو الحسابات الرياضية، بل أيضا عبر الإحساس والصورة والرمز. ولهذا رأى الفيلسوف التربوي “جون ديوي” أن الفن ليس نشاطا هامشيا في حياة الإنسان، بل تجربة إنسانية عميقة تسهم في تشكيل إدراكنا للعالم. في كتابه “الفن كخبرة ” يقول جون ديوي:
«إن الفن ليصبح _عن طريق التواصل أو المشاركة_ وسيلة لا نظير لها للتعليم والتهذيب».

ومن هنا يمكن فهم خطورة تغييب التربية الجمالية في المدرسة المغربية. فحين يختزل التعليم في نقل المعارف التقنية، فإنه قد ينجح في تكوين إنسان قادر على الحساب والتحليل، لكنه في المقابل قد ينتج إنسانا تقنيا وفقيرا حسيا وثقافيا، يشتغل كإنسان آلي، وإن كان الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج “الفن”، فهو حتما لا يمكن أن يشعر به، وهنا يكمن المثال.

إن التربية الجمالية لا تعلمنا فقط كيف نرسم أو نستمع إلى الموسيقى، بل تعلمنا كيف نرى العالم بطريقة أكثر حساسية وعمقا؛ كيف ننتبه إلى التفاصيل، ونفهم الرموز، ونصغي إلى ما يتجاوز المعنى المباشر للأشياء.

غير أن هذا التهميش للفن داخل المدرسة ليس ظاهرة عرضية، بل يرتبط أحيانا بتاريخ طويل من التصورات التربوية. ففي كثير من البلدان التي خضعت للتجربة الاستعمارية، صُممت المدرسة أساسا لتكوين موظفين وإداريين يخدمون جهاز الدولة، لا لتكوين أفراد مبدعين. ولهذا ركزت المناهج التعليمية على مهارات محددة مثل الحساب واللغة والانضباط، باعتبارها أدوات ضرورية للعمل الإداري، بينما بقي الفن خارج مركز الاهتمام. ومع مرور الزمن ترسخ هذا النموذج حتى أصبح يبدو وكأنه الشكل الطبيعي للتعليم، حيث المدرسة تشبه الثكنة العسكرية.

كما تلعب الثقافة الاجتماعية دورًا مهما في تعزيز هذا التصور. ففي كثير من المجتمعات ما يزال الفن يُنظر إليه بوصفه هواية جميلة، لكنه غير مفيد عمليا. وغالبا ما نسمع نصيحة متكررة داخل الأسر المغربية: الرسم جميل، لكن ركز على المواد الأساسية. وفي هذا التصور الضمني يتم الفصل بين المعرفة “الجدية” والمعرفة “الجمالية الثانوية”، وكأن الإبداع لا يملك قيمة معرفية أو إنسانية حقيقية. بل وحتى بعض الأمثلة الشعبية تذهب نحو هذا التصور الفاصل بين المهم والترف، مثل المَثل الذي يقول: “الكرش ملي تشبع، تقول للراس غني”، فنحن دائما نؤجل الفن إلى فترات الفراغ التام كنوع من إزالة التُّخمة.

وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الحالة المغربية. فالمفارقة هنا لافتة؛ إذ رغم ذلك يظل المغرب بلدا غنيا بتراث فني وثقافي متنوع، من فن الزليج والخزف والحليِّ الأمازيغية إلى العمارة التقليدية، والموسيقى الشعبية بمختلف أشكالها، و”الميثولوجيا” المحلية التي تجمع بين ما مُتخيل وما هو فني في آن واحد. ومع ذلك، تبقى التربية الفنية داخل المدرسة ضعيفة الحضور. ففي التعليم العمومي غالبا ما تقتصر على حصة واحدة أسبوعيا، وأحيانا لا تُفعَّل بالشكل المطلوب. وحتى عندما تُدرَّس، فإنها تكون في الغالب تعليما تقنيا بسيطا يقتصر على رسم أشكال أو إنجاز بعض الأشغال اليدوية، دون الانفتاح على تاريخ الفن أو النقد الفني أو التفكير الجمالي، بل تكون الغاية الأسمى حينها توفير بعض النقط عند التلاميذ، ليُعينوا بها نتائجهم الدراسية في موادهم المهمة والجدية.

إن هذا الوضع يجعل التلميذ بعيدا عن فهم الفن بوصفه تجربة ثقافية وفكرية. فالتربية الفنية لا ينبغي أن تكون مجرد تدريب على الرسم أو غيرها من الفنون، بل مدخل إلى عالم الرموز والصور والتجارب الإنسانية التي يعبر عنها الفن عبر العصور. ومن دون هذا البعد، يفقد التعليم أحد أهم مصادر إغناء الخيال وتوسيع أفق التفكير.

إن إعادة الاعتبار للتربية الجمالية ليست مسألة ترف ثقافي، بل ضرورة تربوية. فالفن يمكن أن يسهم في تعزيز الهوية الثقافية لدى التلاميذ عبر ربطهم بتراثهم الفني المحلي، كما يمكن أن يفتح أمامهم فضاءات للتعبير الحر، وهو ما قد يساعد على تقليل العنف المدرسي الذي ينشأ أحيانا من كبت المشاعر أو غياب وسائل التعبير. إضافة إلى ذلك، فإن التعامل مع الأعمال الفنية وتحليلها يطور التفكير النقدي، لأن الفن يدعو دائما إلى التأويل وطرح الأسئلة.

إن المدرسة التي تهمل الفن قد تنجح في إنتاج مهنيين أكفاء، لكنها تخاطر بفقدان شيء أكثر عمقا؛ القدرة على تكوين إنسان متوازن، يجمع بين العقل والحس، بين المعرفة التقنية والوعي الجمالي. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يجب أن ندرس الفن في المدرسة، بل لماذا تأخرنا كل هذا الوقت في الاعتراف بأنه جزء أساسي من التربية الإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *