تقارير

هل يمكن للولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق نووي؟

استضافت مدينة جنيف بسويسرا الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة التي تجري بوساطة عمانية بين الولايات المتحدة وإيران حول برنامج طهران النووي، وتأتي على وقع استمرار التحشيد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وآخرها قرار واشنطن إرسال حاملة طائرات إضافية “يو إس إس جيرالد آر فورد” – أكبر حاملة طائرات في العالم- إلى المنطقة لتشديد الضغوط على الإيرانيين وهم على طاولة المفاوضات التي صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يشارك فيها “بشكل غير مباشر”، بينما قابلت إيران تلك التهديدات بتصريحات تعكس الرغبة في التهدئة تارة؛ حيث تأكيد وزارة الخارجية الإيرانية بعد جولة محادثات مسقط أن الموقف الأمريكي من القضية النووية الإيرانية “أصبح أكثر واقعية”، وتصريحات أخرى ذات صبغة دفاعية بنبرة تحدٍ تنسجم مع أيديولوجية النظام القائم منذ 47 عامًا، التي خاطب فيها المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، الرئيس ترامب قائلاً إنه لن يستطيع القضاء على إيران، ملوّحًا بإغراق حاملات الطائرات الأمريكية.

واستبقت إيران الجولة الثانية من المحادثات بمناورات في مضيق هرمز الاستراتيجي – يمر عبره نحو ربع إجمالي النفط المنقول بحرًا وخُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم-، في خطوة ربما أرادت بها أن تحرر مفاوضيها نسبيًا من الضغوط الأمريكية.

  • جولة محادثات جنيف

تظهر تصريحات الجانب الإيراني بعد انتهاء الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة في جنيف مع كل من المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر تقدمًا إيجابيًّا على مسار ملف وآلية التفاوض وليس إنجاز اتفاق، حيث صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنه تم التوصل إلى تفاهم بشأن “المبادئ الرئيسية” للمحادثات، قائلا: “أحرزنا تقدمًا إيجابيًّا مقارنة بالجولة الأخيرة، وسيعمل الطرفان على نسختين من وثيقة الاتفاق المحتملة ويتبادلانها”. وأكد عراقجي أن الطرفين لا يزال لديهما قضايا يتعين عليهما العمل لحلها. وأوضح أن هذا لا يعني أنه سيتم التوصل إلى اتفاق قريبًا، ولكنه قال إن “المسار بدأ”.

  • ماذا يريد طرفا المفاوضات؟

تسعى طهران جاهدةً إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية القاسية المفروضة عليها. كانت إيران مُقيدةً بالفعل بقائمة طويلة من العقوبات الدولية عندما انسحب الرئيس ترامب، خلال ولايته الأولى، من الاتفاق النووي الدولي لعام 2015 الذي تفاوض عليه سلفه أوباما. بعد ذلك، فرض ترامب على إيران عقوبات اقتصادية أشد قسوة، مما أدى إلى انهيار مالي للبلاد، مع تضخم هائل وانخفاض قيمة العملة المحلية، ما جعل توفير الاحتياجات الأساسية صعبًا حتى على الميسورين نسبيًا. وأدى هذا التدهور الاقتصادي الناجم عن العقوبات إلى اندلاع غضب عارم في أوائل يناير الماضي، مُشعلًا موجة احتجاجات غير مسبوقة سقط خلالها قتلى ومصابون على يد قوات الأمن الإيرانية بحسب تقارير أممية، كما اعتقلت السلطات الإيرانية آلاف الأشخاص خلال الاحتجاجات.

ولتجنب انتفاضة جماهيرية أخرى، تدرك قيادة إيران أن الخيار الأمثل هو رفع العقوبات حتى يتمكن الإيرانيون من شراء الغذاء والوقود مجددًا، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

إلا أن ما ترفضه إيران لتحقيق ذلك أمر بالغ الأهمية؛ فقد أصر المسؤولون الإيرانيون على الحفاظ على حق بلادهم في تخصيب اليورانيوم لبرنامج نووي مدني.

في المقابل، تضغط الولايات المتحدة بمطالب تهدف إلى تقييد القدرات النووية لطهران، بما في ذلك إمكانية خفض أو إزالة مخزون إيران من اليورانيوم المُخصّب، ووضع خطة مراقبة جديدة لإيران من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن إدارة ترامب تتشاور بانتظام مع إسرائيل بشأن هذه المسألة، وقد أصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتضمن قيودًا على الصواريخ الباليستية وتمويل طهران لوكلائها في المنطقة. كما تقول إسرائيل إنه لا ينبغي لإيران أن تمتلك على الإطلاق أي قدرات محلية للتخصيب النووي.

  • سيناريوهات محتملة لنتائج المسار التفاوضي

يرى مفاوضون سابقون مثلوا الولايات المتحدة وإيران أنه على الرغم من التوترات الحالية، فلا يزال التوصل إلى اتفاق بين البلدين ممكنًا إذا قدمت طهران ضمانات قوية بتعليق برنامجها النووي.

  • ترتيب هش قصير الأجل

وصرّح روب مالي، المسؤول الأمريكي السابق الذي كان من كبار المفاوضين في الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، لشبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية بأن “ترتيبًا هشًّا قصير الأجل” ممكن نظريًّا، وهو ما قد يحقق “انتصارًا” لكلا الجانبين.

وبموجب الاتفاق مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، تم تقييد تخصيب اليورانيوم الإيراني وعدد أجهزة الطرد المركزي دون إلغاء البرنامج بالكامل. وبعد الضربات الأمريكية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، وعقود من العقوبات الاقتصادية الخانقة، وتدهور وضع حلفائها الإقليميين، ضعفت إيران، مما منح ترامب فرصة لانتزاع التزامات من طهران بتعليق التخصيب إلى أجل غير مسمى، وإلا ستواجه مزيداً من العمل العسكري.

ووفقًا للسيناريو الذي يطرحه مالي، قد تُبرر إيران تعليق برنامجها النووي بأنه ضرورة حتمية، نظرًا لضربات يونيو الماضي والوضع غير الآمن لبرنامجها النووي، وتدعي أنها بحاجة إلى وقت قبل استئناف التخصيب.

من جانبها، ستؤكد الولايات المتحدة أنها حافظت على موقفها الرافض لتخصيب إيران اليورانيوم على أراضيها. ويمكن لكلا الجانبين وصف ذلك بأنه انتصار من نوع ما: إيران، بالإشارة إلى أنها لم تتنازل عن حقها في التخصيب، والولايات المتحدة بالتباهي بأن الرئيس ترامب حقق ما لم يستطع أوباما ولا جو بايدن تحقيقه، وهو وقف التخصيب الإيراني.

وبحسب مالي، يبقى السؤال المطروح هل الرئيس ترامب منفتح على اتفاق نووي فقط، أم سيصر على أن يشمل الاتفاق الصواريخ الباليستية وشركاء إيران الإقليميين أو حتى سياساتها الداخلية؟

  • اتفاق تُقدم فيه إيران ضمانات قوية بأنها ستبقى دولة غير نووية

في المقابل، اعتبر سيد حسين موسويان، الدبلوماسي الإيراني السابق الذي شغل منصب المتحدث باسم إيران خلال مفاوضاتها النووية مع الاتحاد الأوروبي في الفترة من عام 2003 إلى 2005، أن الظروف الآن “مختلفة تمامًا” عن الماضي، لكنها “أكثر ملاءمة” للتوصل إلى اتفاق تُقدم فيه إيران ضمانات قوية بأنها ستبقى دولة غير نووية بشكل دائم.

وقال موسويان: “تتمحور المفاوضات الإيرانية الحالية حول البقاء والحفاظ على وحدة أراضيها وسيادتها الوطنية. وفي هذا الصدد لن تتنازل إيران تحت أي ظرف من الظروف عن قدراتها الدفاعية الرادعة”.

  • فشل المفاوضات بسبب تمسك إيران باقتصارها على برنامجها النووي

من جهته، يرى بنجامين راد، الباحث البارز في مركز بيركل بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن إصرار إيران على أن يكون برنامجها النووي محورًا وحيدًا للمفاوضات مع الولايات المتحدة قد يحد من فرص التوصل إلى اتفاق.

وأوضح راد أن إيران “تتمسك بخط أحمر” فيما يتعلق بمطالب أخرى طرحها ترامب بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية الذي تعتبره إيران جزءًا أساسيًّا من دفاعها، لكن ترامب يفضل القضاء عليه. وتابع: “العنصر النووي هو القضية الوحيدة التي ترغب إيران في مناقشتها. لذا فإن المخاطر بالنسبة لها محدودة ومحصورة في هذا الجانب. أما ما يعنيه ذلك للأمريكيين، فسيتضح لاحقًا”.

وتطرّق الباحث إلى بعض الشروط التي يتوقع أن تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها قبل إبرام اتفاق، قائلًا: “يجب أن ينص الاتفاق على عدم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية إطلاقًا، وأن يتم ذلك بالكامل خارج إيران”، مشيرًا إلى نية إيران الاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم في حال فرض قيود على أنشطتها النووية.

وأضاف راد: “يجب أن يكبح الاتفاق، أو على الأقل يقضي على برنامج إيران لتطوير الصواريخ الباليستية، الذي تزعم إيران أنها بحاجة إليه للدفاع عن نفسها وأن من حقها القيام بذلك، كما يجب أن يضع الاتفاق بعض القيود على قدرة إيران على إثارة المشاكل في الخارج”.

زر الذهاب إلى الأعلى