طارق: احتجاجات المحامين والعدول ليست استثنائية.. ولانتردد في إحالة ملفات الفساد على القضاء (فيديو)
أكد وسيط المملكة، حسن طارق، أن الاحتجاجات التي يشهدها قطاع العدالة، خاصة إضرابات المحامين والعدول، تندرج في إطار دينامية طبيعية تعرفها السياسات العمومية بالمغرب، حيث أصبحت التعبيرات الفئوية جزءا من المشهد العام، في سياق يتسم بتنامي الطلب الاجتماعي وتعدد أشكال التوتر المهني المرتبط بالإصلاحات التشريعية والتنظيمية داخل القطاع.
وفي معرض تفاعله مع الاحتجاجات التي يشهدها قطاع العدالة، خاصة الإضرابات التي يخوضها المحامون، والإعلان عن إضراب مفتوح من طرف العدول، اعتبر وسيط المملكة، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق”، أن هذه الدينامية الاحتجاجية تندرج ضمن تطور طبيعي تعرفه السياسات العمومية بالمغرب، في ظل مناخ الحرية وتنامي قدرة الفاعلين على التعبير عن مطالبهم والدفاع عنها داخل الفضاء العمومي.
وبخصوص إمكانية تدخل المؤسسة بشكل استباقي لاحتواء أزمات قطاع العدالة، أوضح طارق أن تدخل الوسيط يظل رهينا بتلقي تظلمات أو شكايات رسمية، مؤكدا أنه، بصفته رئيسا للمؤسسة، لم يتوصل بأي ملف يهم احتجاجات العدول، كما أن ملف المحامين عرف مسارا تدبيريا خاصا من خلال تدخل رئيس الحكومة.
وفي المقابل، أشار إلى متابعته للموضوع من زاوية أخرى، بصفته عضوا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حيث ساهم في إعداد رأي استشاري حول بعض القضايا المرتبطة بالقطاع، عقب إحالة من مجلس النواب، غير أن ذلك لا يندرج ضمن الاختصاص المباشر لمؤسسة الوسيط في غياب تظلمات رسمية.
وأشار إلى أن ما يشهده القطاع لا يمكن فصله عن تحولات أعمق، تتمثل في تراجع التصورات الكبرى للقضايا الاجتماعية مقابل صعود المطالب الفئوية، التي أصبحت تهيكل المشهد العام والحوار العمومي، مبرزا أن وتيرة الاحتجاج أصبحت جزءا من دورة السياسات العمومية، وليست حالة استثنائية مرتبطة بقطاع بعينه.
وسجل أن هذه التحولات تفرض ضرورة تطوير آليات الوساطة كخيار مؤسساتي ومجتمعي لمواكبة هذا “الانفجار في الطلب الاجتماعي”، خاصة في ظل محدودية الموارد المالية والتشريعية، وهو ما يخلق توترا دائما بين انتظارات المواطنين وقدرة السياسات العمومية على الاستجابة لها.
وفي هذا الإطار، شدد طارق على أن ثقافة الوساطة يجب ألا تظل محصورة في مؤسسة الوسيط فقط، بل ينبغي أن تتحول إلى ممارسة مدنية تشمل المجتمع المدني والفاعلين المحليين، مع إرساء بنيات للوساطة داخل القطاعات الحيوية، مثل الجامعات والمستشفيات، مؤكدا أن المؤسسة تشتغل بالفعل مع وزارة التعليم العالي على إرساء شبكة للوسطاء داخل الفضاء الجامعي.
وفي ما يتعلق بالفساد الإداري، أقر وسيط المملكة بتوصل المؤسسة ببعض الشكايات المرتبطة بادعاءات فساد، غير أنه أوضح أن هذه الحالات لا تندرج ضمن الاختصاص المباشر للمؤسسة، التي تقتصر مهامها على النزاعات الإدارية بين المواطن والإدارة.
وأكد أن الشكايات المرتبطة بشبهات فساد تتم إحالتها إلى الجهات المختصة، وفي مقدمتها النيابة العامة، إلى جانب الهيئات المعنية بمحاربة الرشوة وتعزيز النزاهة، مبرزا أن هناك نوعا من التقاطع بين اختصاصات هذه المؤسسات، يتم تدبيره بما يضمن الانسجام والتكامل في معالجة الملفات.
وعلاقة بتأثير الفساد الإداري على المشاركة السياسية وثقة المواطنين، شدد طارق على أن دور مؤسسة الوسيط، إلى جانب باقي المؤسسات، يجب أن يظل مطبوعا بالتواضع، ويرتكز على ترسيخ سيادة القانون وقيم الإنصاف والعدالة.
واعتبر أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات رهين بمدى جدية ومصداقية أداء هذه الأخيرة، مؤكدا أن المؤسسات لا تكتسب وجودها الفعلي فقط من خلال الشرعية القانونية، بل أيضا من خلال “المشروعية” المرتبطة بمدى قبولها وثقة المواطنين فيها.
وأضاف أن استمرارية النموذج المؤسسي برمته تظل مرتبطة بهذه الثقة، التي تشكل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام مختلف مكونات النسيج المؤسساتي، خاصة في سياق يتسم بتزايد الانتظارات الاجتماعية واتساع دائرة المطالب، مقابل محدودية الإمكانيات المتاحة للاستجابة لها.
إلى ذلك، أكد وسيط المملكة أن المؤسسة تعمل على مواكبة التحولات العميقة التي تعرفها العلاقة بين الإدارة والمواطن، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالطلب الاجتماعي، وتنامي الاحتجاجات المهنية، خاصة في قطاع العدالة، بالتزامن مع استمرار مظاهر الفساد الإداري التي تؤثر على ثقة المواطنين في المؤسسات.
وأشار إلى أن مؤسسة الوسيط تشتغل حاليا على مخطط استراتيجي جديد للفترة الممتدة بين 2026 و2030، يقوم على الانتقال من منطق تدبير الشكايات الفردية إلى فاعل مؤسسي استباقي يساهم في معالجة الاختلالات البنيوية للحكامة الإدارية، مشددا على أن المؤسسة لم تعد تكتفي بمعالجة آلاف التظلمات ذات الطابع الإداري أو المالي أو الجبائي أو العقاري، بل تسعى إلى استخلاص مكامن الخلل الكبرى التي تعيق بناء حكامة مرفقية فعالة.
وفي هذا السياق، أبرز أن العدد الكبير من الملفات التي تتوصل بها المؤسسة، والتي تتراوح بين 6000 و7000 ملف سنويا، لا يعكس سوى جزء محدود من حجم الاختلالات الفعلية، معتبرا أن وجود منصات أخرى تتلقى شكايات أكثر يعكس اتساع دائرة الإشكالات التي تواجه المرتفقين، ما يستدعي تطوير دور الوساطة نحو الاستباق والتدخل المبكر لتفادي تفاقم الأزمات.
اترك تعليقاً