رأي | رياضة

هل نحن بحاجة إلى إحداث هيئة وطنية لضبط قطاع المحروقات لمواجهة تقلبات الأسعار؟

هل نحن بحاجة إلى إحداث هيئة وطنية لضبط قطاع المحروقات لمواجهة تقلبات الأسعار؟

يعيش العالم على إيقاع الحرب الامريكية-الإسرائيلية على إيران التي خلفت تداعيات اقتصادية كانت لها أثار على القطاعات الإنتاجية والطاقية والاجتماعية، الامر الذي انعكس على اقتصاديات عدد من بلدان العالم والمغرب هو الاخر نال حظه من هذه الازمة الدولية بشكل مباشرأوغير مباشر، وانعكس الأمر سلبا على الأسعار وخلف تدمرا عاما لدى المجتمع وطرح تساؤلات كبرى حول من يتحكم  بهذه الزيادات في كل وقت وحين، وفي ظل تمسك الحكومة بسياسة تحرير الأسعار في مجال المحروقات واكتفاء مجلس المنافسة بدور المتابع والملاحظ، يمكن ابداء عدد من الملاحظات الجوهرية حول تخلي الدولة عن قطاع المحروقات لفائدة القطاع الخاص في ظل سياسة الخوصصة  عبر تفويت شركة”لاسمير”.

والحال أن الهدف من الخوصصة هو إعطاء الخواص مجالا اقتصاديا أوسع بحيث يصبح النشاط الاقتصادي زاخرا بعديد الفاعلين من الخواص أفرادا ومؤسسات، فالدولة قلصت من حجم نشاطها الاقتصادي تجنبا منها، لما تتمتع به من امتيازات، الإضرار بالمنافسة، ولكنها في المقابل بقيت تمارس دورها كموجه عام للاقتصاد لمنع الخواص من الإخلال بمبادئ المنافسة النزيهة وذلك بواسطة جملة من التشريعات التي يتفاوت حجمها من بلد لآخر.

لكن الوضع الجديد للقطاع الخاص الذي فرضته العولمة بعد أن أجبرت الدولة على فسح المجال له، ليتموضع في الاقتصاد وجعله نظيرا للدولة، سواء كناشط اقتصادي أو كسلطة اقتصادية لم يعد من الصواب الحديث عن توجيه اقتصادي تنفرد به الدولة، وإنما أصبح القطاع الخاص أيضا يمارس توجيها اقتصاديا يعبر عنه التوجيه الخاص أو السلطة الاقتصادية الخاصة والتي تفيد خضوع جملة من الأنشطة التعاقدية في قطاع اقتصادي معين لمركز قرار خاص ووحيد، ويتكرّس بتوحيد هياكل الإنتاج أو من خلال اتفاقات بينها.

فالنظام العام التنافسي يهدف توفير حماية خاصة للمنافسة النزيهة والشريفة في عصر أصبحت فيه المنافسة هي المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي، وغايته أيضا منع الاحتكار أي الهيمنة المفرطة على السوق خاصة من خلال عمليات التركيز الاقتصادي، باعتباره ذلك المسار الديناميكي الذي ينقص فيه عدد الفاعلين في السوق إما تلقائيا عن طريق إختفاء غير القادرين على تحمل قواعد المنافسة أو بإبتلاع العمالقة للفاعلين الصغار.

مما لا جدال فيه أن الوضع الحالي الموسوم بالارتفاع الحاد في سعر المحروقات في السوق الدولي والانعكاس المباشر على أسعارها في السوق الوطنية، خاصة في ظل انعدام أفق مفاوضات أنهاء الحرب بالشرق الأوسط يدعو إلى ضرورة التفكير في حوكمة قطاع المحروقات عبر إحداث أجهزة رقابية مستقلة متخصصة.

ففي ظل واقع يومي يمغص عيش فئات من المجتمع، خاصة الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، الذي سجل زيادات جديدة مع متم مارس 2026، وتواصل ارتفاع أثمان السلع الأساسية التي تتحول إلى “واقع دائم”، تتحرك الحكومة على وقع انتقادات حادة، ورغم حزمة التدابير الاستعجالية المتخذة لمواجهة الأزمة، يظل السؤال قائمًا: هل هذه الإجراءات كافية لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، أم أنها مجرد “مثبطات” ظرفية تخفي أزمة بنيوية أعمق؟

فهذا الواقع يستدعي إعادة النظرة في السياسة العامة للمنافسة وحرية الأسعار بصفة عامة وضبط سلة المحروقات بصفة خاصة سواء على مستوى مراجعة التشريع المتعلق بحرية المنافسة أو الإطار المؤسساتي للضبط الاقتصادي الذي يمارسه مجلس المنافسة الذي يملك الولاية العامة في مراقبة الأسعار، وفي ظل محدودية دوره أمام تعاظم مكانة السلطة الاقتصادية الخاصة، يبقى الحل هو إحداث جهاز ضبطي مستقل إسوة بما هو جاري به العمل في عدد من القطاعات من قبيل الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات أو هيئة ضبط الكهرباء.

 فدستور 2011 نص على إحداث عدد من هيئات الحكامة الجيدة ونص في الفصل 159 على أن الهيئات المكلفة بالحكامة مستقلة وتستفيد من دعم أجهزة الدولة، ويمكن للقانون أن يحدث عند الضرورة، علاوة على المؤسسات والهيئات المذكورة بعده هيئات أخرى للضبط والحكامة الجيدة، وهنا يظل الطموح مشروعا حول إحداث هيئة وطنية لضبط المحروقات.

فأهمية إحداث هذه الهيئة تكمن في تكليفها بعدد من الاختصاصات الأساسية لتنظيم ومراقبة قطاع المحروقات وذلك من قبيل الرقابة التقنية عبر متابعة الجوانب الفنية للمشاريع في البحث، الإنتاج، النقل، والتوزيع، وأيضا تنظيم المنافسة من خلال السهر على ضمان شفافية ونزاهة السوق، كما يمكن أن تتولى من جهة أخرى مهمة الموافقة على العقود سيما من خلال مراجعة واعتماد العقود المتعلقة باستغلال وتوزيع المحروقات.

كما يمكن أن يناط بهذه الهيئة الضبط الاقتصادي من خلال مراقبة الجوانب الاقتصادية لسوق المحروقات، وأيضا ضمان الامتثال عبر التأكد من التزام الشركات بالقوانين والتشريعات الوطنية، كما يمكن أن يشمل دورها على حماية البيئة وذلك من التأكد من احترام المعايير البيئية في جميع النشاطات.

إن التوجيه العام الاقتصادي الذي تمارسه الدولة غايته هو الحفاظ على التوازن العام للسوق، لكن تحقيق هذه الغاية مع الواقع الاقتصادي الجديد للخواص قد لا يكون سهلا، لكن يمكن ضبطه عبر هيئات الحكامة والتقنين التي جسدت خيارا عكس تحول وظائف الدولة من حارسة، تدخلية ومنقدة، وضابطة.

أستاذ القانون العام الاقتصادي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بأكدال-الرباط-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News