منتدى العمق

فخ الصداقة مع الرئيس: كيف يحرق التقارب الزائد مسيرتك المهنية؟

بين الوهم والحقيقة

في بيئة العمل يظن كثير من الناس أن الإقتراب الشديد من الرئيس أو المدير باب مختصر إلى الأمان والترقي. ويبدو هذا الظن في أوله منطقيا، لأن القرب من صاحب القرار قد يمنح صاحبه شعورا بالإطمئنان، ويجعله يعتقد أنه صار في منطقة محمية لا يصل إليها الخطر. لكن الحقيقة في الغالب مختلفة تماما. فالعلاقة المهنية حين تتحول إلى صداقة غير منضبطة تضعف الحدود، وتخلط بين الواجب الشخصي والحق الوظيفي، فيفقد الموظف قدرته على التمييز بين ما يطلب منه بحكم العمل وما يطلب منه بحكم القرب.

المشكلة أن هذا النوع من التقارب لا يصنع قوة حقيقية، بل يصنع تبعية صامتة. في البداية يظن الموظف أنه كسب ثقة رئيسه، ثم يكتشف بعد حين أنه صار معلقا بمزاجه، يرضى برضاه ويضيق بضيق وجهه، وينتظر الإشارة قبل أن يتحرك. وهنا يفقد جزءا من إستقلاله المهني، ويصبح مستقبله مربوطا بعلاقة شخصية قابلة للتبدل في أي لحظة. وفي مجتمعاتنا التي تعلي قيمة الكرامة والإحترام المتبادل، لا يكون هذا الخلط علامة ذكاء، بل قد يكون بداية إستنزاف طويل لا ينتبه إليه صاحبه إلا بعد فوات الأوان.

فخ القرب: تلاشي الحدود المهنية

أخطر ما في التقارب الزائد مع الرئيس أنه يمحو الحدود التي تحفظ للموظف مكانته. فبدل أن تكون العلاقة واضحة ومبنية على المسؤوليات والنتائج، تصبح مفتوحة على التداخل والإلتباس. قد يجد الموظف نفسه مطالبا بالرد في كل وقت، وبالقيام بمهام ليست من إختصاصه، وبالتنازل عن راحته ووقته الخاص بحجة أنه من أهل الثقة. ومع تكرار هذا المشهد يذوب الفاصل بين التعاون المشروع والإستغلال المقنع.

وحين تضيع الحدود تضيع معها الهيبة المهنية. فلا يعود الموظف في نظر رئيسه صاحب كفاءة يعتمد عليها ضمن نظام واضح، بل شخصا متاحا عند الحاجة، يستدعى لكل طارئ، ويحمل فوق طاقته بحكم العلاقة لا بحكم الدور. والأسوأ من ذلك أن أول خطأ يقع قد ينسب إليه، لأن قربه يجعل تحميله المسؤولية أسهل من غيره. فيقال له: أنت منا، وكان ينبغي أن تتصرف، أو كان عليك أن تتدخل.

وفي مؤسسات كثيرة يزداد هذا الخطر حين تختلط لغة العمل بلغة القرابة والحميمية، فيتحول الرئيس في ذهن الموظف إلى أب رمزي أو قريب متسلط، ويستغل هذا القرب لفرض أعباء إضافية من غير مقابل عادل. وهنا لا يخسر الموظف وقته فقط، بل يخسر أيضا ثقته بنفسه، لأنه يعتاد التنازل شيئا بعد شيء حتى يظن أن ذلك من لوازم النجاح.

الغيرة والحقد: سم الزملاء وثقة المدير المضللة

القرب المبالغ فيه من الرئيس لا يرهق صاحبه وحده، بل يغير أيضا نظرة الزملاء إليه. ففي بيئات العمل التي تكثر فيها المنافسة وتضيق فيها الفرص، يصبح الشخص المقرب هدفا سهلا للشك والغيرة والهمس. وقد ينظر إليه الآخرون على أنه لا يتقدم بكفاءته بل بمكانته عند المدير، حتى لو كان مجتهدا بالفعل. وهكذا يخسر رصيده المعنوي داخل الفريق، وتصبح كل خطوة ينجزها موضع تأويل.

ومن جهة أخرى قد يقع المدير نفسه في وهم خطير، فيظن أن العلاقة الشخصية تمنحه حقا إضافيا في الموظف. فيطلب منه ما لا يطلبه من غيره، ويتوقع منه الصمت عند الظلم، والتفهم عند التجاوز، والقبول عند الضغط. وهكذا تتحول الصداقة المزعومة إلى وسيلة للضغط العاطفي، لا إلى مساحة دعم وإحترام. وكلما حاول الموظف أن يعترض، ذكر بالعلاقة القديمة كأنه مدين بها إلى الأبد.

وهنا تصبح العلاقة سلاحا موجها إلى الموظف نفسه. فالزملاء يشكون فيه، والمدير يطالبه بما لا يطالب به غيره، وهو في المنتصف يحاول أن يحمي صورته وحقه في وقت واحد. ومع مرور الأيام يكتشف أن الثمن النفسي لهذا القرب كان أفدح من كل منفعة تخيلها في البداية.

القوة الحقيقية: الوقار المهني والكفاءة

القوة الحقيقية في العمل لا تبنى على كثرة المجاملة ولا على الضحك مع من هم فوقك في السلم الإداري، بل تبنى على الوقار المهني، والوضوح، والإتقان. الموظف القوي هو من يحسن عمله، ويحترم الناس جميعا، ويحافظ في الوقت نفسه على حدوده. لا يتكبر، لكنه لا يذوب. لا يصطنع الجفاء، لكنه لا يبيع إستقلاله من أجل قرب عابر.

عند الأزمات تتكشف الحقائق. فالمدير، مهما بدا ودودا، سيقدم مصلحته أولا حين تضيق الخيارات. وعندها قد تكون الصداقة أول ما يضحى به لتخفيف المسؤولية أو إمتصاص الغضب. لذلك فإن التعويل على العلاقة الشخصية وحدها رهان ضعيف، أما التعويل على الكفاءة والسمعة المهنية فهو الرهان الأبقى.

في تقاليدنا الإجتماعية يبقى الإنسان محترما حين يعرف قدر نفسه وقدر غيره. وهذا المعنى نفسه يصلح في عالم الوظيفة. كن قريبا بالأدب، لا بالإلتصاق. وكن حاضرا بالنتيجة، لا بالمجاملة. فالرئيس يحترم في النهاية من ينجز بثبات، والزملاء يقدرون من يتعامل بعدل وإتزان. أما الكرامة المهنية فهي الأصل الذي لا ينبغي التفريط فيه، لأن ما يبنى على الإحترام والكفاءة يدوم، وما يبنى على التعلق الشخصي ينهار عند أول إختبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *