فضيحة “إعانات الأطفال” بهولندا تدخل مرحلتها الحاسمة… وآلاف المغاربة ينتظرون إنصافا كاملا بعد سنوات من الظلم
أعلنت الحكومة الهولندية دخول ملف تعويضات ضحايا فضيحة “إعانات رعاية الأطفال” مرحلته النهائية، بالتزامن مع زيارة رسمية لوزير خارجيتها إلى الرباط يوم 7 أبريل، في خطوة تعكس تقاطع المسارين السياسي والحقوقي بين البلدين، وتعيد إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للجالية المغربية في هولندا.
هذا التطور لا يحمل فقط دلالات إدارية، بل يختزل مسارا طويلا من المعاناة عاشته آلاف الأسر، ضمنها نسبة مهمة من المغاربة، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة اتهامات بالاحتيال دون سند قانوني، قبل أن يتحولوا إلى ضحايا واحدة من أكبر الأزمات المؤسساتية في أوروبا الحديثة.
وبحسب المعطيات الرسمية الهولندية لسنة 2026، فقد خضع جميع المتضررين لما يسمى “التقييم الشامل”، وهي مرحلة توصف بأنها الأكثر تعقيدا في مسار التسوية، ما يمهد لإغلاق الملف إدارياً. غير أن هذا “الإغلاق” لا يلغي، وفق تقارير حقوقية وإعلامية، الأثر العميق الذي خلفته سنوات من السياسات الخاطئة على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأسر المتضررة.
وتعود جذور الفضيحة إلى الفترة الممتدة بين 2005 و2019، حين تحولت إعانات رعاية الأطفال من آلية دعم للأسر العاملة إلى أداة للملاحقة المالية الصارمة. فقد صنفت مصلحة الضرائب آلاف الأسر على أنها “محتالة” بسبب أخطاء إدارية بسيطة أو شبهات غير مثبتة، وطالبتها بإرجاع مبالغ ضخمة دفعة واحدة، وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 100 ألف يورو.
وأدى هذا النهج، وفق تحقيقات صحفية دولية من بينها تقرير لموقع Politico، إلى إفلاس جماعي لعشرات الآلاف من الأسر، حيث تمت مصادرة ممتلكاتهم وحجز رواتبهم، بل وطرد العديد منهم من مساكنهم. ويروي “س.م”، وهو أب مغربي لثلاثة أطفال، في شهادة نشرتها وسائل إعلام أوروبية، كيف طلب منه فجأة سداد 85 ألف يورو، قائلاً: “لم يعد يتبقى لي ما أشتري به الحليب لأطفالي”، قبل أن ينتهي به المطاف مفلساً في مدينة الناظور.
التحقيقات البرلمانية الهولندية كشفت لاحقا أن جزءا من الأزمة كان مرتبطا باستخدام ما يعرف بـ“البروفايل العرقي”، حيث جرى تصنيف حاملي الجنسيات المزدوجة، خاصة من أصول مغربية وتركية، ضمن فئات “عالية المخاطر” بشكل تلقائي.
ووفق تقارير إعلامية، من بينها BBC، فإن هذا التوجه جعل آلاف الأشخاص يعاملون كمشتبه فيهم بناءً على أصولهم فقط، وليس على أفعال مثبتة. وتؤكد “نادية”، وهي أم عزباء من أصول مغربية، أنها وُصمت بالاحتيال فقط لأنها تحمل جنسية مزدوجة، مضيفة: “كنت أعمل في وظيفتين، لكنهم دمّروا كل شيء في لحظة”.
هذا البعد التمييزي حول القضية من خطأ إداري إلى فضيحة حقوقية ذات أبعاد دولية، وأثار انتقادات واسعة بشأن استخدام الخوارزميات بشكل يعيد إنتاج التحيز داخل مؤسسات الدولة.
وتحت ضغط الرأي العام، قدمت الحكومة الهولندية استقالتها الجماعية في يناير 2021، في خطوة اعتُبرت اعترافا سياسيا غير مسبوق بحجم الفشل. ومنذ ذلك الحين، أطلقت السلطات برنامجا شاملا للتعويض، يتضمن منحة أولية لا تقل عن 30 ألف يورو لكل أسرة، مع إمكانية زيادتها حسب حجم الضرر، إضافة إلى شطب الديون وتوفير دعم قانوني ونفسي.
كما أقرت الحكومة، وفق بيانات رسمية، بوجود أكثر من 1800 طفل تأثروا بإجراءات الإيداع في مؤسسات الرعاية نتيجة هذه الأزمة، ما يعكس عمق الأثر الإنساني للملف.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، يرى متابعون أن التعويض المالي لا يمكن أن يعوض سنوات من القلق وفقدان الثقة. وتلخص إحدى الأمهات المغربيات المأساة بقولها: “أخذوا ابني مني بسبب فقر تسببوا فيه هم… من سيعيد له طفولته؟”.
في سياق متصل، تطرح زيارة وزير الخارجية الهولندي إلى الرباط تساؤلات حول موقع هذا الملف ضمن أجندة العلاقات الثنائية. فمع تأكيد البلدين على فتح “مرحلة جديدة” من الشراكة، تتجه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية المغربية لضمان إنصاف مواطنيها، خاصة أولئك الذين عادوا إلى المغرب بعد انهيار أوضاعهم.
وتؤكد السلطات الهولندية أن مغادرة البلاد لا تسقط الحق في التعويض، حيث تم إحداث آلية خاصة للمتضررين في الخارج تتيح لهم متابعة ملفاتهم عن بعد، مع توفير خدمات الترجمة والدعم القانوني.
غير أن الجالية المغربية، داخل هولندا وخارجها، تترقب إجراءات عملية لتسريع صرف التعويضات وضمان وصولها إلى مستحقيها، معتبرة أن قوة العلاقات الثنائية يجب أن تنعكس أولا في حماية حقوق المواطنين.
اترك تعليقاً